مقالات وآراء

الذِكرى العاشرة لرحيل المُعَلِّمْ والدي إبراهيم سلمان (سَلَبْ)

أمجد إبراهيم سلمان

من شراب الموية حلوة و مُرّة
الليلة الدِحيش أديهو قش بي برّة
أُمحُمَد تعال الليلة حُوبتك جَات
عندي ليك حساب ما تكتِّر الغَلَتَات (الغلطات)

 كانت تلك أبيات شعرية بالعامية يلقيها طفل صغير في مسرح المدرسة الأولية في ديم القرّاي أو لعلها شندي في بداية أو منتصف الأربعينات من القرن الماضي ، المسرحية كانت مصممة لتشجيع النشء على التعليم و أهميته ، فالرجل الكبير يناجي ولده محمد (أمحمد) أن يعطي الدحيش قشاً و يأتي كي يساعده في حساب الربح و الخسارة فالولد محمد كان قد أكمل المدرسة الأولية مما جعله عارفاً بالقراءة و الكتابة و الحساب ، حينها كان والدي – عليه الرحمة – يسترق السمع لهذا الاكتشاف المدهش في عالمه و المسمى المسرح المدرسي ، أخذت القصة و المسرحية بتلابيب عقله و الذي كان متفتحاً بسبب إكمال الخلوة و حفظ الكثير من الآيات القرآنية ، لكنه أتى إلى المدرسة بصحبة أخيه الأصغر حسين سلمان كي يسجله في المدرسة الأولية ، إلتقى في المدرسة بالأستاذ قِنَاوي ، وكان على حد تعبير الوالد ” حلبي عاتي مخوف الجعليين كلهم ..” و يتبع الوالد ذلك التعليق بضحكة مجلجلة ، يا أستاذ أُمّنا عايزاك تدخل لينا الولد ده الأولية  ، تفرّس الأستاذ قِناوي في وجهه و عاجله قائلاً ” وإنت مالك ما بتدور القراية..” ، فيجيب الوالد أنا مُراحي في الخلاء جايبلك الوليد ده (عمنا حسين) تدخله المدرسة و راجع للغنم ، فالنسبة لوالدي كانت رسالته في الحياة قد انتهت بانتهاء الخلوة و بالحصول على عمل في الرعي يدر على الأسرة دخلاً إضافياً ، يُصِرْ الأستاذ قِناوي قائلاً ” طالما خلصت القرآن أكتب لي في الرملة دي بسم الله الرحمن الرحيم” ، نزولاً عند رغبة المعلم يقوم الولد حينها إبراهيم بمساواة تراب الأرض و يكتب بإصبعه بخط واضح البسملة ، يقوم الأستاذ قناوي بمناداة بعض زملائه ” شوفوا العربي ده بكتب كويس كيف” و يصر على والدي أن يتحدث إلى أبويه و أن أخاه الأصغر يمكن أن يأتي إلى المدرسة بعد عام حتى يشتد عوده.

يعود والدي إلى بيت الأسرة و يخطر أمّه َمسّرة بما قاله الأستاذ ، و ينضم جدنا سلمان إلى الحديث و يقول “يا و لد ما في دين بلا عجين” ، بإشارة أنه قد بدأ بالعمل و ليست هناك حوجة للمدرسة بعد أن صار له عمل في رعي الخراف  والغنم و هو عمل يحقق دخلاً معقولاً ، و تنبري له جدتنا مَسّرة و -هي امرأة ذات بصيرة و شخصية قوية قائلة – ” يا ولد ما تسمع كلام أبوك المخرّف ده ، المُدرّس أكان قال ليك بيقبلك في المدرسة أمِشْ ليه”.

تلك هي لحظة فارقة في حياة والدي حيث أدى دعم والدته له و إصرار الأستاذ قِناوي على قبوله و مسرحية مدرسية مُبسّطة في إشعال جَذْوة الشغف بالعلم و التعلّم ، و قد كان لحبوبتنا مسّرة بت موسى كبير الأثر في دعمه و أخيه الأصغر حسين سلمان حيث ارتحلت معهما من قرية ديم القرّاي إلى شندي و عملت في صنع القفاف و تجارة البصل لدعمهما في مواصلة المدرسة ، و لقد كان والدي شديد الامتنان لجدتنا مسّرة لموقفها ذاك ، و الواقع فنحن كلنا نشعر نحوها بإحترام و إعزاز شديدين لأنها بصنيعها ذاك ساهمت في تعليم والدي الذي صار معلماً للغة الإنجليزية من معهد بخت الرضا بعد أن أكمل المرحلة الثانوية في وادي سيدنا ، و مضى عمنا حسين سلمان (عليه الرحمة)  في الدراسة حتى صار أخصائياً للأمراض الجلدية و قد ارتحل عن عالمنا في شهر فبراير من هذا العام.

بعيد المراحل الدراسية الأولى دخل والدي مدرسة وادي سيدنا ، و كانت له ذكريات عديدة ، فقد كان في عنبره حينها د.عبدالرحيم حمدي وزير المالية السابق ،  و هنا تتضارب روايات الوالد عن سبب إسمه المدرسي (سَلَبْ) فيقول تارة أن عبد الرحيم كان يكتب إسمه في سجل الداخلية باستعجال مما جعل إسم سلمان يبدو سلب ، و في رواية أخرى يقول أن الاسم أطلق عليه لسرعته في سباقات المائة متر و كان يمثل المدرسة في الدورات المدرسية مما جعل الطلاب يطلقون عليه إسم سلب (لأن روحه سلبة) كما يقال في السودان و تلك الرواية الأقرب للحقيقة في نظري.

 في وادي سيدنا و في خضم العمل السياسي ضد الاستعمار انضم الوالد إلى اليسار و كان من أصدقائه سليمان حامد الحاج الذي أصبح لاحقاً السكرتير التنظيمي للحزب الشيوعي السوداني ، و كان يذكر باستمرار إضرابا سياسياً لطلاب وادي سيدنا قام به سليمان حامد (سمي باسمه) أدى لفصل الطلاب الذين لم يوقعوا على الاسترحام و قبلوا الجلد من المدرسة ، و قد منح هؤلاء الطلاب فرصة الامتحان و لكن حُرِمُوا من البقاء في داخلية المدرسة ، و يتذكر والدي تلك الفترة بالكثير من الحزن ” قائلاً هسّه لو كنا سكتنا و إنجلدنا  كان مستقبلنا كُلّه اتغير ” لأن الخروج من الداخلية سبب له بلبلة شديدة في الدراسة و الأكل و الشرب ، و يمكننا هنا تخيل ما حدث لطلاب جامعة الخرطوم عندما حَرَم صندوق دعم الطلاب المدعوم من الجبهة الإسلامية في التسعينات طلاب جامعة الخرطوم المعارضين من الداخليات ، و أذكر منهم الراحل المقيم عُمَر كانديك الذي كان قيادياً مميزاً في (حركة حق) لكنه رحل عن عالمنا في ريعان شبابه ، الواقع أن حادثة الحرمان من الداخلية كانت مسيطرة على تفكير الوالد لاحقاً كمدرِّس ، حيث كانت له مقولة لا ينفك من تذكيرنا بها ، ” لازم تفهموا إنه الشهادة الثانوية بينجحوها لما الزول يحضّر ليها من سنة ثانية ” و قد صدق ، فقد جنّد كل معارفه من المدرسين إبان وجودنا في ليبيا في سنوات الإغتراب معه لتدريسنا دروس إضافية في السنة الثانية ثانوي ، و أصرّ أن نتعامل مع السنة الثانية من المرحلة الثانوية كأنها هي السنة النهائية ، و لسخرية القدر فقد حدث المحظور ، و أدت أزمة سياسية بين العقيد القذافي و بريطانيا إلى إلغاء اللغة الإنجليزية من كل المراحل المدرسية في ليبيا مما جعل الوالد يقرر أن يرسلنا إلى السودان لامتحان الشهادة الثانوية من هناك ، لأن الدراسة في معظم الجامعات كانت تستوجب وجود لغة أجنبية في الشهادة كما كان يقول ، و قد ساعدنا التحضير المبكر لامتحانات الشهادة مع الوالد أن نكون أكثر جاهزية عندما ارتحلنا إلى السودان ، و تلك محطة كبيرة في حياتي الشخصية حيث أدت إلى أن أمتحن الشهادة الثانوية من مدرسة المؤتمر الثانوية في أمدرمان بعيداً من الأسرة برفقة أختي الوحيدة رشا ، و كأني بتاريخ الوالد يعيد نفسه في.

بعيد اكماله معهد بخت الرضى ارتحل والدي ليعمل مدرساً في بعض مدن السودان ، كمدينة سنجة ، حيث كان من أصدقائه آل الشويّة خاصة الأخوين حسن و حسين الشويّة ، حيث كان يتذكر تلك الفترة بالكثير من القصص و التفاصيل الحميمة ، و من سنجة إرتحل إلى سنِّار ، لأن بعضاً من إخوته قد تركوا الشمالية و استطاب لهم المقام و العمل في تلك المدينة ، و أولهم كان العم محمد سلمان و الذي بعد أن عمل حلوانياً لعدة سنوات في مدينة بحري ، أسس دكان حلواني الجمهورية في سوق سنّار في الخمسينيات من القرن الماضي و أدت هجرة العم محمد إلى أن يلحق به إخوته بَدُر و محجوب وحسن سلمان ، و بعض أبناء عمومتهم ، و لي في سنار العديد من أبناء العمومة المباشرة و الغير مباشرة و الذين حالت ظروف الهجرة المتواصلة من إيفائهم حقهم من التواصل الحميمي اللازم  فلهم مني أعمق التحايا و لهم العتبى حتى يرضوا.

في سنّار انضم الوالد إلى جبهة الهيئات و كانت البلاد تستشرف دُعَاش ثورة أكتوبر الباذخة ، و قد قام الوالد بقراءة الوضع و حينها و بمسئوليته كرئيس لداخلية البنات فقد قام بعد التشاور و إقناع الإداريين في المدرسة بضرورة إعطاء إجازة عاجلة للبنات و إرسالهم إلى ذويهم حتى لا تحصل فوضى في الثورة و يكنّ البنات من ضحاياها ، بعد انتصار الثورة تكالب الانتهازيون على قطف ثمارها ، خاصة ممن كانوا ينأون بأنفسهم من حضور اجتماعات جبهة الهيئات و امتطوا نجاحات الثورة ، أصيب الوالد حينها بإحباط بالغ على حد تعبيره ، و ذهب إلى وزارة التربية و التعليم و قابل أحد زملائه القدامى و طلب منه الإعارة إلى أي بلد قائلاً ” ياخي أمرقني من البلد دي.. أنا خلاص فاض بي” فقال له الأستاذ ” كانت عندنا كشوف إعارات للسعودية لكنها امتلأت ، و جاتنا طلبات من ليبيا ، بس ليبيا دي ما بنعرف ليها حاجة و أول مرة نودي ليها ناس” ، فعاجله الوالد ” ليبيا ليبيا ، خارجني بس” ، و قد فهمت منه لاحقاً أنه شهد في حياته حدثان تاريخيان و هما الاستقلال الذي أتى مخيباً للآمال خاصة بعد إنقلاب عبود ، و ثورة أكتوبر و التي شهد فيها تسرب الثورة من أيادي صانعيها من المهنيين (جبهة الهيئات) ما يمكن مقارنته بتجمع المهنيين حالياً ، و في ساعات صفاء متعددة كان يردد دائما ” الشعب السوداني شعب نسّاي”.

امتد إغتراب الوالد في ليبيا لمدة 32 عاما حسوماً وفيها من التفاصيل ما لا يمكن اختصاره في مقال كهذا ، ما ركز في ذهني في تلك الفترة ، العلاقات الواسعة مع شعوب متعددة ، فكان له أصدقاء من مختلف البلدان العربية و بعض البلدان الافريقية كمدرسين من غانا ، و السنغال ، و بالطبع من الكثير من السودانيين من كل أصقاع السودان المختلفة ، تلك فترة كانت بالنسبة لي غنية بالتجارب و بالصعوبات على حد سواء فقد كنا في المدارس الليبية فعلاً أقلية ، مع كل معاناة الأقليات ، بعيد انتهاء اغترابه في العام 1996 نسبة لإصابته بمرض الفشل الكلوي و الاستغناء عن خدماته في ذلك البلد ، وفقتنا الظروف أن نلتئم كأسرة بعد افتراق سنوات طوال في الهجرة في دولة هولندا ، و التي تلقى فيها علاجاً ناجعاً بنقل ناجح للكلى أدت بتوفيق من الله إلى أن نتمتع برفقته لعدة سنوات ، و سهلت عليه زيارة السودان عدة مرات و إعادة التأمل في مسيرة حياتية غريبة المنعرجات  لشخص من غِمار الناس ، كنت قد آليت على نفسي أن أكتب كتيباً عن الكثير مما تحدثنا فيه من مواضيع ، خاصة اثناء جلسات غسيل الكلى الطويلة و التي حكى لي فيها العديد من التفاصيل ، حول سفره ، و أسباب بقائه الطويل ، و ضيق خياراته الحياتية في الكثير من الأحايين ، و كان يتمتع بحس دعابة عالي و سخرية شديدة من الحياة أعانته أن ينظر إليها بإيجابية رغم أنها لم تكن سهلة ،  أذكر أننا عندما نشاهد الأبقار في السهول الهولندية الخضراء كان يتندر قائلا ” و الله البقرة في هولندا و لا الإنسان في السودان ، البقرة هنا بيعلفوها و يحلبوها ، هناك بيحلبونا بلا علف”.

في ليلة الثالث و العشرين من مايو 2010 صعدت روح الوالد إلى بارئها في مستشفى لايدن الجامعي بهولندا بعد صراع مع سكتة قلبية أدت لإضعاف عضلة القلب.  أكتب في ذكراه هذه الكلمات لأنني أرى نبؤته توشك أن تكرر في ثورة يتكالب على ثمارها من لم يكتووا بنار اعتصامها الذي دام 6 أشهر في العراء ، لكنني بعَكْسِه شديد اليقين أن جيل ثورتنا الحالي قد شبّ عن الطوق ، و قد قدم هذا الجيل في هذه الثورة من التضحيات ما يمنعه أن يتركها لبغاث الطير ، و أقول له آن لقلبك المليء بحب البسطاء من الناس أن يطمئن و ليرحمك الله بقدر ما قدمت لنا من تعليم و سند كان معينا لنا في هذه الدنيا.

 

أمجد إبراهيم سلمان
30 مايو 2020
[email protected]
whatsapp 0031642427913

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق