مقالات سياسية

من زمن مؤتمر الخريجين: طالعني الخلاء (2)

عبدالباقي مختار (بقه)

إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170).البقرة 

خلصت في الحلقة الاولى من سلسلة ( من زمن مؤتمر الخريجين: طالعني الخلاء) الى تثبيت مقولة ( من شابه اباه فما ظلم)، وكيف ان العلاقات والعمل السياسي الحديث في السودان ( الشمالي، باستثناء جنوبه) قد بنيت على تركة مؤتمر الخريجين- رحم داء تسلط الذاتي والشخصي على العام-  وكل ما حملته من جينات الصراعات الشخصية وعلو الذاتي على الموضوعي، وكيف احيل العمل السياسي والمشاريع الوطنية الطامحة حتي الان، إلى رفض للواقع والغرق في الصراعات والترف الفكري والخيال والمؤامرات، في وقت لم يكن يحتمل سوى العمل والمقاومة والبناء. ودعوت في نهاية الحلقة الاولى من السلسلة، مستندا على مقولة (من كان بلا خطيئة فاليرمها بحجر) الى السمو قليلا من ذواتنا وهوى رغباتنا الشخصية، نحو الموضوعية في نقدنا وصراعنا وبناءنا وتاسيسنا للسلام والديمقراطية. فالحقبة الوحيدة في تاريخنا السياسي التي تعرضت لنقد لاذع، موضوعي وغير موضوعي، هي فترة حكم الخليفة عبدالله التعايشي، حيث مازال احفاده يطاردهم ذلك النقد، بشتيمته تارة، وعدم اهليتهم واحقيتهم في حكم وقيادة البلد الحدادي مدادي مرات اخر. لنطوي تلك التواريخ ونوئد تلك الضغائن والاوهام الذاتية، وصراعات نخبنا الشخصية، لنضعها وراء عدم تقدمنا منذ خروج المستعمر، متسائلا: هل تكون ثورة ديسمبر الظافرة هي تمام بدر استقلالنا؟ 

منذ ان وقعت عيناي على مشاهدة التلفاز في طفولتي، كل مرة في الاول من يناير من كل عام يبث التلفزيون الرسمي مشاهد اثارت تساؤلات طفولتي وحتي اليوم، وهي مشهد مغادرة اخر قطار يحمل ما تبقى من جنود و موظفي الاستعمار البريطاني وهم  يغادرون السودان عائدين الي وطنهم. حتى هنا و المشهد عادي، لكن ماظل يثير فضولي هو مشهد وداع السودانين لهم بالمناديل و الركض خلف القطار، ولا استبعد ان يكون هناك دمع هتون قد ذرف في وداع حبيب لحبيبته او صديق/ة لصديقه/تها او حتى جيران لجيرانهم او سمها ما شئت، ولكنها ليست بعلاقة مُستَعمر بمُستعمِر او مُضطهِد بمُضطهَد؟ ومن يدري، فلا نستبعد تنظيم امسيات وحفلات الوداع للموظفين المستعمرين من قبل قيادات المجتمع المديني والسياسي المخملي حينها؟ 

هل يمكن وصف هذه المشاهد بان السودان لم يكن مُستعمَرة في يوم من الايام؟ واقتبس هنا من الاستاذ شوقي بدري نقله من كتاب خبايا واسرار في السياسة السودانية للاستاذ بشير محمد سعيد، واشارته لوثائق الخارجية البريطانية، بان السودان لم يكن مستعمرة بريطانية ولهذا لم يتبع لوزارة المستعمرات البريطانية بل كان تحت اشراف الخارجية. بعد سقوط الثورة المهدية ومنهج كفاحها المسلح ودخول الاستعمار في العام  1898، وكذلك بعد فشل ثورة 1924 المسلحة ايضا، اخذت العمليات السياسية وقيادة التغيير وسط النخب في السودان تتبنى منحا جديدا، من حيث الادوات ومناهج التغيير في الشمال النيلي و الوسط. ويمكن تلخيص هذا المنحى الجديد القول انها جنحت للتغير السياسي السلمي والزهد او استنكاف التغيير المسلح اوالعنيف، على عكس ماكان يحدث في دول اخرى في معاركها ضد الاستعمار، منها كينيا – حركة الماو الماو- والتي خاضت حرب عصابات طويلة وعنيفة ضد المستعمر البريطاني، راح ضحيته عشرات الالاف من جنود الانجليز ومن الكينيين ممن حاربوا بجانب المستعمر، او حتى ممن وقفوا  في الحياد. خاضت كذلك  جبهة التحرير الجزائرية حروب مسلحة طويل في الصحراء و المدن الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي وقدمت التضحيات الكبيرة فيها، وغيرها من امثلة الكفاح المسلح في افريقيا والعالم العربي والتي قادت الى تجارب سياسية مختلفة. فما الذي طراء بعد الثورة المهدية والجهادية وثورة 24 لنجنح نحو التغيير السياسي السلمي، والزهد اوالاستنكاف عن التغيير والكفاح المسلح؟ ماهي الصفقة؟ ماهي الجينات؟ وما هي الثمرات؟ 

 لاسباب عديدة، نحت قيادات المجتمع السياسي من الشمال النيلي و الوسط وجماهيرهم الى استحسان العلاقة السلمية مع الاستعمار، على خلاف تجارب المهدية والجهادية وثورة 24. ويحدثنا التاريخ ان تلك القيادات والاسر كان انحيازها للمهدية مجبرة او بعد ان لاحت ملامح انتصار المهدية. فمحمد احمد المهدي حينما شرع في دعوته للثورة لم يجد الاستجابة الكبرى في الشمال او الوسط بمقدار ما وجده من دعم بعد عبوره النهر وتوجه غربا. فقد كانت نصرة المهدية وفتوحاتها بدعم جماهير ما يعرف الان في السودان بمناطق الهامش، او المهمشين من الغرب الكبير- كردفان و دارفور- و بشكل اكبر  وسط القبائل الرعوية المتنقلة، وبتايد اقل بكثير وسط المجموعات الزراعية والمستقرة، مثل قاطني الشمال النيلي و الوسط.  وهذا يفسر كذلك صعود الخليفة عبدالله كقائد اول بجانب المهدي وكخليفة له بعد رحيله، وهو ما لم يضعه الاشراف و اولاد البحر في الحسبان حينما طالبوا بالخلافة على اساس آل البيت، ومن ثم اشعلوا نار التمرد السلبي ضد الخليفة عبدالله و جنوده في الشمال و الوسط. السؤال الميتافيزيقي- خارج الجغرافيا والتاريخ- هنا: هل قال الخليفة لآل المهدي (لما تعملوا لكم جيش يحرس البلد تعالوا اتكلموا، وارسل الصادق الي الحبس؟). اما السؤال المهاجر من التاريخ ليعيد طرح نفسه الان مع قوات الدعم السريع:  هل طغى الخليفة اولاً فنال عداء اولاد البحر؟ ام ان اولاد البحر بادروا بالعداء ففقدوا ثقة الخليفة، و حدس ما حدث؟

تم الاحجام ومقاطعة المهدية من قبل قيادات وقاطني الشمال النيلي و الوسط في حقبتين هامتين، الاولي حينما رفضت الفكرة المهدية من قبل رجال الدين والمشايخ قادة المجتمعات، فاتجه المهدي غربا وتحولت الفكرة الي ثورة، ثورة مسلحة وناجحة ضد الحكم التركي. الاحجام والمقاطعة الثانية حدثت بعد وفاة وغياب محمد احمدالمهدي، فجاهر بالعداء نفس القادة ضد خليفة المهدي، الخليفة عبدالله التعايشي، فيما هو معروف حتي اليوم بصراع اولاد الغرب و اولاد البحر، فرجحت الكفة لمن يملك الجيش ويملك الحق في وجه من تواروا خلف الجينات الوراثية والثقافية، و آسروا الاستقرار وعدم الدفاع عن المهدية، فكانت هزيمة وسقوط المهدية في الشمال والوسط، للتحالف النسبي لقادة تلك المناطق مع جيوش الغازي البريطاني- المصري. تلك هي جينات صورة التلفاز في الاول من يناير من كل عام في وداع المُستعمِر، فقد استقبل اولاد البحر الاستعمار بغبطة- معلنة ومسسترة، استقبال المخلص للركون للاستقرار والسلم، فاي استقرار وسلم! فقد كان من الواضح ان منهج وادوات التغيير لدى قيادات الشمال النيلي والوسط هو ما يحقق لهم الاستقرار والركون الى التغيير البطئ بما يحفظ لهم الامتيازات والمكتسبات التاريخية. 

وباستثناء حركة اللواء الابيض، وهي حركة عسكرية من داخل موسسة الجيش الانجليزي، يصلح وصفها بالانقلاب العسكري، وليست حركة جماهيرية مسلحة، كما حدث في مناطق اخرى كثورة السلطان عجبنا في مناطق النيمينغ في جنوب كردفان/جبال النوبة في العام 1917 وثورة النوير في شرق اعالي النيل خلال عامي 1927 -1928، فلم تجد حركة اللواء الابيض التأييد الشعبي او من القيادات المدنية الاجتماعية السياسية في الخرطوم. لاسباب مختلفة حسب موقف و مصلحة كل قيادي. قد تكن غالبية قيادات الشمال النيلي والوسط تلك لم تتعافى بعد من جروح المهدية، المنتصرة حينها على ذواتهم واوهام شخصياتهم، و كانت تخاف من تكرار التجربة بقيادة قادة جدد من ابناء ليسوا من صلبهم، ولا يريدون بالزج بابنائها في صراع عسكري غير متكافي وغير معروف النتائج، بالاضافة الى عدم الرغبة، بالتاكيد، في رهن الاستقرار النسبي والامتيازات التي جلبها الاستعمار بالولوج في مغامرة غير معلومة الجينات الوراثية-الثقافية. منذ تلك التجربة، ثبت بوضوح ان حقبة الثلاثينات دشنت حقبة جديدة للعمل والعلاقات والقيادة السياسة، عمادها الاحجام والمقاطعة والشيطنة للكفاح المسلح، حقبة طالني الخلا كما جاء في عنوان هذه السلسلة، وهي حقبة مستمرة حتى اليوم- مؤتمر الخرجين.

حُقنت الحياة السياسية السودانية بمصل وفكرة مؤتمر الخريجين ( لا يعرف في اي معمل) في منتصف الثلاثينات بالانشطة الثقافية والاجتماعية، وبدات الدعوة لتجمع الخريجين في مقال لخضر حمد في جريدة السودان في العام 1935، ثم ابرز الفكرة ونادى بالاتحاد الفكري لاندية الخريجين احمد خير المحامي في محاضرة له بنادي الخريجين بود مدني في العام 1937، وعرضت الفكرة على لجنة نادى الخريجين بام درمان برئاسة اسماعيل الازهري، والذي لم يتحمس للفكرة في بادي الامر، الى ان تمت الموافقة على مؤتمر عام للخريجين، اصدر بموجبه السكرتير الاداري للاستعمار الثنائي البريطاني- المصري منشورا مؤيدا وداعيا لقيام مؤتمر الخريجين. 

ميلاد مؤتمر الخريجين- رحم تسلط الذاتي على الموضوعي، والشخصي على العام- جاء مدشنا لفصل جديد تعيش سطوره حياتنا وحركتنا السياسية حتي اليوم، جوهره تسوية الصراع ونزع جذوة نار التحرر والانعتاق ويقظة مبادئ المساواة والعدالة، ومستقراها في سياسية ما هو متاح وممكن، سياسة اشباع الامتيازات والاهواء الذاتية، والمحافظة على الاستقرار النسبي، ايا كانت الازمات خارج حاظنة تلك الامتيازات، ولنا في تجربة حاضنتنا السياسية الحرية والتغيير الماثلة اسوة سيئة! 

في الحلقة الثالثة من سلسلة ( من زمن مؤتمر الخريجين: طالعني الخلاء) سنبحث عن جينات كائن مؤتمر الخريجين، وجودها من عدمه وتقاطعاتها، في نشوء وتطور وما آلت اليه حركات الكفاح السياسي المسلح.

***

عبدالباقي مختار (بقه)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق