مقالات وآراء

الطيارة فاتتني

“الطيارة فاتتني” ، مقولة أطلقها أحد المسافرين ليبرر سبب تخلفه عن السفر، لكن في الواقع هي دلالة لتحميل ذنبه لجهة أخرى، فأصبحت مثلاً مشاعاً في أوساط المجتمعات السودانية، للتدليل على عدم إعترافنا بما نقترفه من أخطاء. إذ يُقال أن أصل القصة يعود إلى أن رجلاً كان مسافراً بالطائرة، فتأخر عن موعد إقلاع الطائرة – وهي بالطبع محكومة بزمن محدد للإقلاع – وتأخير المسافر هذا لم يكن لشيئ سوى عدم اكتراثه بالزمن، وعندما رجع إلى المنزل، سُئل عن سبب تخلفه عن السفر، فرد قائلاً “الطيارة فاتتني” ولم يقل أنه استهان مواعيد السفر فتأخر عن موعد اقلاع الطائرة، وبالتالي هو وحده الذي فعل فعلته هذه. لذلك فهو لا يعترف بمسئوليته الشخصية في التأخير، بل يُحمّل مسئولية التخلف عن السفر للطائرة التي أقلعت في موعدها حفظاً لقانون الملاحة الجوية. من هذا المنطلق، وفي شأن فشل الدولة السودانية في كل المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نجد أن كثيراً من السودانيين يرمون باللائمة على الاستعمار البريطاني على وجه الخصوص في كل ما حاق بالبلاد من البلاوي. ويحسب لهذا الاستعمار البريطاني أن من محاسنه ادخال التعليم الحديث في الوسط الشمالي للسودان، يقابله من المساوئ المدمرة بخلق المناطق المقفولة في بعض من أجزاء دارفور وجبال النوبة وجنوب السودان. ومهما يكن من مبررات هذه السياسة، إلا أنها في نظر كثير من المهتمين بالشأن السوداني، يرون أنها أسست لاحقاً المنظومة الاستعلائية من قبل السودانيين المتعلمين تجاه هذه المناطق المقفولة، مما أدت إلى دوامة إقصاء النخب النيلية الحاكمة للآخر إلى يومنا هذا. أما الاستعمار الأول، أي التركي/المصري، فهو الأسوأ، ورغم ذلك فالحديث عنه قليل، لذا نحن في حيرة من أمر هذا الحديث القليل والضعيف معاً، هل لانه استعمار مرتبط بفتوحات الإمبراطورية العثمانية القائمة على الخلافة الإسلامية، أم لأن أفعالها تبعث العار في النفوس. فالحقيقة أن الاستعمار التركي/المصري هو الذي أدخل تجارة الرق من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبه إضافة إلى نهب ثروات البلاد من الذهب.

أما في الشأن الداخلى، نلاحظ أن كثير من متعلمي المناطق الطرفية، أو لنقل المهمشين، يرمون باللائمة على مشاكل السودان الأمنية والتنموية المزمنة على عاتق “الجلابة” وهذا تعميم مخل بالموضوعية في وصف جمهور المجتمعات السودانية الشمالية بسوء إدارة البلاد السياسية، إذ أن الصحيح هو أن الذين أداروا شئون البلاد بروح غير الوطني، هم الذين يشكلون منظومة “النخبة النيلية الشمالية الحاكمة” ورغم أن هذه المنظومة قد تأسست في الوسط الشمالي النيلي إلا أن عضويتها تشمل أفراد نفعيين من كل أقاليم السودان المختلفة، أمثال حسبو محمد عبد الرحمن، من إقليم دارفور الذي أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، وموسى محمد أحمد، من الإقليم الشرقي الذي كان مساعداً لرئيس الجمهورية. لذلك نجد أن جميعهم شركاء في قيادة البلاد إلى التخلف بل وتجزئته إلى دولتين وربما إلى أكثر من ذلك إذا تواصلت سياسة عدم الإعتراف بالتنوع مستصحباً سياسات الإقصاء. على ضوء هذه الحقائق المرة، علينا أن نتخلى تماماً عن التمسك بشماعة “طيارة فاتتني” وأن نتحلى نحن الأجيال الحالية بالمسئولية الفردية والجماعية تجاه هذا الوطن العزيز. لأنه لا يوجد أي مبرر للتقاعس عن أداء الواجب الوطني، فقد تعلم كل أبناء الأقاليم المختلفة وتحصلوا على أرفع درجات التعليم. على سبيل المثال، أن أبناء وبنات دارفور الذين تلقوا التعليم الجامعي وفوق الجامعي في العقود الأربعة الأخيرة – منهم من يعمل الآن خبيراً في وكالة ناسا الأمريكية الفضائية – يفوق عددهم ضعف أبناء الأقليم الشمالي لنفس المستوى التعليمي. لكن هناك أمر مهم جداً ينتقص أبناء وبنات دارفور بصفة عامة، ألا وهو الإقدام وخلق المبادرات للمساهمة في ايجاد الحلول المجدية للمعضلة السودانية المستعصية، فالذي تتهمه بسوء إدارة البلاد قد فشل بشهادة التاريخ، وإن هو بادر الآن بأي عمل للإصلاح فلن يشمل هذا رؤيتك لأنه لا يعلمها، لذلك الضرورة تقتضي لَم كل آراء وطموحات أبناء وبنات الوطن في إطار واحد لحل المعضلة السودانية.

عزيزي القارئ، قبل المضي قدماً في الخوض داخل سطور هذه المقالة، استميحك عذراً أن أوضح لك تحديداً ما أعنيه بكلمة “وطني” والتي ستورد كثيراً في هذه المقالة، بل في كل كتاباتي عن الشأن السوداني. فالذي أعني ب”الوطني” هو الحب الحقيقي الخالص والاحترام لتراب هذا البلد وما فيه وعليه. لأنني في حيرة من أمري لاستيعاب الأهداف التي من أجلها قام أمراء المؤتمر المسمى بالوطني في نهب ثروات البلد بل وتدميره في كل مناحي الحياة، فضلاً عن هذا نجد أن الأحزاب السياسية الأخرى تتصارع على الدوام مع بعضها من أجل الحكم. هذا الصراع دفع بكل ثقله إلى اندلاع الحروبات الأهلية في الجنوب والغرب والشرق، وعندما انفصل الجنوب الحبيب لم تخرج لنا هذه الأحزاب بأي إعتذار عن دورها في تأجيج هذه الحروبات. لذلك لا نجد لأي واحد برامج سياسي تنموي “وطني” للنهوض بهذا البلد، وبالتالي تعد هذه الأحزاب على أنها المسئولة في المقام الأول في تدمير وتشطير البلد.

لذلك في أمر البحث عن الحلول الناجحة للمعضلة السودانية المستفحلة، يجب الرجوع أولاً إلى تاريخ تكوين الدولة السودانية التي لم تكتمل بعد. ففي هذا يعود تاريخ تأسيس الدولة السودانية الحالية إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، فقد كانت قبل ذلك ممالك عدة مستقلة جمعها الاستعمار بحد السيف في دولة واحدة. فوُجِدت داخل هذه الرقعة الجغرافية عدة إثنيات بشرية ومناخات مختلفة، وهذا يدل على وجود سبل كسب العيش المختلف ومعها الثقافات المختلفة. لكن أكثر من ذلك هو التأكيد بوجود اختلاف بَيِّن للإرث التاريخي لهذه الممالك في إدارة شئون شعوبها. لذلك وُصِفت الدولة السودانية بذات التعدد الإثني والقبلي والديني والثقافي، وبالتالي من أجل خلق أمة واحدة سالمة ومتماسكة يجب وضع هذا التعدد الغني في الإعتبار، فالعصر الحديث يتطلب ذلك.

في الواقع، لم يكن لأي شعب من هذه الشعوب إرادة في اخضاع ممالكها المختلفة في دولة واحدة، وعندما خرج المستعمر ترك النخب الشمالية التي تلقت التعليم الحديث والتدريب على تسيير دفة الحكم أن ترث السلطة السياسية والاقتصادية في البلاد، ومن ثمّ وظفت هذه النخب السلطة الموروثة في تأسيس منظومة “النخبة النيلية الشمالية الحاكمة”، وكان عليها القيام بعمل دستور دائم للبلاد كأول واجب وطني لإدارة هذا التنوع الذي من شأنه التمسك بوحدة البلاد، أي خلق وجدان حي للدولة المنشئة حديثاً، لكنها فشلت في ذلك بإمتياز، فاتجهت إلى تطوير أسلوب المخادعة وإقصاء الآخرين من المناطق الطرفية (المهمشين) من الحكم ومعه عدم تنمية هذه المناطق. الفشل في احتواء التنوع الغزير أدى إلى اندلاع الحروبات الأهلية. مرة أخرى فشلت هذه النخب في إدارة الحروبات الأهلية بمنهاج “وطني” فكانت النتيجة انشطار الدولة السودانية إلى قطرين في العام 2011م. ففي ايجاز، يُنسب هذا الفشل المريع إلى الأحزاب السياسية التي تولت الحكم بالطرق الديمقراطية الليبرالية ثلاثة مرات، إذ أن فترات الديمقراطية هذه سُميت بالجمعيات التأسيسية (1956م – 58، 1965م – 69، 1986م – 89)، أي أن مهامها الأساسية هي وضع دستور دائم للبلد الحديث المنشأ، ورغم قِصَر فتراتها في الحكم، إلا أنها تواصلت في عدم الاتفاق حول الملامح الأساسية للدستور حتى عندما تكون في المعارضة. يعني أنها في زهاء الخمسة والستون عاماً ظلت في مربع نفس الخلاف حول المسألة الدستورية.

في نظرتنا للمشكلة السودانية، نرى أن هناك دولتان عميقتان في السودان، أولهما وهي الأقدم، هي دولة جموع الأحزاب السياسية التي عملت منذ نشأتها في أربعينات القرن الماضي على مناكفة بعضها في وضع العراقيل المميتة في سبيل وضع دستور دائم للبلاد، وما زالت هذه الأحزاب تعمل على استحياء وبنفس العراقيل. وما خروج حزب الأمة من منظومة “قوى الحرية والتغيير” (قحت) في الأسبوع الأخير من شهر إبريل من هذا العام، وكذا المعركة المفتعلة التي شنها د. صديق تاور (حزب البعث العربي)، عضو مجلس السيادة أثناء جلسة “لجنة الطوارئ العليا لأزمة كرونا” في النصف الأول من هذا الشهر، ضد الدكتور/أكرم على التوم (من منسوبي ثوار ديسمبر 2018م)، وزير الصحة الاتحادي، إلا دليل على أن هذه الدولة العميقة القديمة مازالت تعمل لعرقلة مسيرة الدولة السودانية نحو الحداثة. أما الدولة العميقة الثانية، هي في الواقع تواصل للدولة العميقة الأولى، إذ هي تتمثل في جموع الكتل السياسية المسمى بالإسلامية بقيادة حزب المؤتمر اللاوطني، فهي حديثة لأن أعمالها التخريبية ظهرت بشكل سافر مع نجاح اسقاط حكم الإسلاميين والبدء في تأسيس دولة المؤسسات الحديثة. ويجدر بي أن أذكر أن هناك دولة ثالثة وهي الحديثة التي لم تُنشأ بعد، إذ تقع مسئولية تأسيسها التاريخية على عاتق الفترة الانتقالية الحالية.

الدولتان العميقتان، الأولى والثانية، عمِلتا بإمتياز في خلق مناخ لعدم الاستقرار الأمني في البلاد، إذ عملت الأولى في التنصل عن الاتفاق الذي تمّ مع المواطنيين الجنوبيين بأن يكون نظام الحكم في البلاد بعد الاستقلال فيدرالياً – كان الجنوبيون قد توصلوا في اجتماعاتهم في جوبا العام 1947م، بأن يصوتوا لصالح الاستقلال شريطة أن يكون الحكم في السودان فيدرالياً – هذا التنصل أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الأولى في العام 1955م، والتي راح ضحيتها أكثر من مليوني مواطن سوداني. أيضاً تواصلت هذه الدولة العميقة الأولى، في اشعال نيران الفتن والحروبات الأهلية في الغرب الكبير للبلاد. ابتدرها الصادق المهدي، في ستينات القرن الماضي بتسليح القبائل العربية والتي سُمِيَت في حينها “بالمراحيل” في كردفان، ثم في عهد الإنقاذ تمّ تسليح بعض القبائل العربية في دارفور تحت مسمى “الفرسان” ثم “حرس الحدود” وهي (الجنجويد). وتسليح أية فئة اجتماعية معينة دون الفئآت الأخرى، يعني تحريضها بوضوح تام، بل دفعها بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، وهذا ما حصل تحديداً في دارفور. فقد جاء في تقارير الأمم المتحدة أن عدد القتلى في دارفور لوحدها فاق الثلاثمائة ألف قتيل (300،000) منذ العام 2002م. وفي الوسط قتل نظام البشير أكثر من مائتي (200) طالب في العيلفون العام 1998م فقط لأنهم طالبوا بأن يقضوا عطلة العيد مع أهليهم، وفي كجبار في أقصى شمال البلاد قُتِل عدد من المزارعين لمطالبتهم بأراضيهم. كل هذا القتل غير المبرر ترك جروح عميقة في نفوس السودانيين في طول البلاد وعرضها، مما يستوجب أعمال خارقة لتضميد هذه الجروح.

مهام الفترة الانتقالية في أي بلد كان قد خرج لتوه من قبضة الاستعمار الأجنبي، أو خرج من أتون الصراعات السياسية والدموية، لأن مكوناتها الاجتماعية المتعددة لم تكن تعترف ببعضها البعض. تكون أولى أعمالها وضع دستور دائم لتثبيت دعائم السلام والتوحد بين هذه المكونات ومن ثمّ استقرار البلد السياسي. في هذا الاطار، السودان ليس بمعزل عن من سبقوه من الدول في هذا المجال، على سبيل المثال، نلاحظ أن شعوب دول كينيا وجنوب إفريقيا ورواندا، تنعم اليوم في ظل دساتيرها الوطنية باستقرار سياسي وتنمية اقتصادية تسير في اتجاه سليم. حلّت في السودان اليوم فرصة ذهبية بعد نجاح الثورة الديسمبرية لعام 2018م لعمل دستور دائم للبلاد، إذ هو المطلب الأساسي للثوار الذي من أجله قدموا أرواحهم فداءً له. لذلك على القائمين بأمر السودان في الفترة الانتقالية أن يترجموا واقعياً، شعار “حرية سلام وعدالة” إلى أعمال “وطنية” حتى يتمكنوا من تسطير تاريخ ناصع البياض بمداد من ذهب الذي لا يمكن محوه ما بقيت الحياة على وجه المعمورة، ترجمة الشعار هذه، سوف يؤدي إلى تغيير شامل للمنظومة السياسية القديمة برمتها. في الواقع نلاحظ أن وعي شباب الثورة يؤكد لنا تماماً أن حرية الإنسان هي بالفطرة، وليست هبة من أحد أو مكسب، وإنما هي ضرورة لتخليص الإنسان من الضغوط والقيود والقواهر الخارجية التي تحول دون أمانيه. لذلك عندما رفع الثوار شعار “الحرية” كان الهدف منه أن يصبح الإنسان السوداني حراً، ليستطيع حقيقةً أن يتحكم في تحديد طريق الشأن العام ويكون له الحق في إبداء الرأي في إطار السياسة على صعيد الوطن والمجتمع. لذلك يصبح تحرير الإنسان السوداني من التبعية العمياء وسطوة الأحزاب الطائفية والعقائدية للتصويت لها بالإشارة، أمراً ضرورياً.

من هذا المنطلق، وفي سعينا لوضع دستور دائم للبلاد، يجب أن نقر جميعاً أن الفترة الانتقالية الحالية هي فرصة لن تتكرر مرة أخرى، لذلك نوجه نداءاً وطنياً مباشراً لقيادة الدولة العليا، ممثلة في السيد الفريق أول/عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، والسيد الفريق أول/محمد حمدان دقلو، نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد قوات الدعم السريع، والسيد الدكتور/عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي، باستثمار هذه الفترة الانتقالية في دستور وطني للبلاد. هناك حكمة تقول أن كل النساء يلدن الذكور لكن المواقف هي التي تصنع الرجال، ومقصدنا هنا أن الثورة الديسمبرية العظيمة قد جمعت كل الشعوب السودانية في حظيرة ثورة التغيير، (يا العنصري المغرور كل البلد دارفور)، والكل في ذاكرته الحيّة مسيرة قطار عطبرة إلى الخرطوم وكرنفال دارفور التي شقت آلاف الكيلو مترات من الجنينة في أقصى غرب البلاد إلى أمدرمان، نصرة ودعماً للثوار في العاصمة. فالثورة الديسمبرية خلقت أرضية صلبة ومتينة لمسيرة التغيير، فوضعت كل السلطات السياسية والأمنية في يد هذه القيادة العليا. لكن في نفس الوقت علينا أن نعترف بأن هذه الأرضية مليئة بالأشواك الطاعنة في كل الجبهات، وأنتم يا قادة القيادة العليا للبلاد قد تضامنتم علناً مع الثوار بإرادتكم الحرة يوم أن قال البرهان للبشير “لا مكان لك في السلطة Game over ” ومن قبل رفض دقلو أمر البشير في قتل الثوار، واكتملت صورة التضامن عندما قبل حمدوك قيادة السلطة التنفيذية.

لست هنا بصدد تلقين دروس لأية فئة بشرية كانت، بقدر ما أود أن أساهم مع الآخرين بتذكير الناس جميعاً، تاريخ بلدنا المظلم، وكيف يمكن استثمار شمس السلام التي أشرقت على أكمل وجه. لذا أقول مرة أخرى، أن الفرصة الذهبية السانحة الآن في هذه الفترة الانتقالية لن تتكرر ثانية، فهي موقف تاريخي صنعه الثوار بدمائهم الطاهرة، لذلك يصبح استثمارها واجباً وطنياً لدفع عمل الدستور الدائم. هنا قد يختلف بعض الناس وأنا منهم بالزمن الذي حدده الدستور الانتقالي بأن تكون الفترة الانتقالية ثلاثة سنوات. واختلافنا هنا نابع من أن المبدأ، هو أن يتم تحديد الفترة الانتقالية على ضوء تحقيق الهدف المنوط القيام به في هذه الفترة. وكما هو معلوم أن كل النظم السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد زهاء الأربعة وستون (64) عاماً، قد فشلت بدرجة امتياز في وضع دستور وطني للبلاد. لذا يصبح أهم واجبات الفترة الانتقالية هي وضع دستور دائم للبلد، ثانياً، حصل تدمير كامل لكل شيئ أثناء فترة الثلاثين عاماً التي تربع فيها الإسلاميون على السلطة. ولكي يتم وضع قطار السلام والتنمية على القضيب المستقيم، تحتاج الفترة الانتقالية إلى زمن أطول مما حدده الدستور الانتقالي، فضلاً عن ذلك يجب أن نضع في الاعتبار أنه مضى من عمر هذه الفترة الانتقالية أكثر من عام ولم يتم بعد تشكيل االمجلس التشريعي حتى الآن. لذلك وعلى ضوء هذه المبررات الموضوعية، أرى أن يمتد عمر الفترة الانتقالية إلى أطول زمن ممكن مع وضع برامج لها يستصحبها ترتيب الأولويات للأهداف، لكن بالطبع هي ليست بلا نهاية وفي نفس الوقت يجب أن تحقق أهدافها.

في الواقع، شق طريق الفترة الانتقالية لتحقيق أهداف الثورة الديسمبرية ليس مفروشاً بالورود، هو طريق وعر به شوك كثيف وعقبات جمة، يحتاج إلى نظرة ثاقبة وإرادة قوية نافذة لتخطي هذه العقبات وتنظيف الشوك من فوقه، وهذا هو مقصدنا بأن على القيادة السياسية العليا اليوم أن تصنع تاريخ السودان الناصع البياض، ذاك التاريخ الذي فشل فيه القيادات السابقة فشلاً ذريعاً في صنعه. فالشاهد في الأمر هنا أن “ميثاق الأطلسي Atlantic Charter” الذي اتفق فيه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في أغسطس العام 1941م، على أن يحترما حق جميع الشعوب في اختيار شكل حكوماتها، وبالتالي هما يريدان أن يتم استعادة الحقوق السيادية والحكم الذاتي إلى أولئك الذين حرموا منها قسراً، هذا الميثاق خلق مناخاً صالحاً، بعد الحرب العالمية الثانية للدول المُستّعمَرة أن تشق طرقها نحو الاستقلال بقيادة أبنائها الكرام البررة. لذا سيستمر التاريخ يذكر نضالهم الوطني على مر الزمان، على سبيل المثال نذكر هنا بعض من قادة النضال الإفريقي الذين سطروا التاريخ، منهم اسماعيل الأزهري في السودان، كوامي نكروما في غانا، أحمد سيكو توري في غينيا، ليوبولد سندار سنغور في السنغال، باتريس لوممبا في الكنغو، جوليس نايريري في تنزانيا، أحمد بن بيلا في الجزائر، جومو كنياتا في كينيا، وكينيث كاوندا في زامبيا. لذا وفاءً للدماء الطاهرة التي سالت أنهراً منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، طلباً لتماسك وحدة السودان وعزته، نود بكل صدق أن تلحق أسماء قادة التغيير السياسي لهذا الركب الإفريقي الجليل. لكن إذا ضاعت هذه الفرصة دون تحقيق التغيير المنشود – لا قدر الله ذلك – فإن لعنات السماء سوف تلحق الذين أضاعوا هذه الفرصة أينما حلوا في الدنيا والآخرة.

نداءنا هذا ليس كمن يقال له ” الفى البر عوام”، في الواقع نحن نرى العقبات بمجهر عريض، وأولى هذه العقبات هي التي بدأت مع دخول الأحزاب السياسية وتجمع المهنيين في تحالف ما يسمى ب”قوى الحرية والتغيير” لذلك لن يتم التغيير المنشود طالما الأحزاب السياسية تعمل منذ نشأتها ضد التغيير من أساسه، ففي هذا الإطار نستشهد بالاتفاق الذي تم بين زعماء الطوائف الدينية الثلاثة، علي الميرغني والشريف يوسف الهندي وعبد الرحمن المهدي – على الرغم مما بينهم من خلاف عميق – على مذكرة قدموها لمدير المخابرات البريطاني، في السادس من مارس العام 1925م يعترضون فيها على إلغاء الرق في السودان. هذه المذكرة أثبتت أشياء كثيرة ظلت على الدوام عقبة في استقرار البلاد، من ضمنها توأمة الحزبية السياسية مع الطائفة الدينية وهي أسّ التخلف السياسي في البلاد، هذه المذكرة أثبتت أيضاً في حينها بل ولاحقاً، أن الأحزاب السودانية لا يمكن أن تتفق إلا في حال الأمر تخص فقط مصالحها. في هذا الإطار نلاحظ أن الأحزاب السياسية قد تواصلت في تبني مسلك زعماء الطوائف الدينية. في هذا المنحى يجدر بنا أن نذكر القارئ الكريم، أن الأحزاب السياسية والنقابات والفعاليات الأخرى المكونة للتجمع الوطني الديمقراطي قد وافقت في مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا (إريتريا) في يونيو العام 1995م، على بند أساسي هو “لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني”. ومنذ ذاك التاريخ لم يتم تنفيذ هذا البند الذي وافقوا حوله بإرادتهم، بل إزدادت عدد الأحزاب الدينية وتوسعت الخلافات وتعددت الرؤى حتى في الدولة الدينية نفسها، لذا لا يجدي سوى إخراج هذه الأحزاب من منظومة “قوى الحرية والتغيير” واستبدالها ب”لجان المقاومة الشعبية” الثوار الحقيقين.

الأمر الثاني، هو إقامة العدالة الانتقالية Transitional Justice. كلنا ندرك حجم الأحقاد والمرارات التي في نفوس الناس جراء ما حدث لهم من عنف الدولة أثناء حكم الجبهة القومية الإسلامية الاستبدادي. لذلك عند إقامة العدالة الانتقالية سوف يؤدي للاعتراف بحقوق الضحايا واستعادة الثقة المدنية وتقوية سيادة القانون، فضلاً عن ذلك فهي وقاية من الوقوع في مثل هذه الانتهاكات اللاإنسانية مستقبلاً. وبما أن تردي الحالة الأمنية قد نشطت في الأشهر الماضية بشكل قبيح، على سبيل المثال في حواضر بورتسودان، الجنينة، كسلا، وكادوقلي. فهي إذن دلالة على عدم تنفيذ برامج العدالة الانتقالية خاصة في جانب المساءلة القانونية. في هذا المقام هناك عدة أمور يجب أن تنفذ على وجه السرعة منها (1) تقديم رؤس النظام البائد للمحاكمات والموجودين الآن في الحراسات. (2) إرسال المواطنين المطلوبين للمثول أمام العدالة الدولية – عمر البشير وعبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون وعلي كوشيب – إلى المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي (هولندا). هنا تكون الحكومة قد أوفت بعهدها مع الأمم المتحدة التي أودعت قضية السودان في دارفور للمحكمة الجنائية الدولية للنظر فيها. (3) “لجنة حكماء إفريقيا” لسنة 2008م التي كونها الاتحاد الإفريقي برئاسة ثابو امبيكي، رئيس جمهورية جنوب إفريقيا السابق وإثنان من رؤساء سابقين وعدد من القضاة والمحاميين وأساتذة في القانون الدولي وحقوق الإنسان في الجامعات العالمية. هذه اللجنة كونت بطلب من الحكومة السودانية آنذاك بغرض وقف إجراءات المحكمة الجنائية الدولية في السودان، إلا أن نتائج تقرير اللجنة والذي احتوى على عدد 148 صفحة أتى بما لا تشتهيه نفس البشير وزمرته، قد خلص بأن هناك عدد كبير من الجرائم في حق الإنسانية أُرتُكِبت في السودان، لذا اقترحت اللجنة إضافة إلى المحكمة الجنائية الدولية أربعة مستويات من المحاكم هي (أ) محكمة هجين يتم تشكيلها داخل السودان. (ب) محكمة جنائية سودانية. (ج) المحاكم الأهلية العرفية. (د) لجان للحقيقة والعدل والمصالحة. لذلك يمكن تطبيق توصيات “لجنة حكماء إفريقيا” في شأن العدالة الانتقالية دون تأخير. (4) يجب نزع السلاح الناري كلية من المواطنين، لأن وجوده في أيدي الناس يعني ذلك تشجيعهم في ارتكاب جرائم القتل العمد في الآخرين العزل الذين لا يمتلكون السلاح. (5) بما أن المهام الأساسي للمجلس التشريعي الانتقالي هو وضع الدستور – مطلب الثوار الأساسي – إذن يجب إعادة النظر في تشكيل المجلس التشريعي بحيث يتكون من (أ) الثوار (لجان المقاومة والأحياء) (ب) المهنيين في الحضر والمزارعين والرعاة في الريف (ج) الإدارات الأهلية. هذه التشكيلة من شأنها أن تحتوي على كل المكونات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وبما أن هذه الفئآت الاجتماعية زاهدة عن الحكم فهي لا تنوي أن تشغل كراسي سلطة الحكم، لذا هي أحق وأجدر بوضع الدستور الذي يحقق التعايش السلمي. بالطبع لا توجد ديمقراطية بدون أحزاب سياسية إلا أنها تفقد الأهلية في وضع الدستور فقد فشلت ثلاثة مرات. لذلك تصبح الفئآت المذكورة هذه هي الأجدر والأكفأ في وضع قواعد اللعبة السياسية – الدستور – بعيداً عن الصراعات والمناكفات الحزبية. في هذا المقام نرى ضرورة تفعيل طلب رئيس الوزراء د. حمدوك بدخول الأمم المتحدة تحت البند السادس من ميثاقها، وذلك لتقديم الدعم الفني واللوجستي في عمل الدستور بل وحراسته حتى يكتمل وإجراء الاستفتاء الشعبي عليه ومن ثمّ تجرى الانتخابات الحرة والنزيهة التي سيتنافس فيها الأحزاب السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة لإدارة شئون البلاد ديمقراطياً.

في ختام هذه المقالة نقول ما قلناه أولاً، أن السلطة الآن في يد الحكومة الانتقالية فلا يجدي أن تأتي مع نهاية الفترة الانتقالية وتقول أنها واجهت عدة عراقيل لذا لم تتمكن من انجاز مهامها، فالطيارة لم تفتها بل هي التي تأخرت من اللحاق بها.

أبكر محمد أبوالبشر

كاتب

مانشستر، المملكة المتحدة،

[email protected]

29 مايو 2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق