مقالات سياسية

ويَشْهَد عليها الفانوس الشهير!

د. عصام محجوب الماحي

ثُلاثِيّة عادل، الحاج ورّاق ومحمّد طه التي أصبحت بانضمامي رُباعِيّة، وصارت خُماسِيّة بمكّي المَغْربي، كانت ذات إيقاع خاص.
كان فيها سَمَر وعَمَل، سَهَر وتَعَب، جري و”شَلْهَدَة”، ومخاطر راح ضَحِيّتها محمد طه.
كانت مُبادرات واسْتِشْعار مسْؤوليّة.
كان فيها حوار وجدل، وأفْكار تتطوّر، وأخْذ وعطاء.

كان ورّاق في قِمّةِ عطائه الفِكْري بعد أنْ تحرّر من الدوغما. صارت تأمُلاته ليست برغماتيّة ولكنها واقعيّة، مُضافة إليها أحْلامه المشْروعة. لَمْ يتخلْ ورّاق عن نَصْر الحق والعدل والدفع بالحُرِّيّات والعمل على إشاعة الديمقراطيّة، ولكنه قال لرفاقهِ الشيوعيين لكم حِزْبكُم ولِيَّ حُرِّيّتي، وسمّى لاحقاً صحيفته الحُرِّيّة.. فَيا عاشق الحُرِّيّة لك وُدْي.
كانت الصُحْبَة الخُماسِيّة تَجِد في امتداد الدرجة الثالثة والحِلّة الجديدة كوارع وفول وأحيانا كبدة مُحَمّرة بالتومِ، وفي الديم سَنْدّة مدِيدَة تَمُر وحاجات تانية تَحوِّمْنِي تُؤخَذ (تيك اوي). كلمة (سفري) المُسْتَعْمَلة والمَفْهومَة قد لا تّفي إلّا إذا أدْخِلَت في جُمْلة.

كانت الجولات، ثُلاثِيّة أو رُباعِيّة أو مُكْتَمِلَة خُماسِيّة، وإذا صادَفت خميس يَصْبَح خميساً ولا كل الخمايس. لا تُغَنِّي له “هَلا بالخميس”، وإنَّما هَلا بالصُحْبة وغَلا ما يَتْرُكه إيقاعها في الذّاكِرة، فيذهب كل مِنّا لبيته بأملِ اللقاء في اليوم التالي.
حديث هاتفي صباحات الجُمَع يدْفَعَك لتَجْمَع ولا تَطْرَح أبداً ناتج اسبوع مضى من أحداثٍ وتطوراتٍ. ومباشرة بعد الصلاة تسير السيارة لوحدها حَتّى تَنْزِل من كُبْري المسلّميّة جِهَة الحَرِيقة وتنْعَطِف يميناً ثُمّ يميناً ثُمّ يميناً فتتّجه مُسْرعة لمنزل الوجيه صاحب القلب الكبير فتح الرحمن البشير و”تبرْكِنها” أحياناً بعيداً لزحمة السيارات التي أحْضَرت رواد صالون الجُمْعَة الشهير.
كان عادل سيد احمد الذي يجلس إليه في ذلك الصالون العامر عِلْيّة القوم كتلاميذٍ في فصل دراسي، يدير الحوار والنقاش ويوزِّع الفُرص، ومن حينٍ لآخر يَجْرُد المُلاحظات وما حصل على اتفاق في الرأي والمواقف وما جرى الاختلاف عليه، ويثبِّت ما تسرّب من اخبار ليسعد بها صاحب (الوفاق) محمد طه فتملأ عدد السبت الممتاز لصحيفته، فيما أقوم أغْلب الوقت برصد وتجميع معلومات ومحتويات “التحليل السياسي” الذي تنقَّلْت به من (الرأي العام) لـ (الرأي الأخر) عبْر (الوطن) واسْتَضافته (أخْبار اليوم) أيضاً. كُنْت أكْتُبه يومياً تقريباً، وفي كلِ تلك الصُحُف صنعْتُ أصْدِقاء، وتركت أصْدِقاء.
قُبَيْل صلاة المغرب نَنْطلق، في خُماسِيّة أو رُباعِيّة أو ثُلاثِيّة إلى منازل مُنْتِجي الأحداث، في شارعِ البلديّةِ أو المَنْشِيّةِ أو اوماك وغير ذلك من الأمْكِنَةِ، فيَحْسِدُنا مَن يَحْسِدُنا من ناقلي الأخبار ورواتها.
كان اللقاء بصاحب (الوطن) الصحيفة أبو السيد، يضع النقاط على الحروف، فتُقْرأ في التحليل كلمة (وغد) كما مفترض أنْ تُكْتب لتُقْرأ صحيحة لا (وعد)، وعِبارة “جرْف هار” لا تُقْرأ ابداً “حرْف هار”، حتى لا يقع القارئ والمُتابع من جديد في فخِ فِقْه التمْويه والخِداع بعد انْ نَطَق صاحبه ورائده وموزعه على إخوانه وحوارييه وصبيته بحقائق معادلة الذهاب إلى “السجن حبيساً وإلى القصر رئيساً” التي تكشّفت اسرارها وجمعْنا أكْثرها من المَنْشِيّةِ.
كان مرور الايام له مَعْنى، ومصدر المعاني وشرْحها وتَفْسيرها هو إيقاع الأسماء وعِطْر الأسماء، سيد احمد خليفة وأبنائه وحاجة سكينة وبنات الاسرة المُمْتَدة لابسات التياب، والصبايا مكملات الجمال بالاسكيرتات والفساتين المُزَرْكَشَة فيجعلك تناسق الألوان وتعددها تَغْسِل عيونك من منظر الخِيم السوداء التي تسري في الطرق لا تعرفها “جايه أو ماشه” والعباية تترك وراءها غباراً فتَحْمِد رَبّك أنّك لَسْت راجلاً وإنّما راكباً.
عمي علي، هكذا يناديه كل أهل البيت فاعتِدنا على ذلك نحن ضيوفه الذين تقاسمنا مع أهله كل اشيائهم حتى احلامهم، كانت صَفْقَته مُمَوْسَقَة على نغمِ الطَنْبورِ، ومُدَوْزَنَة على الالحانِ الشَجِيّةِ في ليالي الطَرَبِ التي يَجْمَعُنا للتمتع بها سيد احمد خليفة، وحُبّه الأبدي سكينة.
ما تَحْتَضِنه وتخَزِّنه رتينة العين من جمالٍ في تلك الليالي، وما يبقى في اللسانِ من مذاقِ الطعامِ ومن نغمٍ في الاذنِ، يصبح رصيداً مُتجمِعاً حِزم حِزم من الجمال، والابداع، والفرح والسعادة في مشاهد تدفعك لتختلي بأبي السيد فتسْمع منه حكايات لا تموت عن كلِ مَشْهدٍ، وما يقابله أو شبيهه في زمن مضى، فتتوفر لك فُرص أنْ تعيش كل ذلك في أزْمِنَةٍ مُخْتلفةٍ، زمن لسّه وزمن جاي وزمن هسّه.
عبور الاسماء وتردُدها وحضورها في حضْرة سيد احمد خليفة يَتْرُك مشاعره الإنْسانِيّة ومساهماته الفِكْرِيّة والمادِيّة وعِطْره المُحبّب، ذِكْرِيات عَطِرةٌ على إيقاعِ الزمن الذي يَمْضي والأيام الباقيات. لَمْ يتخلّفْ أحد، أهل أقْرِباء أصْدِقاء أصْحاب معارف سُفراء أساتِذة جامعات صحفيين أطباء مهندسين اقتصاديين اداريين موظفين معلمين مدرسين مزارعين عمال فنانين تجار رجال أعمال أغنياء أصْحاب مهن مختلفة وناس فقراء لا حول لهم ولا قوَّة وسياسيين وعمر نور الدائم، كلهم في عُرْفِ سيد احمد خليفة جزء مكمل للمشاهد التي عاشها، وأنْتَج فيها (الوطن) وقْبْلها مبادرات وكتابات في العديدِ من الصُحفِ السودانيّة والعربيّة والمجلات العالميّة، يَشْهَد عليها الفانوس الشهير.
تَحِيّة وتَقْدِير لأهل ذلك البيت، الأحْياء مِنْهُم والأمْوات.
*عصام محجوب الماحي*
بوخارست
26 مايو 2020

تعليق واحد

  1. ما هذا الهراء صحيفة الوطن والوفاق واخبار اليوم والمنشية وصحن الفول بالدكوة ما هذه السوءات التي تتكلم عنها وصاحب الوطن والوفاق. أعوذ بالله لو دي ذكرياتك احسن تسكت وتنطم وخليك في غربتك واحكيها لأولادك هناك واوعك تصرح بها عشان تاريخك العجيب دا

زر الذهاب إلى الأعلى