مقالات سياسية

كشكول السياسة السودانية صراعات و مفارقات

زين العابدين صالح عبد الرحمن

قبل الدخول لتصفح كشكول السياسة السودانية، هناك ملاحظة مهمة، تؤكد أن هناك هالة من الخوف غير معروفة المصدر، تعتري النخب السودانية إذا كانت سياسية أو تشتغل بالفكر، و تجعل ممارسة النقد تحتاج إلي كمية من التبرير قبل ممارسته، و هذه تترك أثرا سلبيا عند القارئ، كأن النقد ممارسة سالبة يجب الاعتذار عنها، فالعديد من النخب السودانية قبل الولوج في العملية النقدية تقدم عشرات السطور حتى لا يفهم أن ممارسة النقد تنتج عن موقف مؤيد أو ضد الجهة الموجه لها النقد. مثالا ذلك قرأت مقال صديق الزيلعي بعنوان ” فلنجعل من تجميد حزب الأمة محطة لإصلاح عملنا الجبهوي” يقدم فيه عشرة سطور من التوضيح و الاعتذار حتى يصل ليقول ” حتى لا ينشغل ذهن القاريء بأنه أدافع عنه ” و يقصد “المهدي” رغم أن الرجل قدم رؤية جيدة. معلوم للجميع أن الثقافة الديمقراطية في السودان ضعيفة، لكن مطلوب من النخب أن تجترح طريقها بقوة دون أن تسوق أي تبريرات حتى ترسخ ثقافة النقد باعتبارها تمثل حجر الزاوية في النظام الديمقراطي، لكي تستطيع الجماهير أن تمارسها بفاعلية دون أي خوف، و خاصة داخل الأحزاب السودانية التي تعتبر أعمدة الديمقراطية، رغم إنها تضجر من الممارسة الديمقراطية و تقيد حرية الرأي.

هناك العديد من القضايا التي تؤرق البلد، التي تقف عائقا لأكمال شروط عملية التحول الديمقراطي في البلا، و تعيق نجاح الفترة الانتقالية. لذلك يحمل الكشكول العديد منها:-

1 – واحدة من الإشكالية التي تركها النظام السابق، الدخول في العديد من المحاور في المنطقة، بحثا عن ضمانات تمد من عمره، و نسي أن القوة الضامنة الحقيقية هي الشعب، خسر الشعب و عجزت القوى التي راهن علي أن تحميه أن تضمن له البقاء في السلطة. لكن هذه المحاور لم تسحب انوفها بعد سقوط النظام، بل ظلت تمدها أكثر بهدف الاستقطاب في مجتمع تكثر فيه الخلافات، و بعض من القيادات السياسية لا تتردد في قبول المظاريف المغلقة، لذلك تحولت النظرة في المنطقة، بعد ما كان السودان يرسل العقول لبناء الأوطان أصبح يرسل أبنائه كمرتزقة بهدف حفنة من الأموال، إذا كان ذلك بصورة رسمية مغلفة بأنها تقع في دائرة حلف له التزامات أو من خلال قيادات أصبحوا تجار حروب، أن النفوذ الخارجي الذي يعمل داخل البلاد تحت مسميات مختلفة إذا لم يضع له حدا سيظل السودان يعاني من التوترات السياسية و العسكرية.

2 – أن حديث نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو لقناة ” سودانية 24″ يعتبر من أهم التصريحات لأنه كشف عن صراع دائر علي قمة الأجهزة العسكرية. حيث قال “إن أعضاء في المجلس العسكري الانتقالي السابق تسببوا في إثارة الفتنة بين السودان وقطر عندما حرضوا على رفض زيارة وفد رفيع رغم تنسيقهم مع الدوحة” و هذا الخلاف ليس خلافا عاديا يمكن أن ينتهي بجلسة عمد، لأن خلاف الأجهزة العسكرية تحسمه القوة و الآلة العسكرية، و لابد أن يخضع جانب للجانب الأخر، و هي الفرضية التي تحتاج إلي حكمة السياسيين و إدارة الأزمة بعيدا عن الانفعالات و الانحيازات. هل بالفعل هناك حكماء في السياسة قادرين علي إدارة مثل هذه الأزمات؟ و إذا نظرنا إلي حديث الفريق أول شمس الدين الكباشي في كادقلي، رغم إن المنبر الذي يتحدث عليه يهدف إلي معالجة أزمة في المنطقة، لكنه أتخذه منبرا لإرسال رسائل متعددة في تجاهات مختلفة تحمل تحديا منظورا. لكن كباشي نسي أن الأمم عندما تنشيء قوات مسلحة تريد أن تحفظ بها الأمن و سيادة الدولة، و ليس بهدف أن تصبح مؤسسة حزبية تصارع في حكم البلاد، هي مؤسسة خاضعة للسلطة السياسية في الدولة، و تأتمر بأمرها، و هذا لا يقلل من شأنها، لكن الخمسين عاما و نيف التي حكمة فيها المؤسسة، جعلت العديد من جنرالات القوات المسلحة يعتقدون إن عدم مشاركة القوات المسلحة في الحكم سوف يعرض البلاد للفوضى و عدم انجاز مهام الدولة، هذه القناعة جاءت من تجارب حكم خاطئة فرضت ثقافة شمولية ساهمت فيها المؤسسة العسكرية بصورة كبيرة و فرضت ثقافتها علي المجتمع المدني، و جاء الوقت الذي يجب أن تصحح فيه القناعات الخاطئة، و تصحيح القناعات يحتاج لفترة زمنية تعتمد علي الذين يشتغلون بالفكر.  

3 – الصراع الذي يحدث داخل التحالفات السياسية ” صراع المدنيين و العسكر و الصراع الذي أدي إلي تقزيم نداء السودان، صراع الجبهة الثورية مع القوى السياسية داخل تحالف قوى الحرية و التغيير، خروج حركة تحرير السودان مني أركو مناوي عن الجبهة الثورية، الصراع الحزبي داخل تجمع المهنيين و صراع الحركة الشعبية شمال الحلو و عقار وغيرها” يوضح ضيق المواعين الديمقراطية، و عدم الالتزام باللوائح التنظيمية، و عدم أحترام الرآي الأخر. الأمر الذي يؤكد ضيق صدر النخب السياسية، و أن الرغبات الحزبية تشكل الأولوية عند القوى السياسية و ليس الوطن.  و هذا ناتج عن طول حكم النظم الشمولية في البلاد، و أدي إلي ترسيخ ثقافتها في المجتمع. هذه القضايا تطرح أسئلة عديدة. هل النخب التي تتبنى الفكر الشمولي قادرة أن تحدث تحولا ديمقراطيا في البلاد؟ هل القوى العسكرية التي تتعامل مع الزناد إذا كانت في القوات النظامية أو في الحركات المسلحة حيث أصبح عقلها مرتبط  أرتباطا وثيقا بالبندقية، هؤلاء قادرين علي بناء نظام ديمقراطي؟ النخب التي لا تعودت علي فرض رؤيتها علي الآخرين، هل هؤلاء يستطيعوا أن يخرجوا من ثقافتهم الشمولية لكي يعبدوا طريقا جديدا للثقافة الديمقراطية؟ النخب التي تعتقد أنها وحدها التي تمتلك الحقيقة و تبخس بضاعة الآخرين، كيف يستطيع هؤلاء تغيير أفكارهم لكي تتلاءم مع الديمقراطية؟

4- كان الاعتقد أن كل القوى السياسية سوف تتكاتف بعد سقوط النظام الشمولي الباطش، في أن تخلق البيئة الصالحة التي تحدث عملية التحول الديمقراطي، و أن تعمل جميعها في تناغم كامل في نجاح الفترة الانتقالية. و بعد سقوط النظام؛ كانت الرؤية التي صرحت بها قيادات الحرية و التغيير و حتى عناصر المجلس العسكري واضحة و مقبولة، لأنها تؤسس علي البعد الوطني بعيدا عن الرغبات الحزبية الضيقة. كانت الرؤية تقول ” أن المؤتمر الوطني و كل القوى التي شاركت معه في السلطة لا تشارك في الفترة الانتقالية، و المؤتمر الوطني لا يشارك في الانتخابات، لكن القوى السياسية الآخرى تشارك في الانتخابات. و القوى التي شاركت في الثورة و لم توقع علي إعلان الحرية و التغيير سوف تشارك في المجلس التشريعي و حددت لها نسبة 33% من مقاعد المجلس. لماذا تغيرت هذه الرؤية و دخلت الرغبات الحزبية بقوة حيث أصبحت الخدمة المدنية محتكرة لجهة سياسية واحدة، و أصبحت الفترة الانتقالية مهددة في أن تنجز المهام الموكولة لها بسبب فرض الأراء الحزبية. 

5 – القوى السياسية و التعامل بمكيالين؛ هناك قوى سياسية تتعامل في الضوء، و بوضوح كامل، و تقدم رؤيتها إذا كان بالإعلان أو بتقديم أوراق عمل مكتوبة، مثلا رؤية حزب الأمة للإصلاح داخل المنظومة التحالفية و التي قدمها  لقوى الحرية و التغيير، حيث وجدت ردة فعل عنيفة قبل قراءة الرؤية. و المهدي زعيم حزب كبير في ظل هذا التحول السياسي يستقبل في صالونه العديد من السياسيين، و بالفعل قد استقبل قيادات من المؤتمر الشعبي، و مجموعة غازي صلاح الدين، و مجموعة من الحركات المسلحة التي كانت مشاركة في الإنقاذ، و القوى السياسية التي شاركت في حوار الوثبة، و أيضا مجموعة من الاتحاديين، و اتهم المهدي إنه يريد التحالف مع الإسلاميين. لأنه كان قد دعا إلي توسيع قاعدة المشاركة التحالفية. و معروف أن الديمقراطية تقوم علي القاعدة الاجتماعية الواسعة حتى لا تتعرض لمؤامرة. و كان الشفيع خضر دعا إلي مساومة سياسية بين الإسلاميين و العلمانيين بهدف تمتين قاعدة الديمقراطية أيضا تعرض لاتهامات. و أيضا دعا الحاج وراق بالابتعاد علي لغة الإقصاء و جذب أكبر قاعدة اجتماعية لكي يؤسس عليها النظام الديمقراطي، أيضا وجه إليه النقد. رغم أن هناك قوى سياسية تغازل الإسلاميين و تتفاوض معهم في الغرف المغلقة. و أرسلت واحد من قيادتها لهم، و لكي أكون أكثر شفافية هو الدكتور منتصر الطيب من جامعة الخرطوم لكي تتم مشاركة الإسلاميين في كل الحوار الدائر في البلاد، لكن بعد مؤتمر تصالحي تتبناه جامعة الخرطوم، لماذا هذه الخطوة لا تجد هجوما عنيفا، و اعتبار الحزب يعمل من أجل التحالف مع الإسلاميين. أن التعامل بمكيالين ليس مفيدا لعملية التحول الديمقراطي.

6 – الساحة السودانية أصبحت مستباحة من قبل نشطاء المخابرات الأجنبية، الذين يحملون شيكات علي بياض، و هؤلاء استطاعوا أن يحدثوا أختراقات عديدة داخل بعض الأحزاب، و هذه أصبحت معروفة، و الغريب هناك أحزاب و ناشطين سياسيين قدموا احتياجاتهم من تأسيس صحف إلي تأسيس دور حزبية مع أدوات للحركة و غيرها. عندما نجحت الثورة أعلنت كل من السعودية و الأمارت تقديم منحة للشعب السوداني ثلاثة مليارات دولار. هل الدولتان عندما قدمتا المنحة كانت لسواد عيون الشعب أم بهدف تحقيق مقاصد بعينها؟ كان الهدف منها أن تطرد قطر من الساحة السودانية. الثاني أن يتدفق المقاتلون السودانيون في كل من اليمن و ليبيا انتصارا لنفوذ الدولتين. لكن الدولتان سمعتا من الجماهير رأيها في سحب القوات السودانية من اليمن. و الثاني هو المهم إنها وجدت أنها تستطيع أن تقدم منح لا تتجاوز ملايين لبعض القوى السياسية تحقق لها مقاصدها في المستقبل، لماذا تصرف مليارات الدولارات مادام الأحزاب تقبل هذه المنح دون أن تسأل عن مليارات الدولارات. لذلك أوقفت صرف المنحة.

7 – تناقض القول أصبح من سمة السياسة في السودان. معلوم أن الإنقاذ أسقطها الشعب السوداني، و بالتالي لا رجعة للإنقاذ مرة أخرى مهما كانت رغبة مؤيديها. و هناك قناعات تؤكد أن الشارع أصبح واعيا سياسيا لذلك سوف يحمي مكاسبه، و إذا كانت هناك بالفعل تعبئة في الشارع، و هو واعي لحقوقه، يصبح أفضل وقت لإجراء انتخابات للتخلص بالشرعية الانتخابية الديمقراطية من العناصر غير المرغوب فيها، لكنهم جميعا لا يقبلون هذه الرؤية، و يقولون أن الدولة العميقة ما تزال تتحكم في دولاب الدولة. و إذا سألت لماذا تتوقف عملية محاسبة المفسدين و الذين رتكبوا جرائم في حق المواطنين و الوطن. و السلطة في يد قوى الحرية و التغيير يتعللون بالدولة العميقة. إذا كانت عناصر الدولة العميقة حتى الآن تسيطر علي مسار الدولة، تبقى العلة في التحالف الحاكم و ليس في الدولة العميقة. و هذا القول يؤكد أن الدولة العميقة تخلق توازنا حتى أنها قادرة علي تعطيل العديد من المشروعات. و الذين يثيرون الاقوال المتناقضة تغيب عنهم العديد من المعلومات التي تجعلهم التخلص من هذا التناقض، أو العناصر الحزبية التي تميل للتبرير رغم وضوح الأشياء، و أيضا هؤلاء يعتقدون أن الثورة مجموعة من الشعارات و الهتاف الذي يجب عدم التخلص منه و ليس هي تقديم مبادرات تخرج البلاد من أزماتها. فالعقل التقليدي هو العقل المحافظ الذي يهاب من تقديم الرؤى الجديدة و المبادرات. نسأل الله لنا و للجميع حسن البصيرة.       

زين العابدين صالح عبد الرحمن
[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق