
يمكن القول بأن هناك واقع خارجي حقيقي (خارج انفسنا)، يتمثل في (غيري) من البشر والحجر والشجر والانهار والبحار والنجوم والمجرات، وبإزاء ذلك الوجود الخارجي القائم بذاته يوجد عالم آخر موازٍ لهذا العالم الخارجي، وهو ذلك العالم الذي نخلقه نحن داخل أنفسنا ظانين أنه هو العالم الخارجي على الحقيقة، وهو بطبيعة الحال صوورة أخرى للعالم تعبر عنا نحن أكثر من كونها تعبر عن حقيقة العالم.
خلق الله تعالى هذا الكون واستبطن فيه القوانين اللازمة لتسيره، ثم خلق الانسان وقسم له من الإرادة والمشيئة والقدرة على الابداع والاضافة عن طريق الخلق (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)، تلك القدرة التي أخرجت لنا الفنون بكافة ضروبها وأنتجت لنا هذه التكنولوجيا الفائقة التي قلبت العالم رأساً على عقب، بل مكنت الانسان من أن يخلق (بِإِذْنِ اللَّهِ )عالماً آخر موازٍ (virtual) للعالم الذي نعيش فيه، ربما بموجب امتلاك هذه القدرات حمل الانسان الأمانة التي قال فيها تعالى ذكره (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا).
يتخذ العالم الخارج موقفاً سلبياً تجاه كل فرد منا، وكل فرد منا إذا لم يحقق فرديته، فإنه سيعرف العالم الخارجي كما هو موجود في أذهان (آبائه) وخلفياتهم المعرفية التي تكونت عبر السنين وتبلورت في شكل ثقافة تشكل عقليات أفراد المجتمع، وتتحدد، من ثم، أفكارهم الأولية التي يعتقدون أنها (مسلمات لا تقبل الشك)، لذلك تجد الشيعة ينجبون أطفالاً شيعيين، والسلفيون ينجبون أطفالاً سلفيين، والمسيحيون واليهود كذلك (فأبواه يهودانه أو ينصرانه)، فلا تفرح كثيراً بانتمائك العقائدي أيها المسكين فأنت ابن بيئتك، فلا تحتقر غيرك لأنه ربما يكون أفضل منك.
ربما لذلك أمرنا الله تعالى أن نسير في هذا العالم (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) لنعرف بداية خلق كل شيء، ومعرفة بداية خلق أي شيء تبدأ بالضرورة بمعرفة أنفسنا، وأن نعرف كيف نعرف؟ وهل المعرفة أصلاً ممكنة؟ (نظرية المعرفة)، ونظرية المعرفة هي الاطار الذي نضبط به عملية تحصيل معارفنا وتمكننا من أن نحكم على صدق ما نعرف، وبالتالي إدراك هذا العالم بمثابة عملية خلق جديدة، فأنت بالفعل تخلق عالمك الذي تعيش فيه وفق منظورك أنت، وذلك لأنك لا تستطيع إدراك الأشياء في حقيقتها، وانما تدرك فقط ما يبدو لك وما يتيسر لك فهمه، فتجعل هذا عدو وذاك صديق وهذا جميل وذاك قبيح، وهذا خطر وذاك نافع وغيره ضار.
الحقيقة في الخارج واحدة، ولكن مصداقها في عقولنا يختلف باختلاف رؤيتنا، لذلك جاء في الأثر (لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى الخلق لم يلم أحد أحداً)، كل فرد له تصور مختلف الحياة والدين والعقيدة تحدده استعداداته الفكرية وأدواته المعرفية، في هذا الاطار يمكن قراءة قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، فنحن نفهم العالم بقدر فهمنا لأنفسنا، وكلما عرفنا أنفسنا عرفنا ربنا تبارك وتعالى، وهذا السعي المعرفي هو العبادة التي خلقنا من اجلها كما ذهب إلى ذلك البعض في تفسير (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) بأنها عبادته المُتَضمِّنة لمعرفته ومحبته، وقال مجاهد إلا ليعرفوني، ومعرفة الله تعالى لا تكون إلا من خلال (معرفة كيف نعرفه)، سواء بالعلم الحصولي أوالحضوري أو كليهما معاً.
وأخيراً نسوق هذ الأمثولة الهندية، التي تروي قصة مجموعة من الرجال العميان، لم يسبق لهم تصور الفيل، وقد بدأوا في تعلم وتصور ماهية الفيل و شكله من خلال لمسه. فكل أعمى تحسس جزءاً مختلفاً من جسد الفيل، لكنه جزء واحد فقط، فلمس أحدهم قدمه، والآخر خرطومه وآخر أنيابه. بعدها بدأ العميان في وصف الفيل، فوصف كل منهم الفيل بطريقة مخالفة لوصف الآخرين. فما لبثوا أن بدأوا يكذبون ويهزأون من بعض، والكل كان صادق فيما يقول، ولكنه صادق فقط فيما علمه من الفيل. لذلك تواضع دائماً واعلم أن كل تحصيلك ومعرفتك إنما هو على أحسن تقدير (جزء من الحقيقة).
صديق النعمة الطيب
[email protected]



أولاً كيف (يمكن القول بأن هناك واقع خارجي حقيقي (خارج انفسنا)، يتمثل في (غيري) من البشر والحجر والشجر والانهار والبحار والنجوم والمجرات)؟؟
وهذا تساؤل فلسفي هل يمكن هذا القول استناداً فقط على الحواس والاحساس بوجود هذا الغير وفي هذه الحالة كيف نتيقن من حقيقة ما نراه ونلمسه ونحس به هل هذه الحواس صادقة تماماً بما تحس وإن صدق هذا الاحساس بالغير فهل يثبت هذا حقيقة وجود الغير ليس كمجرد إحساس وإنما كواقع حقيقي ولا أقول كواقع ملموس بالطبع إلا بعد ثبوت حقيقة واقع الشيء الملموس وأنه ليس مجرد خيال!؟ فالمعلوم علمياً أن الاحساس بالشيء المرئي أو الملموس أو المسموع أو المُتَذوَّق والمشموم يتحكم فيه العقل من خلال عضو الاحساس ولا يتقرر هذا الاحساس بالغير بواسطة الحاسة وحدها وانما العقل هو الذي يميز هذا الشيء. فكيف نتأكد من الاحساس ذاته من خلال هذه الحواس هو إحساس حقيقي أم خيال؟ وعليه، فهل هذا العالم الذي يحيط بنا محيط حقيقي أم وهم عقلي أي من صنع شعور خيالي ينتجه العقل ويُخَيِّله على الحواس؟؟
من ابسط تعريفات الفلسفة هي القدرة على الاندهاش، بمعنى مساءلة المسلمات، والسعي للاقتراب من معرفة الحقيقة، تساؤلك جميل ومبرر جداً، ولكن في مثل هذه السياقات دائماً لا توجد أجوبة وإنما مزيد من الاسئلة، والقدرة على التساؤل ملكة موؤودة في أنفسنا بسبب القهر والكبت.
عموما تساؤلك بفضي مباشرةً إلى حقل (نظرية المعرفة)! حيث تنهض الاسئلة (الكبرى)، وهي محاولة (فهم الفهم نفسه) أي هل المعرفة ممكنة؟ وما هي مصادرها؟ وكيف يمكن التحقق من صدقها؟ لتنهض أسئلة على شاكلة هل الحجية في القرآن أم السنة أم فيهما معاً، وهل القياس والاجماع مصادر من مصادر التشريع؟ بذللك يدخل كل شيء حيز التساؤل بغية الخروج بمعرفة ترضي نفسك.
وتبدأ هذه الاشكاليات من المعرفة الأولية أو القبليات التي نسميها البديهيات، والتي لا تحتاج لاستدلال على صدقها، وهي على أغلب قول الفلاسفة معرفة (حضورية) غير كسبية بمعنى أنها توجد بتعبير اليوم في (تهيئة المصنع للدماغ)، مثل الجزء أصغر من الكل، وعدم اجتماع النقيضين (رغم ما يقال فيها من كلام)، وهكذا..
من هنا تبدأ الفرضيات والممكنات التي من ضمنها، هل الحواس مصدر من مصادر المعرفة، فأنا عندما احلم ارى نفس الأشياء التي أراها في الواقع ولكن بكيفيات أخرى! هل الحدس مصدر من مصادر المعرفة أم أنه فقط محض هلاوس تشبع تمنياتي وأشواقي، وماذا عن الوحي والالهام والكشف عند الصوفية؟ هل المعرفة عقلية مجردة أم تجريبية مخبرية مرئية؟ وهكذا!
طبعاً سيقول قائل وأين الاجابة؟ لو اننا انتقلنا من حقل الاجابات الشافية الى حقلة الاسئلة لانحلت مشكلة العالم الاسلامي كله من شرقه إلى غربه الذي يفتقر اهله إلى (نظرية في المعرفة)، توضح لنا كيف نحكم على صدق من يحدثنا لا أن نسمع ونطيع في المنشط والمكره ولو جلد الظهر وأخذ المال، فانا لا أصدق ما تقول حتى تأتي بحجتك، ثم علي أن أقيِّم حجتك، لذلك يقع كثير من الناس فرائس سهلة في يد الجماعات المتطرفة سواء من اليمسن أو اليسار، فقط لأننا لا نحسن الشك ومن ثم التساؤل!