مقالات سياسية

الثورة .. وعي وإدراك

د. السموءل محمد عثمان

قبل الثورة كان فلول النظام  البائد يطلقون على  الثوار “مناضلي الكيبورد” سخريةً وتهكماً، ولكن الآن وبقدرة القادر، تحول الفلول للنضال عبر لوحات الكي بورد، وهم الذين كانوا يرهبون الناس ويتوعدونهم عند اللقاء، رغم أن الفارق كبيراً وعظيماً، فالثوار كانوا مناضلين بجد وحقيقة، يدعون عبر السوشيال ميديا للمظاهرات والإضراب والعصيان المدني، فكانت دعوتهم لا تخطيء ميعادها، ولا تتأخر عنه ثواني، حتى أصبحت الساعة الواحدة هي ميقات الثورة السودانية ولكن الفلول ليس لهم نضال،  بل بث الأكاذيب والشائعات والتحويل والتحوير عن طريق الفوتوشوب.

كانوا يحسبون الثورة محض افتراء، والتغيير ضرب من ضروب الخيال،فاستباحوا البلاد ومواردها لأنفسهم دون الأخرين،  لكن الثوار كانوا يدركون  أن الشجرة الذابلة العقيمة من كل ثمر واخضرار،  هي لا محالة ستتهاوى على الأرض وتسقط من جذورها التي ارتوت من الماء الآسن   ، وأن حرست برصاص الغدر الذي اغتال الشرفاء، هذه إرادة الله في الكون.
كان الثوار يدركون ذلك ويأخذونه مأخذ الجد، لذا كانت الثورة تنطلق كل يوم من مدينة لأُخرى، لتعانق كل الأمكنة، كانت الثورة تباشير الفرح، والنبأ السعيد الذي يتسابق الناس له ولمعانقته.
كانت الثورة الحلم  الذي طال انتظاره، والحقيقة التي يبحث الجميع عنها، كانت الثورة تضحية الشهداء والدماء التي سالت،  والقيم  التي برزت، كانت الثورة رفضاً للماضي وتطويعاً للحاضر واستشرافاً  للمستقبل.

هم الآن مندسون بأسماء وهمية ومجموعات هلامية  في السوشيال ميديا،  كلما كان هناك تصريح لوزير، أو مسئول كانت منهم الإساءات والشتيمة، فأصحاب المشروع الحضاري الفاشل، لايملكون غير الإساءة والألفاظ القبيحة، وتثبيط الهمم ونشر الشائعات، فمالوا لذلك بعد أن فشلت مسيراتهم ومظاهراتهم،حتى بعد فتح شارع القيادة لهم، ولكن شباب السودان قد خبروهم وخبروا أساليبهم، يفوتون عليهم كل يوم ِ الوقيعة والفتنة ، لذلك نقول أن الثورة وعي وإدراك.

كل فترة  تتجه حملتهم لوزير من الوزراء،بعد أن يظهروا بمظهر الثوار،  لكنهم لم يجدوا غير الفشل، نسبة لوعي شباب الثورة، تارة يسيئون لرئيس الوزراء، وتارة يطالبونه بتغيير هذا الوزير أوذاك ، أسوة بحكوماتهم التي لم يتجاوز عمرها في أغلب الأحيان بضعة أشهر، تغيير وزاري بعد تغيير وزاري، والشعب لايحصد غير الفشل.

ستتوالى مغامراتهم الصبيانية عبر السوشيال ميديا، فلم يعد لهم مكاناً غيرها، لنشر سمومهم وأحقادهم وفشلهم، فالفشل بعد ثلاثون عاماً ليس أمراً سهلاً ولا عادياً،  وماذا تأمل في أناس مثلهم لازمهم الفشل سنينا عددا، وليس لهم الآن غير الحقد ومحاربة النجاح، لاهم لهم الآن غير إفشال الفترة  الانتقالية، فهم لايعرفون االحرية ولا الديمقراطية ولا كرامة لإنسان، ولايستوعبون ثورات  الشعوب، هولاء لايدركون إلا مصالحهم التي يختزلون كل مصالح الوطن فيها حسب نظرهم القاصر.

يسخرون من الوضع الاقتصادي الذي لم يكن إلا نتيجة فسادهم وسرقاتهم لموارد البلاد، ومن الوضع الصحي والمستشفيات بعد أن عاثوا فساداً في كل مرفق  وغابت القروض وموارد التنمية في جيوبهم الخاصة، ولأول مرة في تاريخ البلاد لا يعرف أين ذهبت القروض والمنح، وتباع مؤسسات الدولة عبر عصاباتهم  بأبخس الأثمان، ويتحدثون عن الحرية وهم الذين لايعرفون غير بيوت الأشباح والتعذيب والقتل   واقتحام  بيوت الشرفاء في منتصف الليل ليعتقلوا الثوار، الأب  من بين أبنائه ،أو الابن من بين أسرته،   وربما عاد  أولم  يعود من بعد ذلك، ومؤامرات  الظلام وإذلال الناس ومصادرة حقهم في حياة كريمة.

لم يستطيعوا بعد كل هذه الفترة أن يدركوا جمال هذه الثورة، والقيم الجميلة  التي دعت لها، فقاموسهم يضيق عن معاني الحرية والسلام والعدالة، فهم  تعودوا على التمكين والفساد، ويتحدثون عن الكفاءات ، وهم الذين انشغلت عقولهم بتمكين أهل الولاء بدلاً عن أصحاب  الكفاءة  وأهل المعرفة.
يعملون من أجل أن يبثوا الحقد في شباب الثورة ضد تجمع المهنيين وضد الحرية والتغيير،ويزرعون الفتنة هنا وهناك، بعد أن يئسوا من تجمعاتهم، يريدون أن يسوقوا قوى الثورة بزرع الفتنة،  لذا نتمنى الانتباه، وليعلم شبابنا بأساليبهم  فهم   يريدون انهيار الفترة الانتقالية، وليحرسوا ثورتهم بالوعي والإدراك.

د. السموءل محمد عثمان
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق