مقالات سياسية

رسالة إلى أستاذنا نبيل أديب نشفق عليك ولكن!

حسن الجزولي

عام 1969 شكل بالنسبة لنا منتصف بدايات فترة الصبا الباكر والتي نلنا فيها حظوظاً زادت من وتيرة تفتح وعينا الاجتماعي بما يدور حولنا، وقد ساهمت في ذلك إلى جانب وسائل أخرى، دور سينمات العاصمة والتي تبارت وقتها في عرض أحد أهم وأروع الأفلام السياسية والاجتماعية التي لامسنا فيها قضايا الشعوب ومعاناتهم.

ومن بين عشرات الأفلام الرائعة تلك، فقد وقع بصرنا على فيلم ” زد” والمشار إليه في أفيشات الأفلام بحرف “Z”!. وهو انتاج جزائري ـ فرنسي نال عدة جواز أوسكار في الاخراج للفرنسي كوستا قافراس والتمثيل لكل من الممثلة اليونانية التقدمية إيرين باباس إلى جانب إيف مونتان وجان لوي ترنيتان، فضلاً عن جائزة أفضل موسيقى والتي ذهبت للموسيقار اليوناني التقدمي ميكس ثيوداركس.

جسد الفيلم  حادثة اغتيال سياسي بشعة تقع في إحدى البلدان لأحدى الشخصيات السياسية التي يتم تصفيتها جسدياً قبيل انتخابات عامة ستجري، حيث تظهر لقطات الفيلم النائب السياسي المعارض وهو ينزل من الطائرة ويتقدم وسط حشود مؤيديه ليلقي كلمة، وحالما تقع عملية  إغتياله، وكيف أن جماعات “بلطجة” في اوساطهم مجموعات شواذ وقتلة ومنحرفين يتم حشدهم للاعتداء على أنصار القائد السياسي القتيل!،  وهي محاولات لطمس معالم الاغتيال وتغيير مشاهده وشواهده ومعالمه. وهو ما يجسد الصراع بين “عشاق الحياة والحرية وبين الارهاب والفاشية العسكرية”!.وتتم ترتيبات للكشف عن المتهمين الذين دبروا تلك الحادثة التي هزت المجتمع، فيتصدى محقق شاب وجرئ لعملية الكشف عن “القتلة” بواسطة استقامته وشجاعته رغم المحاولات التي جرت لابعاده عن الاستمرار في مهمة الكشف، بالاغراء تارة  وتهديد حياته تارة أخرى ، إلا أنه ثابر على المضي في انجاز مهمته بواسطة “لجنتة المستقلة” بإصرار حتى تكلل له النجاح بالوصول إلى الجناة الحقيقيين الذين دبروا الاغتيال وحاولوا إخفاء معالم جريمتهم، حيث يميط الفيلم اللثام عن المدبرين الذين كانوا  خليطاً من سلطة الإرهاب والقمع في الدولة، وأن الجريمة ليست مجرد اغتيال بواسطة الغوغاء، بل هي تصفية جسدية وإزاحة سياسية يديرها من خلف الستار “جنرالات الجيش والشرطة” فينجح المحقق  في إقتفاء خيوط الجريمة السياسية والكشف عن كل  بؤر الفساد في المجتمع وأضلاعها الأساسية، “بدءً بالجنرالات ورجال الأعمال وكبار الصحفيين وإنتهاءً ببعض قساوسة الكنيسة ورجال الدين. الذين حاولوا بكل إمكانياتهم طمس معالم الجريمة وتصفية الشهود “والحيلولة دون الكشف عن الوقائع الحقيقية”، كما يبرز الفيلم دور الطلاب والشباب كشريحة واعية ومدركة تتصدى للدكتاتورية وترفض القمع وتقاتل في استماتة من أجل الحرية والديمقراطية. ينتهي الفيلم بسقوط الحكومة القائمة ولكن شهود القضية ينتحرون أو تتم تصفيتهم بشكل أو آخر، المحقق يتم استهدافه والتضييق عليه بعد انجاز مهمته فيتم نقله، وتزوير محضر التحقيق، الصحفي الشاب الذي ساعد “لجنة التحقيق” بوثائق أساسية يسجن ويتم التنكيل به!. فيقول مخرج الفيلم عبر مؤتمر صحفي ” أن الأمور لا تجري دائماً بشكل وردي لصالح الطبقة الحاكمة المهيمنة على مجريات الأمور، وأن بعض ” كبار رجال الشرطة والجيش أقوياء فقط بالشرائط الملونة على أكتافهم والنياشين على صدورهم، ولكنهم يتحولون إلى فئران مذعورة  عندما تتم مواجهتهم بشجاعة وصرامة”!.

يعلق الناقد الصحفي الأميركي الشهير روجر إيبرت في مقال له وهو يقول عن الفيلم بصحيفته شيكاغو صن تايمز” هذا فيلم لعصرنا،، إنه يصور كيف يمكن تخريب انتصارنا الأخلاقي”!.

أستاذنا العزيز نبيل أديب
إننا وبقدر ما نشفق عليك من مهمتك التي عكفت على المضي باستقامة في إنجازها منذ أشهر، فإننا نهتف لك وبعلو الصوت بأنك أهل لها، إن الملايين التي خرجت للشوارع والطرقات رفضاً لاستمرار الهيمنة على كرامتها وحريتها والسيطرة على حياتها، إنما تروم ضمن كل ذلك تطبيقاً أميناً لشعارات الحرية والسلام والعدالة والتي لابد من أن تراها مجسدة في إنصاف شهدائها ،، شهداء الوطن الأعزاء الذين قدموا أرواحهم عزيزة فداءاً لمستقبل البلاد، كما لن ترتاح أو تهدأ أي خواطر لهذه الملايين التي شاهدتها وتعرفها وتعلمها علم اليقين!، فضلاً عن ذوي الشهداء وأهلهم إلا عندما تأخذ العدالة مجراها ويأخذ كل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص، سواء للجاني أو الضحية.

أستاذنا أديب
لا نطيل عليك في هذه القضية وأنت أعلم بمهامك ،، وربما يقلق البعض ـ كما يقلقك أيضاً ـ كونهم يطالبون بالاسراع في إنهاء مهمتك، لأنهم يتعجلون “حكم القضاء” وهو أمر طبيعي، لجماهير تتعشق العدل والانصاف وتتعجل أن تراه مجسداً أمامها بعد غيبة طالت! ولكنا نعلم مدى “دقتك” وعلمك القانوني الذي ربما يحتم عليك ولجنتك الموقرة، “التأني” في مثل هذا النوع من التحقيقات عبر لجنة مستقلة تعمل بنزاهة وتجرد، وهكذا تكاد المدة الزمنية التي تم الاتفاق عليها معك أن تنقضي ولم يتبق لها سوى أيام معدودات، والآن الخيار لك، فإن أردت مزيداً من الوقت، فلا نظن أن هناك غضاضة في ذلك!،  لك الحق في أن تطلب تمديداً، أو فالتتوكل على الله  لتقل ما عندك بكل صدق واستقامة دون ” إفراط أو تفريط”!.
وفيما يخص “التمديد” يشير القانوني د. يسن محمد يسن عبر مقال شبيه بالموضوع نشر بموقع سودانايل بأنه “إذا استوفت الدعوى القضائية الشروط المطلوبة وانعقد الإختصاص لمحكمة ما ؛ تبدأ اجراءات المحاكمة ؛ وتكون مهمة الاتهام عسيرة وصعبة جداً لأن التجريم والإدانة يتمان على اثبات الأتهام وراء مرحلة الشك المعقول، وأي شك يثيره الدفاع سيتم تفسيره لصالح المتهم وبالتالي يفلت المتهم من الإدانة والعقوبة، ومن ثم يأتي يقدل بجرمه أمامك لاحقا ولا تستطيع ان تتكلم معه. لذلك يبذل الاتهام كل جهده ويقضي وقتاً طويلاً لأجل جمع البينات الدامغة”.!. وأنت القائل بأن طلب الاستعجال من بعض الأطراف “لا ينم عن رغبة في الوصول للحقيقة”!.

أستاذنا نبيل ،،
إن شعار “دم الشهيد ماراح ،، لابسنو نحن وشاح” إنما يعبر بكل صدق عن أحلام وأماني جماهير تتوق لتحقيق عدل وانصاف، وضمان عدم إفلات المجرمين والقتلة من العقاب، وأن الشعار يجسد أحد أولويات وأهداف الثورة  بإلحاح.
الآن تمر الذكرى الأولى لجريمة فض الاعتصام بتلك الطريقة البشعة المتعارضة مع كل أسس العدالة والحقوق الأساسية  للانسان، وتجري ـ ضمن محاولات تصفية مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة ـ مجموعة من استفزازات لمرجفين من بقايا النظام موجهة للثوار والكنداكات صناع الثورة وحماتها، ويتم هذا الأمر في أحايين كثيرة أيضاً من قبل  ” قيادات تمثل سنام السلطة السيادية فتراها تهرف بما لا تعرف!.
نحن نخاطب ضميرك الحي ،،
وذوي الشهداء أمهات وآباء ينتظرون  ،،

لقد أصبح فيلم “زد” علامة بارزة في تاريخ السينما كونه قد جسد المطالب الملحة بضرورة توطين العدالة!.
نحن نخاطب ضميرك الحي ،،
والملايين من شعبنا شيباً وشباباً وأطفالاً ينتظرون ،،

عزيزنا الأستاذ نبيل
نختصر ونقول أن مهمتك القانونية تعادل مهمة ذاك المحقق بالفيلم الذي جسد دوره الممثل الحاذق “جان لوي ترنتيان” ،، وحرف “Z” يشير في اللغة اليونانية القديمة  لمعنى ” إنه حي”! ،، وسيرة شهداء الوطن في حوجة لكي ” تحيا ” ،، والشهداء البواسل تتم مناصرتهم بالانتصار والقصاص العادل ، ولن يضيع حق وراءه مطالب!.

حسن الجزولي
[email protected]
ــــــــــــــــــــــــ
* شعار المرحلة:ـ لجنة التفكيك تمثلني  وإزالة الكرونا واجب وطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق