مقالات سياسية

أين الخطة الإسعافية يا وزارة المالية و “التخطيط”؟

د. الحسن النذير

كان من المتوقع ان يشمل نشاط وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، اعداد خطة إسعافية (ذات أهداف عامة وقطاعية وتحديد للموارد والية تنفيذ ومتابعة الخ…) علي هدي مبادرة من قوي اعلان الحرية والتغيير “قحت”. وعلي ضوء دراسة وتقييم شامل للقطاعات الاقتصادية والظروف المعيشية للسكان في الأقاليم المختلفة.

للأسف وبعد مرور تسعة أشهر علي تكوين الحكومة الانتقالية لم تطرح اي وثيقة اسمها “الخطة الإسعافية للفترة الانتقالية” اللهم الا اذا كانت سرية لم نتمكن من الاضطلاع عليها. وبخطة، لا نعني مصفوفة مهام او قاءمة إجرات اعتمدتها السلطة التنفيذية.

من البديهي ان اقتصاد منهار كالذي خلفه النظام البائد يتطلب خطة إسعافية “قصيرة الأجل”. ونقول قصيرة الأجل لان:-
– الفترة الانتقالية نفسها قصيرة الأجل؛
– الظروف المعيشية للأغلبية العظمي من المواطنين، حرجة جداً، تتطلب قرارات ومشروعات عاجلة من اجل توفير الحد الأدني من الاحتياجات الضرورية للحياة، خاصة ( الغذاء والدواء)
– الامكانات المالية الشحيحة، لا تسمح واقعياً بالدخول في ترف اعداد خطط او برامج متوسطة المدي ناهيك عن طويلة المدي،
– ليس من واجبات او مطلوبات الفترة الانتقالية اعداد برامج او خطط تنموية للبلاد علي المدي المتوسط او الطويل قبل تحقيق السلام وقيام الموءتمر الدستوري الذي يحدد كيف يحكم السودان. ويحكم هذة تشمل بالضرورة إدارة الاقتصاد وتوزيع الموارد والجهد التنموي بما في ذلك تحديد الاولويات الخ…
دون الاسترسال في أسباب ومبررات اهمية الخطة الإسعافية قصيرة المدي، لنتطرق الي بعض النقاط الهامة المتعلقة بالدور الهام للتخطيط نفسه، والذي يبدو مهمشاً في الجهود التي تتحكم فعلياً في إدارة الشأن الاقتصادي خلال هذة الفترة الانتقالية:-
– اولا وقبل كل شيء ليس المقصود هنا النوع القسري للتخطيط للاقتصادي “Imperative Planning” الذي يلغي كلياً دور قوي السوق. في نفس الوقت ليس المقصود التخطيط التاشيري البحت “Indicative planning”، الذي يعتمد كلياً علي ميكانيزم السوق في إدارة الاقتصاد ويكتفي بتسليط الضوء علي المتاح من الموارد المادية والمالية والقوي العاملة والتنبؤات وتوقعات الموءشرات الاقتصادية التي قد تضيء الطريق للمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين المختلفين. اما التخطيط الذي يلائم واقع بلادنا كدولة نامية ذات اقتصاد مختلط به قطاعات “عام وخاص ومختلط “؛ هو شيء من هذا وذاك “More Imperative, less Indicative” او العكس، حسب مرحلة وخصائص التطور الاقتصادي. هذا بالضرورة يتيح التدخل العقلاني Rational State Intervention من قبل الدولة في ترشيد وضمان توازن الاقتصاد الكلي دون إلغاء لدور قوانين السوق في توزيع الموارد بطريقة فعالة. راينا التعرض لهذة المسالة (اهمية التخطيط الاقتصادي) في إدارة الشأن الاقتصادي في السودان كما في بقية الدول النامية، لكي يطمئن قلب أنصار سياسة التحرير الاقتصادي (الادارة الحالية لوزارة المالية )، بان دور التخطيط، لا ينتفي حتي اذا سلمنا جدلاً بصحة توجهاتهم النيوليبرالية.

تاكيداً لما سبق، ونسبة لان قطاعت البنية التحتية والتعليم والصحة تشغل حيزاً كبيراً في الدولة التي تطمح الي تنمية مستدامة، يتطلب ذلك اعداد مشروعات ذات طابع عام “قطاع عام” يتطلب اعداد مشروعات “متداخلة بطبيعة الحال”، مما يحتم تنسيقها، اي وضعها في برامج مترابطة من حيث الموارد المتاحة “محدودة” وفي الإطار المنسق والزمن المناسب لتنفيذها. ذلك يوءدي بالضرورة الي “اعداد خطة.” وإلا تعذر او بالاحري استحال تنفيذ هكذا مشروعات.

نرجع الي أهمية الخطة الإسعافية. نسبة للواقع المذري للاقتصاد الموروث من النظام البائد. كان من المتوقع عمل تقييم سريع وشامل Comprehenssive Assessment للاوضاع في القطاعات الاقتصادية المختلفة وحصر للموارد المتاحة والتي يمكن توفيرها، وتحديد الاولويات التي تتطلب التدخل العاجل من قبل الدولة “نوعياً وكمياً” وخاصة في مجال الغذاء “الخبز أولاً”، والدواء “الادوية المنقذة للحياة أولا،” فالنقل والمواصلات الخ…

اذا كنّا قد بدانا بإعداد خطة إسعافية منذ البداية كنّا قد حسمنا مسالة الاستعانة بالتعاونيات والبيع المباشر وترشيد استهلاك المحروقات بدلاً عن التفكير فيها بعد قرابة العام منذ بداية الفترة الانتقالية!! ومن الواضح ان قلة الخبرة وانعدام آلية للتنسيق بين موءسسات الفترة الانتقالية كانت وراء ذلك. وربما لإهمال المسوءلين في قحت (الحاضنة السياسية للسلطة الانتقالية). وللتعبير عن دهشتنا لاتباع سياسة رزق اليوم باليوم التي اتبعتها السلطة الانتقالية، نشير الي الأمثلة التالية:-

– بعد اجتياح كارثة كرونا بدانا نفكر بطريقة اكثر جدية في اولوية تأهيل القطاع الصحي المنهار تماماً!
– بعد ان بلغ مستوي التضخم عنان السماء بدانا نتحدث عن التعاونيات كانما القائمين علي وزارة التجارة لم يسمعوا عنها من قبل،

– بعد ان استحال توفير الكميات الضرورية من المحروقات بدات وزارة الطاقة الحديث عن ترشيد الاستهلاك وبرمجة التوزيع.

– رغم وجود عدد كبير من الأطباء غير المستوعبين في الخدمة او العاملين بدون راتب، بدانا التفكير في استيعابهم، كان أهمية وأولوية ذلك قد وضحت بعد كارثة الكرونة!

حتماً، قاءمة التعجب حول هذا القصور المخل تطول. والسبب الاكيد هو غياب خطة إسعافية تساعد في تخفيف الأزمة الاقتصادية الكارثية.

نعلم بان إدارة الأزمة الاقتصادية التي ورثناها عسيرة جداً. ونعلم بان الموارد المتاحة محدودة جداً وان الجهد المبذول من قبل السلطة التنفيذية، جهد مقدر علي كل حال. ولكننا يجب ان نؤكد ايضاً بان هنالك قصور يجب الإشارة اليه رغم علمنا وتقديرنا
لموءهلات وخبرة القائمين علي شاننا الاقتصادي، ومنهم بكل تاكيد رءيس الوزراء ووزراء عديدين. ونشير هنا الي انه كانت هنالك فرصة متاحة لحكومة الثورة ان تستعين بعدد كافي من الخبراء الوطنيين. في مختلف المجالات بدلاً من المجازفة بالاعتماد علي المقدرات والخبرات (المحدودة في نهاية الامر) لمن تقلدوا حقائب وزارية للفترة الانتقالية. نقول ذلك مع كل التقدير للجهد الكبير الذي يبذلونه.

لتسليط الضوء علي ضياع الفرص التي كان من الممكن ان تتيحها الخطة الإسعافية نسوق ما يلي علي سبيل المثال لا الحصر:-

– نحن ننتج ملايين الاطنان من المولاس ونستورد خميرة الخبز والكحول الطبي بملايين الدولارات.!!كما اننا ننتج أياً كميات مهولة من القطن ونستورد الشاش والقطن الطبي)!! بكل تاكيد، كان من الممكن لوزارة الصناعة تركيب وحدات إنتاجية لإنتاج هذا النوع من السلع ذات الاولوية لكفاية السوق المحلي – علي الأقل- خلال فترة زمنية قصيرة جداً وبتكلفة مقدور عليها.

– تعاني معامل التحاليل الطبية ومراكز غسيل الكلي من مشاكل عديدة مثل صيانة المعدات واجهزة التكييف وثلاجات حفظ المحاليل والعينات ونقص المحاليل والمعينات الخفيفة مما يجعلها غير قادرة علي تقديم الخدمات الطبية الملحة! وكان من الممكن التعرف علي هذا الوضع المؤسف لمؤسساتنا الطبية اذا تم وضع خطة إسعافية لهذا القطاع المهم والمرتبط بحياة المواطنين. وحتما كان من الممكن وضع مشروعات إسعافية بتكلفة مقدور عليها. فالحديث هنا ليس لإقامة منشات طبية جديدة بل القيام بمعالجات عاجلة، ضرورية وممكنة. هذا ممكن في بلد تستورد الكمثرى والتفاح والعنب وكريمات تفتيح البشرة. نتسائل هنا: أيهما اهم ، تأهيل الموءسسات الطبية ام توزيع سيارات جديدة للقضاة؟ (قامت رءيسة القضاء الجديدة بتخصيص عربات جديدة للقضاة)!! وذلك بعلم وموافقة وزارة المالية و”التخطيط”!

اذا كنّا قد اعددنا واعتمدنا خطة إسعافية، كان من الموءكد ان نكون قد تفادينا مشاكل تكاليف الخبز ووفرته، وكنا قد وفرنا لمستشفياتنا ومؤسساتنا الطبية بعض الضروريات التي لا غني عنها.

لا شك ان هنالك العديد من المشروعات الضرورية التي يمكن تضمينها للخطة الإسعافية (ان وجدت، الإرادة السياسية)، والتي كانت قد اكتملت الان واسعفت جوعانا ومرضانا الكثر أعانهم الله!!.

اللهم أسعف سلطتنا التنفيذية الانتقالية بالتواضع علي اعداد “خطة” إسعافية قصيرة الأجل والآجال بيد الله، عسي ان يسعفنا الله بالصبر والاتفاق علي مد الفترة الانتقالية التي قصرت اجلها جائحة كرونة اللعينة صرفها عنا العلي القدير.

د. الحسن النذير
[email protected]

تعليق واحد

  1. لا نطلب من الوزراء الالمام بكل شئ!!!
    و لكن نعيب عليهم عدم استعانتهم بالكوادر و الخبراء في كل المجالات و الذين لن يبخلوا بعلمهم
    مجلس خبراء لكل وزير هل هذه تحتاج درس عصر ؟!!!!
    يبدو ان ق ح ت لم تتعلم شيئا طيلة 30 عاما

زر الذهاب إلى الأعلى