مقالات وآراء

ثقافة تقصي الحقائق ما بين آمال منشودة وواقع مرير

د. ماندي كاتو

المستهلك السلبي (Passive consumer)، مصطلح ينطبق علي نسبة مهولة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من جيلنا الحالي. تجدهم يتدافعون علي نقل ومشاركة روابط الأخبار و كل ما يعتبرونها “مستجدات إخبارية” دون التمعن فيها او إخضاعها لذرة تعقل و ما يترتب عليه من تبعات مدمرة في حال ثُبت عدم صحتها.

دون تكابر، اذا استثنينا من المعادلة “المستضعفين تعليميا” و هي للاسف فئة ليست بالصغيرة (إرث و نتاج طبيعي لعقود من الظلم الممنهج و حروبات اهلية قبل و بعد الاستقلال)، تجد أن بعض ممن نفترض فيهم الاستنبات و الوعي ضحايا مخلصين لهذا العادة. قد تتفاوت الدوافع من رغبة بريئة لمشاركة كل ماهو جديد مع المقربين الى من يلهثون وراء كسب و قبول اسفيري “لشئ في نفس يعقوب”، مع ذلك في تقديري يظل السبب الجزري واحد: جمود و كسل فكري لا غيراً . فايا ترى أين تكمُن العلّة؟!!

للامانة، لست مُلم بنوعية المناهج في هذه الايام، و لكن اذا دققنا النظر في المناهج التربوية القديمة بمختلف مستوياته في السودان القديم، نجد حقيقة صادمة جداً و هي‐ قصور التفكير و التحليل النقدي (Critical Thinking and Analysis ) كمبدأ في تصميم المناهج التعليمية و كأن مصمميه هدفوا لإنتاج جيل مُوجّح من المهنين قائمين على قيم و إسس محددة (و هل من عجب في تسمية “وزارة التوجيه التربوي” سابقاً؟!) و هي حقيقة تفطن لها حكومة الثورة السودانية الحالية في شخص د. القراي و ما ينشده من ثورة تصحيحية في التعليم. اذاً ما هو هذا التفكير و التحليل النقدي و ما اهميتها؟

“كل ما تسمعه هو راي فقط ليس جُل الحقيقة، و كل ما تراه فهو وجهة نظر فقط و ليس جُل الواقع”
مقولة مشهورة ألقاها الإمبراطور الفيلسوف الروماني ماركوس اوريليوس قبل أكثر من قرن قبل الميلاد ساهمت في إثراء التفكير و التحليل النقدي كمهارة حيوية لا يستغنى عنه، فابسط تعريف له هو؛ القدرة علي عمل أحكام مدروسة و متزنة دون إجحاف. فهو في المقام الأول يستفز الفضول في العقول و الانفس ، يحفز الاهتمام بما هو مطروح امامك فبالتالي يشجع علي البحث و التدقيق قبل الإقبال علي استنتاجات منطقية مبنية علي حقائق آخذاً في الإعتبار كل الجوانب .مثلا في كل شي ، تجد عقلك الباطني يسأل ؛ ماذا يحدث/ماذا أرى؟ ما اهميته بالنسبة لي و من المتضرر ؟ ما هو ذاك الجانب المخفي علي و ما اهميتها؟ ما/من هو مصدر ما ارى ، كيف أتأكد منه و كيف يفيده أو يفيدني و لماذا اضغي له في المقام الاول؟! ماذا يجب أن يُأخذ في الإعتبار و ماذا لو ، و لماذا….الخ. كل مما يعزز من أهمية التفكير النقدي كا اداء مهم للغاية ليس فقط في مساعينا الأكاديمية بل يومياً في حياتنا الاجتماعية و المهنية أيضاً.

اكثر من اي وقت اخر مضى، توجب علينا الحذر و اخذ الحيطة مما يصادفنا و نتداوله من معلومات. فعلي عكس نهج الإعلام التقليدي من تحرر لجودة و مصداقية كل ما يُنشر، فقد أوجد التقدم التكنولوجي الحالي لكل من “هب و دب” مساحات و قنوات أكثر فعالية لنشر ، بحث و تصديق كل ما يتماشى مع بنات افكاره و معتقداته فقط غير مقيداً بالموازين الأخرى. فاليوم تعد التضليل المعلوماتي (Disinformation) من افتك الأسلحة المستخدمة في الحرب السيبرانية (Cyberwarfare) بغرض تدمير انظمة ، تغييب او تاليب الراي العام ضد قوة معينة أو جهات معادية. تعمل التضليل المعلوماتي المنظم على مد العامة بانصاف حقائق و العزف على أوتار حساسة كالانتماء الإيديولوجي بمختلف أنواعها (اثني، ثقافي، جغرافي أم عقائدي كانت) و من ثم المراهنة علي وجود جمع غفير من فاقدي مهارة التفكير النقدي في تفعيلها. خير مثال لذلك هو ما اُثير موخراً من إستهداف آحدى الدول لانتخابات دولة عظمى أخرى بغرض التأثير عليها و تمرير اجندة خاصة.
على ضؤ جائحة الكورونا الحالية و علي لسان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية د. تادروس ادهانوم، اخطر من الجائحة نفسها هي “جائحة التضليل المعلوماتي” المصاحبة أو ما يُعرف ب ال (Info-demic) و ما بها من آثار تناقصي و إضعاف للجهود المبذولة لمجابهة المرض. ف بربك، ما المخرج من هذا المعضلة؟!!

في حين تقع المسؤلية الرئيسية على عاتق الجهات المخولة و ذات الصلة في عمل تقيم شامل عن مدى جدوى المناهج التعليمية الحالية بمختلف مستوياته في انشاء جيل مفكر كحل طويل الامد، يظل هنالك خطوات و حلول عملية يمكن انتهاجه في المدة القريب ، احداهما؛ أن يستوجب علي كل من يفترض في نفسه الاستنارة ألتحلي بالاستقامة و المسئولية الاجتماعية في المقام الاول و من ثم الأمانة مع النفس و رغبة صادقة مرفقة بجهد مبذول في تفحص القضايا المطروحة قبل تناوله. نسبة لاستشراء ظاهرة الاستهلاك السلبي نتيجة للخمول الفكري، فقد ادرجت اغلب مواقع التواصل الاجتماعي و محركات البحث الاكتروني العملاقة (قوقل كمثالاً) خاصية تقصي المعلومات ضمن مكوناتها. و لكن هيهات! فالعيون ترى ما تدركه العقول فقط.

د. ماندي كاتو
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..