أخبار السودان

تجارب لا أتمناها لزميل

جعفر عباس
مارست العمل الصحفي كوسيلة لكسب الرزق لأول مرة مع جريدة “إمارات نيوز” الإنجليزية في أبو ظبي، وكانت تصدر عن مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر، إلى جانب مجلتي “زهرة الخليج” و”ماجد” وجريدة “الاتحاد” العربية؛ قبلها جربت حظي ككاتب صحفي هاوٍ مع مجلة “قافلة الزيت” التي تصدرها شركة أرامكو النفطية، خلال عملي مترجما بالشركة، وجريدة “اليوم” (الدمام)، ثم قدمت إلى قطر وأوكلت إلي مهمة إعداد تقارير مترجمة من العربية إلى الإنجليزية لمجلة “الدوحة” وجريدة “الراية”.
كان انضمامي إلى أسرة مؤسسة “الاتحاد” الصحفية في أبو ظبي طالع خير للإعلام عموما، فصبيحة ذلك اليوم من أيلول (سبتمبر) من عام 1980 بدأت الحرب العراقية-الإيرانية، وانحلت مشكلة البحث عن مانشيت لجميع الصحف لقرابة ثمانية أعوام (وكما هو معلوم فإن سوق الصحف ينتعش بالكوارث)، ولكن صحيفة “إمارات نيوز” التي كنت أعمل بها كانت مجرد نسخة مترجمة إلى الإنجليزية عن “الاتحاد” العربية، وبالتالي ظلت تخسر قواعد قرائها يوما بعد يوم إلى أن لاقت حتفها لاحقا.
وفي حزيران (يونيو) من عام 1982 شنت إسرائيل هجوما شرسا كاسحا على لبنان، ارتكبت خلاله مجاوزر اقشعرت لها قشرة الكرة الأرضية، وانفعلت بذلك الحدث وعكفت على كتابة تقارير مطولة عن ذلك العدوان لزميلتنا العربية “الاتحاد”، نقلا عن مصادر باللغة الإنجليزية، ثم اقترحتُ على إدارة المؤسسة تدشين حملة للمطالبة بتجريد رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها مناحيم بيغن من جائزة نوبل للسلام، التي فاز بها مناصفة مع الرئيس المصري أنور السادات، ورغم إدراكنا أن تلك الحملة لن تحقق تلك الغاية، إلا أننا نجحنا في استقطاب تأييد واسع للفكرة من النقابات العمالية والمهنية في أوروبا.
ثم إذا بالحرب (العراقية-الإيرانية) التي قلت إنها كانت طالع خير للمؤسسة الصحفية التي كنت أعمل فيها تطيح بجزء من راتبي الشهري، فباعتبار أنني أبليت بلاء حسنا في الكتابة عن حرب إسرائيل على لبنان ثم تطوعي بترجمة تقارير عن حرب إيران والعراق عن مصادر غربية ليتم نشرها في “الاتحاد” العربية، تم نقلي من “إمارات نيوز” إلى “الاتحاد”.
في حزيران (يونيو) من عام 1982 شنت إسرائيل هجوما شرسا كاسحا على لبنان، ارتكبت خلاله مجاوزر اقشعرت لها قشرة الكرة الأرضية، وانفعلت بذلك الحدث وعكفت على كتابة تقارير مطولة عن ذلك العدوان لزميلتنا العربية “الاتحاد”، نقلا عن مصادر باللغة الإنجليزية،
في ذات ليلة كنت المحرر “السهران”، أي المكلف برصد وكالات الأنباء وتطورات الأحداث عموما بما قد يؤدي أو لا يؤدي إلى إجراء تعديل أو إضافة لمواد الصفحة الأولى، وظللت أرصد ما يرد في وكالات الأنباء المحترمة حتى الساعات الأولى من فجر اليوم التالي، ثم أعلنت قفل باب الاجتهاد كي تجد الصحيفة طريقها إلى المطبعة، وعدت إلى البيت في نحو الرابعة فجرا.
نمت لسويعات قليلة لأنه كان لزاما علي حضور اجتماع هيئة التحرير اليومي في العاشرة صباحا، وفتحت باب مسكني لالتقاط الصحف اليومية التي كان يتم توصيلها إلى بيتي وبيوت المحررين يوميا، واستعرضت عناوينها على عجل لأرى فيم تفوقنا وفيم “تخلفنا”، وإذا بعنوان صاعق في جريدة البيان: الطيران العراقي يقتل 14 جنديا أمريكيا بقصف المدمرة ستارك في مياه الخليج (17 أيار/ مايو 1987)، بينما خلت جميع الصحف الأخرى من الخبر، ولكنني لم أجد عزاء في ذلك، فقد كانت صحيفتنا هي الأوسع انتشارا وقتها، وما كان ينبغي أن يفوتها حدث جلل كهذا لولا تقصير شنيع من جانبي.
هرولت إلى دار الصحيفة، واكتشفت أن أول من أورد الخبر هو وكالة “يونايتد برس” التي لم نكن نحفل بتقاريرها بوجه عام، باعتبار أنها وكالة “محدودة نطاق التغطية”، ثم شاركت في اجتماع هيئة التحرير وأنا أقرأ “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون”، فإذا بزميل سخيف يتساءل: كيف فاتنا خبر قصف المدمرة الأمريكية؟ وكانت حججي بالطبع ضعيفة وانتهى الأمر بمعاقبتي بخصم راتب أسبوع.
بعدها بوقت قصير تم تكليفي بمحاورة وزير الخارجية الأمريكي إدموند ماسكي، الذي كان يزور الإمارات، وأعددت له ما استطعت من عدة، وذهبت إليه في جناحه في فندق مريديان أبوظبي، وجاء وجالسني وهو حافي القدمين، فاعتبرت ذلك استخفافا منه بي، وقررت أن أثبت له أنني “مش سهل”، بل محاور خطير، وشرعت في طرح السؤال الأول، وكان عبارة عن محاضرة طويلة حول قضايا الشرق الأوسط ودور الولايات المتحدة في الحرب بين العراق وإيران، وبعد أن نفدت ذخيرتي اللغوية والمعرفية نظرت إليه في انتظار الإجابة، فإذا به يغط في نوم عميق.
كان معي مصور باكستاني حاضر البديهة غمز لي بعينه، ثم قرّب الكاميرا من وجه الرجل وأمطره بفلاشات لاهبة متعاقبة فاستيقظ مذعورا ومعتذرا، وبعدها حرصت على توجيه أسئلة تلغرافية إليه، وعدت وقمت بتفريغ شريط التسجيل محررا مختوما بخط يدي وسلمت مادة الحوار للصحيفة.
بعد صدور الصحيفة بنحو ساعة اتصل الملحق الإعلامي في السفارة الأمريكية في أبوظبي، زاعما أن بعض فقرات الحوار مفبركة، فدعوته بحضور مدير عام المؤسسة ليستمع إلى شريط التسجيل وتم إفحامه بعد أن ثبت له أن ماسكي قال كل ما نسبته إليه، وقلت أمام الحاضرين إن الرجل نام حتى قبل أن يبدأ حواري معه، فخرج الدبلوماسي الأمريكي وقفاه “يقمر عيش” كما يقول المصريون عمن يعتريه “الكسوف” بسبب خطأ أو فعل ارتكبه.
وبعدها بنحو شهر جاءت رئيسة الحكومة البريطانية مارغريت ثاتشر لزيارة الإمارات، وكلفوني بمحاورتها، واستدعاني مدير التحرير الأستاذ محمد يوسف قائلا: والله تنوِّم ثاتشر لأخليك ترجع السودان على سيكل (دراجة)، ولحسن حظي طلبت ثاتشر الأسئلة مكتوبة لتقدم ردودها مكتوبة، ووافقت بكل سرور دون إبلاغ أحد بذلك “الترتيب”، وبعد نشر الحوار نال الاستحسان ونلت مكافأة عوضتني ما فقدته من مال بسبب إهمال أمر المدمرة الأمريكية المنكوبة.
تلك شذرات من سيرة ومسيرة مهنية متعثرة أسأل الله أن يقي منها ناشئة الصحفيين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق