مقالات سياسية

تجمع المهنيين السودانيين.. هل إنتهىٰ الدور؟؟!

علي مالك عثمان

(١)
الخلافات الحادة وغير المسبوقة التي تعصف بتجمع المهنيين السودانيين حالياً أصابت الكثيرين بالإحباط والحزن، وذلك بسبب الدور الكبير الذي لعبه التجمع في قيادة ثورة ديسمبر المجيدة بصورة رائعة، أكسبته ثقة الشارع، ومكنته من النجاح في توحيد موجة غضبه العارمة تجاه النظام البائد، وتنظيمها في صورة عمل ثوري فعَّال، نجح بتقدير إمتياز في الإطاحة بالنظام.

(٢)
تلك الصورة الثورية الناصعة للتجمع أصابها الكثير من الإهتزاز والغبش نتيجة هذه الخلافات المستجدة وغير المسبوقة في مسيرته، والتي غدت تهدد بصورة جادة وحدته وتماسكه، مما جعل أصوات تبرز وتتطالب بحلِّ تجمع المهنيين السودانيين، وإنهاء دوره، وذلك لإنتهاء وظيفته، وإنتفاء الغاية التي تشكَّل من أجلها، خصوصاً بعد أن نجحت الثورة في الإطاحة بالنظام البائد. فهل فعلاً إنتهت الوظيفة وانتفت الغاية؟؟

(٣)
دعونا أولاً نُثبِّت حقيقة تخص تجمع المهنيين، وهو أنه ليس حزب سياسي بالمعنى التقني للكلمة، على الرغم من ممارسته للعمل السياسي. وذلك لأنه لن يطرح نفسه للناخب السوداني في أيِّ إنتخاباتٍ قادمة، ولكنه يريد لنفسه ممارسة دور رقابي، يمنع إنتكاسة الثورة، وحرفها عن مسارها، أو التآمر عليها. وهذه الرؤية لهذا الدور الرقابي للتجمع نبعت من التجارب الثورية السابقة لهذا الشعب بعد ثورتي أكتوبر ١٩٦٤م، وأبريل ١٩٨٥م. حيث أثبتت الأحزاب السياسية بعد نجاح تلك الثورات أنها غير مؤتمنة بالمرة على أهداف الثورة الحقيقية التي خرج من أجلها هذا الشعب، وقدَّم في سبيلها المهج والأرواح. وذلك لأن التجربة أثبتت أن الأحزاب عادةً ما تقدِّم أجندتها الحزبية الضيقة على أجندة الوطن الجامعة، متىٰ ما وصلت لكراسي السلطة. وبسبب تشاكس هذه الأحزاب وتناحرها فيما بينها، يجد العسكر الطريق سالكاً للإنقلاب على الديمقراطية، وإعادة البلاد للوراء مرة أخرى. وبالتالي حتى يتم تصحيح مسار الثورة، متىٰ ما انحرفت عن مسارها، لابد في تقديري من وجود مثل هذا الجسم الضابط للتوازن، والحافظ للإتجاه، حتى تعود العربة مرة أخرى للمسار الصحيح. وهذا بالضبط ما يقوم به الاتحاد العام للشغل في تونس، والذي قام بدورٍ كبير في منع سقوط الثورة بعد موجة الإغتيالات التي تعرض لها ساسة كبار بعد سنوات قليلة من نجاح الثورة التونسية عام ٢٠١١م، وذلك بغرض إحداث فتنة داخلية وفوضىٰ عارمة، تُجبر الجيش على النزول وإستلام السلطة مرة أخرى. وبفضل هذا الدور الذي لعبه هذا الإتحاد أصبحت الآن كل الأحزاب السياسية في تونس تتسابق لخطب وده وكسب رضاه.

(٤)
أيضاً وجود مثل هذا الكيان الزاهد في الوصول للسلطة، والحائز على ثقة الشارع، ضروري من وجهة نظري في تقريب شُقة الخلاف حال اتساعها بين الأحزاب خلال الفترة الديمقراطية. وهذا بالقطع سيحدث، وعندها لابد من وجود جهة يطمئن لها الشارع، ويُجْبِر عبرها الأحزاب المتخاصمة على التواضع والإتفاق على حدٍ أدنى من الثوابت، لإنقاذ العملية الديمقراطية برمتها. وبالتالي في حال غياب مثل هذا الجسم ستكون العملية الديمقراطية في خطرٍ داهم، ستصاب معه الحكومة بالشلل، وسيُغرِي بالتأكيد العسكر على ممارسة هوايتهم المحببة في الإنقلاب على الديمقراطية، والعودة لممارسة التسلط والاستبداد مرة أخرى. حصل هذا بالضبط قبل إنقلاب الإنقاذ المشؤوم. فقد أصيبت حكومات الصادق المهدي المتعاقبة بالشلل التام، وأصبحت الواحدة منها لا تستمر بعد أداءها القسم إلا لأشهرٍ معدودة، ثم لا تلبث أن ينفرط عقدها، بسبب استحكام الخلافات بين مكوناتها المؤتلفة، مما جعل الطريق ممهداً للإنقلاب عليها.

(٥)
أيضاً واهم من يظن أن حكومة الفترة الإنتقالية هذه قد تجاوزت مرحلة الخطر وعبرت إلى بر الأمان. فالأخطار والمؤامرات لازالت تتربص بها، ليس من زبانية النظام السابق فقط، ولكن أيضاً من بعض مكونات قوىٰ الحرية والتغيير. حيث ما فتئت هذه المكونات تبشرنا بين الحين والآخر بإنتخابات مبكرة، قبل أن تُكمِل حكومة الفترة الإنتقالية الحالية مهامها في ايجاد حلول لمشاكل البلاد الموروثة من النظام البائد. وإذا قُدِّر لهذه المشاكل العبور للفترة الديمقراطية فإنها حتماً ستعصف بها، وتمهِّد لعودة العسكر مرة أخرى.

(٦)
لكل ما تقدَّم فإن الأسباب الموجبة لبقاء تجمع المهنيين واستمراره في ظني لازالت قائمة. بل أكثر من ذلك أرىٰ أن الحاجة له أصبحت الآن مطلوبة أكثر من الماضي، لأن الثورة لم تتجاوز مرحلة الخطر، ولازالت تتلمس طريق الخروج، كما أن المتربصين بها ما أكثرهم.

(٧)
أيضاً علينا جميعاً أن ندرك أن هذه الخلافات التي حدثت لتجمع المهنيين لن تقف عليه وحده، بل ستنتقل عدواها لكل تنظيماتنا السياسية، وذلك لأن الساحة السياسية إنقطع عنها أوكسجين الحياة الديمقراطية مدةً طويلة، مما جعل إدارة الخلافات بين مكونات هذه التنظيمات السياسية عملية شاقة، وتنتهي عادة بالإنقسامات. لكن في تقديري يجب عدم القلق، والنظر إلى ذلك على أنه مخاض ديمقراطي طبيعي، سيتعلم منه الجميع في النهاية كيفية إدارة خلافاتهم، لأن ممارسة الديمقراطية هي كركوب الدراجة، يتم تعلمها من كثرة الممارسة والإستفادة من الأخطاء.

(٨)
أيضاً يبقى الأمل قائماً في عقلاء تجمع المهنيين لتغليب المصلحة العامة للبلاد، والإتفاق على حدٍ أدنىٰ من المشتركات الضرورية للحافظ على هذا الجسم الهام والضروري لهذه المرحلة الإنتقالية، ولمرحلة الفترة الديمقراطية عقب الانتخابات القادمة إن شاء الله. وليعلموا أن الوعي السياسي العالي لدىٰ هذا الشعب، والذي مكَّنَهُ من عمل هذه الثورة العظيمة، لَهُوَ قادرٌ على استكمال مسيرة هذه الثورة الظافرة والمنتصرة بإذن الله، بهم أو بغيرهم، وأن هذا الشعب سيمنح ثقته مرة أخرى لكل من يأنس فيه الصدق والإخلاص لمباديء ثورة ديسمبر العظيمة، لأنَّ مسيرة النضال لن تعدم الشرفاء والمخلصين، وأن هذا الشعب الواعي قادر على الغربلة والتمحيص. كما أن عليهم أن يدركوا أنهم ما كسبوا ثقة هذا الشعب في الماضي إلا بتبنيهم لأجندة وطنية مُجْمَع عليها بواسطة السواد الأعظم من هذا الشعب، وأنهم سيفقدون تلك الثقة متى ما ظهر لهذا الشعب تبنيهم لأجندة خاصة وضيقة بعيدة عن شعارات الثورة الحقيقية “حرية – سلام – وعدالة”.

والله من وراء القصد..

علي مالك عثمان
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى