
المستهلك السلبي (Passive consumer)، مصطلح ينطبق علي نسبة مهولة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من جيلنا الحالي. تجدهم يتدافعون علي نقل ومشاركة روابط الأخبار و كل ما يعتبرونها “مستجدات إخبارية” دون التمعن فيها او إخضاعها لذرة تعقل و ما يترتب عليه من تبعات مدمرة في حال ثُبت عدم صحتها.
دون تكابر، اذا استثنينا من المعادلة “المستضعفين تعليميا” و هي للاسف فئة ليست بالصغيرة (إرث و نتاج طبيعي لعقود من الظلم الممنهج و حروبات اهلية قبل و بعد الاستقلال)، تجد أن بعض ممن نفترض فيهم الاستنبات و الوعي ضحايا مخلصين لهذا العادة. قد تتفاوت الدوافع من رغبة بريئة لمشاركة كل ماهو جديد مع المقربين الى من يلهثون وراء كسب و قبول اسفيري “لشئ في نفس يعقوب”، مع ذلك في تقديري يظل السبب الجزري واحد: جمود و كسل فكري لا غيراً . فايا ترى أين تكمُن العلّة؟!!
للامانة، لست مُلم بنوعية المناهج في هذه الايام، و لكن اذا دققنا النظر في المناهج التربوية القديمة بمختلف مستوياته في السودان القديم، نجد حقيقة صادمة جداً و هي‐ قصور التفكير و التحليل النقدي (Critical Thinking and Analysis ) كمبدأ في تصميم المناهج التعليمية و كأن مصمميه هدفوا لإنتاج جيل مُوجّح من المهنين قائمين على قيم و إسس محددة (و هل من عجب في تسمية “وزارة التوجيه التربوي” سابقاً؟!) و هي حقيقة تفطن لها حكومة الثورة السودانية الحالية في شخص د. القراي و ما ينشده من ثورة تصحيحية في التعليم. اذاً ما هو هذا التفكير و التحليل النقدي و ما اهميتها؟
“كل ما تسمعه هو راي فقط ليس جُل الحقيقة، و كل ما تراه فهو وجهة نظر فقط و ليس جُل الواقع”
مقولة مشهورة ألقاها الإمبراطور الفيلسوف الروماني ماركوس اوريليوس قبل أكثر من قرن قبل الميلاد ساهمت في إثراء التفكير و التحليل النقدي كمهارة حيوية لا يستغنى عنه، فابسط تعريف له هو؛ القدرة علي عمل أحكام مدروسة و متزنة دون إجحاف. فهو في المقام الأول يستفز الفضول في العقول و الانفس ، يحفز الاهتمام بما هو مطروح امامك فبالتالي يشجع علي البحث و التدقيق قبل الإقبال علي استنتاجات منطقية مبنية علي حقائق آخذاً في الإعتبار كل الجوانب .مثلا في كل شي ، تجد عقلك الباطني يسأل ؛ ماذا يحدث/ماذا أرى؟ ما اهميته بالنسبة لي و من المتضرر ؟ ما هو ذاك الجانب المخفي علي و ما اهميتها؟ ما/من هو مصدر ما ارى ، كيف أتأكد منه و كيف يفيده أو يفيدني و لماذا اضغي له في المقام الاول؟! ماذا يجب أن يُأخذ في الإعتبار و ماذا لو ، و لماذا….الخ. كل مما يعزز من أهمية التفكير النقدي كا اداء مهم للغاية ليس فقط في مساعينا الأكاديمية بل يومياً في حياتنا الاجتماعية و المهنية أيضاً.
اكثر من اي وقت اخر مضى، توجب علينا الحذر و اخذ الحيطة مما يصادفنا و نتداوله من معلومات. فعلي عكس نهج الإعلام التقليدي من تحرر لجودة و مصداقية كل ما يُنشر، فقد أوجد التقدم التكنولوجي الحالي لكل من “هب و دب” مساحات و قنوات أكثر فعالية لنشر ، بحث و تصديق كل ما يتماشى مع بنات افكاره و معتقداته فقط غير مقيداً بالموازين الأخرى. فاليوم تعد التضليل المعلوماتي (Disinformation) من افتك الأسلحة المستخدمة في الحرب السيبرانية (Cyberwarfare) بغرض تدمير انظمة ، تغييب او تاليب الراي العام ضد قوة معينة أو جهات معادية. تعمل التضليل المعلوماتي المنظم على مد العامة بانصاف حقائق و العزف على أوتار حساسة كالانتماء الإيديولوجي بمختلف أنواعها (اثني، ثقافي، جغرافي أم عقائدي كانت) و من ثم المراهنة علي وجود جمع غفير من فاقدي مهارة التفكير النقدي في تفعيلها. خير مثال لذلك هو ما اُثير موخراً من إستهداف آحدى الدول لانتخابات دولة عظمى أخرى بغرض التأثير عليها و تمرير اجندة خاصة.
على ضؤ جائحة الكورونا الحالية و علي لسان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية د. تادروس ادهانوم، اخطر من الجائحة نفسها هي “جائحة التضليل المعلوماتي” المصاحبة أو ما يُعرف ب ال (Info-demic) و ما بها من آثار تناقصي و إضعاف للجهود المبذولة لمجابهة المرض. ف بربك، ما المخرج من هذا المعضلة؟!!
في حين تقع المسؤلية الرئيسية على عاتق الجهات المخولة و ذات الصلة في عمل تقيم شامل عن مدى جدوى المناهج التعليمية الحالية بمختلف مستوياته في انشاء جيل مفكر كحل طويل الامد، يظل هنالك خطوات و حلول عملية يمكن انتهاجه في المدة القريب ، احداهما؛ أن يستوجب علي كل من يفترض في نفسه الاستنارة ألتحلي بالاستقامة و المسئولية الاجتماعية في المقام الاول و من ثم الأمانة مع النفس و رغبة صادقة مرفقة بجهد مبذول في تفحص القضايا المطروحة قبل تناوله. نسبة لاستشراء ظاهرة الاستهلاك السلبي نتيجة للخمول الفكري، فقد ادرجت اغلب مواقع التواصل الاجتماعي و محركات البحث الاكتروني العملاقة (قوقل كمثالاً) خاصية تقصي المعلومات ضمن مكوناتها. و لكن هيهات! فالعيون ترى ما تدركه العقول فقط.
د. ماندي كاتو
[email protected]



