مقالات سياسية

من يقف خلف التوترات المستمرة على الحدود السودانية – الأثيوبية؟؟!!

علي مالك عثمان

(١)

أحداث الفلتان الأمني والمواجهات العسكرية المتكررة على الحدود مع الجارة أثيوبيا لا شك عندي أن هناك جهات خفية تقف خلفها، ساءها كثيراً ذلك التقارب الكبير الذي حدث بين السودان وأثيوبيا عقب إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، والدور الكبير الذي وقفته أثيوبيا بجانب المكون المدني، مستخدمةً نفوذها داخل الاتحاد الأفريقي لتجميد عضوية السودان داخل الاتحاد، كورقة ضغط ضد عسكر المجلس العسكري وقتها، حتى يقبلوا بتوقيع الوثيقة الدستورية وقبول الشراكة مع المكون المدني، الأمر الذي أدَّىٰ لنشوء علاقة شخصية مميزة فيما بعد بين أبي أحمد رئيس الوزراء الأثيوبي، ود. عبد الله حمدوك رئيس وزراء حكومة الفترة الإنتقالية. هذه العلاقة الشخصية تطورت بعد ذلك لتتجلَّىٰ بصورة واضحة في موقف د. حمدوك القوي في قضية سد النهضة، والذي عدَّهُ كثيرون أقرب إلى الجانب الأثيوبي، على الرغم من إستناده على مصالح السودان أولاً في هذا النزاع.

(٢)
الجانب الأثيوبي في تقديري ليس من مصلحته البتَّةَ تأجيج الصراع مع الجانب السوداني، خصوصاً في هذا الوقت الذي ترتفع فيه نذر المواجهة في قضية سد النهضة. فالمنطق يقول أن على الجانب الأثيوبي أن يسعى جاهداً على الأقل لتحييد السودان في هذا النزاع إذا لم ينجح في كسبه إلى جانبه. لأن الدور المُرجِّح للسودان في هذا النزاع ضروري جداً لطرفيْه المتنازعين.

(٣)
ممَّا يؤكد هذا الزعم هو تلك الزيارة السريعة التي قام بها رئيس هيئة أركان الجيش الأثيوبي للخرطوم في العاشر من شهر أبريل الماضي، والتي إلتقىٰ خلال الفريق البرهان ود. عبدالله حمدوك، والتي تم خلالها بحث قضية ترسيم الحدود بين البلدين. ذلك ما أُعلن في شرح الأسباب الظاهرة للزيارة. لكن السبب الحقيقي في ظني لتلك الزيارة هو ما كشفت عنه صحيفة هاآرتس الإسرائيلية من أن تلك الزيارة أتت لنفي الأخبار التي نقلها رئيس إستخبارات دولة جارة للسودان في وقت سابق للفريق البرهان مفادها أن عملية إنقلابية يُدبِّرها ضده في الخفاء المكوِّن المدني بالتعاون مع الجانب الأثيوبي. وذلك لأنَّ مسألة ترسيم الحدود لا يتم بحثها عادة بواسطة رؤساء أركان الجيوش.
أيضاً ممَّا يؤكد حرص الجانب الأثيوبي على عدم تعكير العلاقات مع السودان في هذه الظروف هو أن الجانبين السوداني والأثيوبي إتفقا مؤخراً على بدء عملية ترسيم الحدود بينهما في أكتوبر المقبل على تنتهي العملية في مارس من العام المقبل.

(٤)
معلوم أن التوترات على جانبي الحدود بين السودان وأثيوبيا كانت تقوم بها في الماضي عصابات متفلتة تُعرف بالشِّفْتَة، وتنتمي لقبائل الأمهرا، ونشاطها في غالب الأوقات خارج سيطرة الحكومة الأثيوبية. لذا لا أستبعد مطلقاً تحريك تلك القبائل بواسطة أجهزة استخبارات دول متضررة من تقارب الجانبين السوداني والأثيوبي، لأن هذا التقارب ينعكس بدوره في النزاع الدائر حول سد النهضة، كما أن الإستراتيجية التي اتبعتها تلك الدول في تقديري تقوم على منع أي تقارب سوداني أثيوبي قوي في الموقف حول سد النهضة، وذلك لأن الدور السوداني في هذا النزاع مُرجِّح جداً من الناحية القانونية، لأنه لو أعلن السودان – كدولة تشترك في حوض النيل الأزرق – عدم تضررها من قيام السد فإن هذا الإعلان سيُضعِف الموقف القانوني كثيراً لتلك الدول في المحافل القانونية الدولية.

(٥)
أيضاً تلك الدول أدركت بقراءتها لإتجاهات الرأي العام السوداني منذ بدء النزاع حول سد النهضة أن السواد الأعظم من شعب السودان أقرب إلى الجانب الأثيوبي في هذا النزاع. بدأ هذا الموقف منذ حكومة المخلوع البشير ولم يتغير بعد ثورة ديسمبر المجيدة. لذا كان لزاماً عليها تشويه صورة الجانب الأثيوبي في نظر الشعب السوداني بأي ثمن. كما يجب عليها أيضاً العمل جاهدة لتعميق الإنقسام الحاصل داخل حكومة الفترة الإنتقالية بين المكونيْن المدني والعسكري، وذلك بدقِّ إسفين بين الطرفين بمثل هذه التفلتات الأمنية بين الحين والآخر، وذلك لإحراج د. حمدوك الذي يقود التقارب مع الجانب الأثيوبي. ظهر كل ذلك جلياً بالرد العنيف الذي أورده البيان الصادر بالأمس عن الناطق الرسمي بإسم القوات المسلحة، والذي أعلن فيه رفض السودان الشديد لهذه الإعتداءات، وتأكيده على قدرة القوات المسلحة على الرد. كما ظهر أيضاً في تحريك القوات المسلحة السودانية قبل عدة أسابيع على الحدود مع أثيوبيا لإظهار التوتر بين الجانبين.

(٦)
عليه في تقديري أن مثل هذه الحوداث الأمنية على الحدود بين السودان وأثيوبيا ستستمر طالما استمرت المواجهة على جبهة سد النهضة مفتوحة بين طرفيْها المتنازعين، وطالما ظل التشاكس وعدم الثقة بين طرفيْ الحكومة الإنتقالية في السودان هو سيد الموقف.. والسلام.

علي مالك عثمان..
[email protected]

تعليق واحد

  1. معلوم أنه في علم الجريمة مثلما هو في العلوم السياسية دائما ينظر إلى الحدث من باب ( من المستفيد) تكون الإجابة سهلة جدا..فالسوداني مرحب به في مصر ولكنه يحترم في اثيوبيا أكثر من أي مكان أخر في الدنيا. مثلا بمجرد دخول السودانى إلى مطعم في إثيوبيا يفاجئونك بأغنية سودانة كناية عن الترحيب متى قدمت إذغعة القاهرة أغنية سودانية للغشارة إلى التاريخ الأزلية.. هل تتراءى أية مصلحة لإثيوبيا في حدوث توتر من أي نوع مع السودان وفى هذا الوقت؟؟؟ من المستفيد من مثل هذا التوتر؟ إن نشاط الشفتة على الحدود خارج عن سيطرة الجيش الإثيوبي وحتى أذا توفر لها الدعم من بعض القوات الحكومية فلن يطون ذلك نهجا تسير علية أديس أبا لأن المنطق يقول لو كانت العاصمة الاثيوبية تريد عدم الاستقرار في السودان لما واظب ابى أحمد على المجيء على الخرطوم للتوفيق بين المكونات السياسية إبان فترة المخاض العظيم لحكومة ثورة شعب السودان. يكون السؤال إذن من أوقد هذه الشرارة اللعينة احتمالان لا ثالث لهما في الوقت الحالي على الأقل الأول وللأسف الشديد دولة مصر لأنها المستفيدة الأولى من اشتعال الحدود بين السودان وأثيوبيا لأن ذلك سيؤجل على الأقل مضى مشروع سد النهضة إلى نهاياته إذن الماء هو سبب كل هذه الفتنة فلن تستفيد منه لا إثيوبيا أو السودان كما أن الأزمة ستخلق ظروفا مواتية لإحداث تخريب في مشروع السد قبل اكتماله عمل استباقي(Pre-emptive) وهى سياسة سائدة في المنطقة ابتدعتها إسرائيل في معاركها مع العرب. أما الاحتمال الثاني فهو تورط الحركة الإسلامية في عمل تخريبي للعودة عبره إلى سدة الحكم وليس مستبعدا منها ذلك فهي تسلك كل السبل لتحقيق ذاك الهدف والمفارقة أن تلتقى أهداف مصر السيسي مع الإسلامويين السودانيين فيكون ذلك أبغض الحرام رغم أن الحرام كله مبغوض ولكن السياسة يمكن أن تجمع بين الأختين وكذلك السوءتين . طبعا نخطئ في التعبير عن علاقاتنا مع مصر كثيرا بالقول بالشقيقة والروابط الأزلية أفلا ينطبق الوصف على إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد لماذا اختزال ذلك على مصر فقط. ما نود التذكير به هو أن الأزمة الحالية نتاج عمل تأمري شرير نعم إثيوبيا تحتل أراضي سودانية مثلها مصر تماما ولكن ما لذى يجعل العمل العسكري خيارا مع إثيوبيا دون مصر وهى عند إقامتها للسد العالى لم تقدم حتى مجرد وعد بالكهرباء أو الشراكة في تنمية المنطقة وأثيوبيا من جانبها أبدت استعدادا لبيع الكهرباء للسودان بسعر تفضيلى فضلا عن إبداء كامل الاستعداد للتعاون مع الخطوم لإجراء تحقيق عما حرى على الحدود وهناك لجان مشتركة ظلت تعمل رغم بطء سير عملها لترسيم لحدود يعنى إثيوبيا معترفة بمشاكل الحدود ولها أيضا مصلحة مشتركة في السودان متمثلة في ميناء بورتسودان لخدمة جزء من التجارة الإثيوبية وهى فرصة أرجو ألا تفلت من بين أيدينا مثل غيرها من الفرص. أما الشقيقة الكبرى فأى واحد في الشارع المصري فلا يتذكر إلا أن السودان كانت تابعة لمصر. أبحثوا عن مكامن الشياطين والجن والأبالسة ستجدونهم وراء الأكمة يشعلون الأزمات والفتن ويتربصون وهكذا يفعلون.

زر الذهاب إلى الأعلى