مقالات سياسية

كشيب في لاهاي، فمتى البشير؟ 

يوسف السندي 

لا أدري ما المغزى الذي جعل كوشيب يهرب الى أفريقيا الوسطى ثم من هناك يسلم نفسه لمحكمة الجنايات الدولية ، ربما خاف من انتقام البعض اذا سلم نفسه لسلطات الحكومة الانتقالية ، او ربما ساءت ظروفه في هروبه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم يجد من ملجأ الا إلى لاهاي ، لكن بكل تأكيد تسليم كوشيب لنفسه للمحكمة الجنائية خلق واقعا جديدا كلية ، تحول فيه دور المحكمة الجنائية من مراقب يستجدي الدول في القبض على المتهمين السودانيين إلى محكمة بيدها احد المتهمين.
في ظل وجود نظام البشير كان من العسير ان توافق المحكمة الجنائية على محاكمة داخلية لمن تتهمهم بمجازر الحرب والجرائم ضد الإنسانية بدارفور ، وذلك لان الدولة كانت شمولية، فاسدة، والقضاء مسيس وغير محايد ولا يمكن الوثوق بتحقيقاته وأحكامه. الآن هناك واقع جديد في السودان بعد ثورة ديسمبر المجيدة وانتصار شعب السودان على السفاح البشير واستعادة سلطة الدولة من النظام الإرهابي القاتل ، وهناك فرصة لإصلاح السلك القضائي والقانوني وبناءه بصورة مستقلة تجعله قادر على محاكمة جميع الجرائم بحيادية واستقلالية ، وهي الشروط التي تطلب المحكمة الجنائية توفرها في أي دولة لتتمتع بالسماح لها بمحاكمة مجرميها داخليا . وهو ما أشارت إليه المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتوا بنسودا في أحدث تصريحاتها بعد اعتقال كوشيب.
بنسودا أعلنت عن استعداد المحكمة الجنائية الدولية للتعاون مع الحكومة الانتقالية للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت بدارفور، بشرط أن يثبت لقضاة المحكمة أن السودان يقوم بتحقيق صادق مع المشتبه بهم ، ومحاكمتهم عن السلوك الإجرامي المزعوم نفسه في مذكرات اعتقال المحكمة الجنائية الدولية . هذا التصريح يفتح الباب لمحاكمة البشير عبدالرحيم محمد حسين واحمد هارون وغيرهم من المطلوبين داخليا ، رغم أن هذا الخيار لا يحظى بقبول السودانيين ولا الضحايا الدارفوريين الذين يطالبون بتسليم المتهمين لمحكمة الجنايات الدولية ، وهو موقف ربما ناتج عن عدم الثقة السابقة في نظام القضاء والتحقيق في السودان في زمان الإنقاذ.
المحكمة الجنائية في الوقت الراهن ليست في أفضل حالاتها، فهي تواجه انتقادات أمريكية حادة ، بالإضافة لانتقادات من اليابان وبريطانيا . أمريكا على لسان وزير خارجيتها بومبيو قالت بأنها لم توقع على ميثاق روما ، وقال بومبيو ان المحكمة الجنائية وجهت تهم لالف شخص ومن ادينوا منهم في النهاية كان أربعة فقط ، ويصفها بأنها محكمة فاسدة وغير ناجعة ، ويرفض محاكمة اي امريكي أمامها ويتوعد قضاة المحكمة بالعقوبات والحرمان من التأشيرات ان حاولوا معاقبة جنود أمريكيين أو مواطنين أمريكيين ام حتى حلفاء لأمريكا.
المحكمة الجنائية تمثل جزء مهم من الحلم الدارفوري بالعدالة ، ان يرى الذين تعرضوا للمذابح والفظايع هؤلاء المجرمين مكبلين في الاصفاد في لاهاي ، سيكون مبعث نصر لهم وسكينة نفسية بعد سنين من الصدمات والقلق النفسي والبكاء المتواصل ، ولكن يبقى ما ذكره وزير خارجية أمريكا عن تطاول امد المحاكمات بالمحكمة الجنائية وعن عدم نجاعتها في توجيه الاتهامات ، مصدر قلق للجميع ، خاصة اذا كان هناك ولو بصيص شك في أن المحكمة قد لا توجه تهم للمتهمين !
كوشيب الآن لدى المحكمة الجنائية وبقية المجرمين في سجون السودان، الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية قوى الحرية والتغيير متوافقين على تسليم البشير للجنائية ، جلوس حكومة السودان والمحكمة الجنائية الى طاولة حوار لتقييم الوضع أصبح حاجة ملحة ، من أجل استكمال تسليم البشير او محاكمته بالداخل بمعاونة المحكمة الجنائية .
يوسف السندي

تعليق واحد

  1. إن وصول كوشيب إلى لاهاى يضع السودان بأكمله في موقف حرج ليس من باب نزاهة القضاء السودانى وشكوك الضحايا حوله أو القدرة أو الرغبة على التحقيق وتقديم المتهمين للعدالة الحرج يكون في أن السودان لا يملك ولا صفحة واحدة من الجرائم التي ارتكبت في دارفور خلال ما يزيد عن اثنتي عشرة سنة. يعنى ضحايا يفوق عددهم مئات الالاف ولا نملك محضرا واحدا.. لجنة دفع الله الحاج يوسف كانت لتقصى الحقائق حول ما جرى ولكن السجلات الجنائية غائبة تماما هذا أمر مخيف ..وذاكرتنا الموثقة ضعيفة لأبعد الحدود. فعلى أى أساس تتم المحاسبة. هذا الأمر له تفسيران مع الإقرار بضعف الدولة السودانية في بنياتها ومؤسساتها ولكن نزعم بأن حكومات الخرطوم فالمواطن عندها هو من يقيم في أطراف الخرطوم لا دارفور البعيدة أو صقع الجمل. عفوا على ذلك فهي منطقة حبيبة إلى قلبي والله والأمر الثاني وهو راجح أيضا وهو إخفاء المستندات مثلما يحدث الان من حرق متعمد في مباني مؤسسات تحوم حولها الشكوك كما حدث في سودانير مؤخرا . الكل يعلم أن مكتب سودانير مفتوح في أديس أبابا مثلا منذ ربع قرن أو يزيد والغريب أن مديره سودانى يتمتع بكل مزاياه الوظيفية وسودانير توقفت رحلاتها لما يزيد عن الفترة ذاتها والمكتب يعمل الان كوكالة سفر لمصلحة المدير المقيم وسبحان الله لا يمرض لا يتمتع بإجازة سنوية لا ينقل أو حتى يموت ليأتى بديله هذا مثال صارخ . أن وجود كوشيب في لاهاي سيهز الدولة السودانية ويضعها في امتحان حرج هل وكيف سيتم استدعاء من ترد أسماؤهم خلال التحقيق مع السيد كوشيب في ضوء تحذير البرهان للبعثة الأممية المتوقع وصولها بالابتعاد عن موضوعى حقوق الإنسان أو السيادة وكلاهما في ظل التطورات التي يشهدها القانون الدولي لم يعودا شأنا داخليا محضا وهل الدولة السودانية على استعداد لإقامة محاكم لمثول أولئك أمامها وماراي الضحايا حول هذه المحاكم وهل من حماية للشهود وحتى لو صدرت أحكامها فمن سينفذها خاصة بعد أن أفتى القضاء السوداني ذاته بعدم جواز سجن من تجاوز السبعين عاما كما حدث مع المعزول مؤخرا وهل ستكون هذه الأحكام مقنعة لمحكمة لاهاي لتتنازل عن اومر قبض صدرت بحق بعض المتهمين. أسئلة كثيرة وحيرى لا يملك أحد الرد عليها. ولا ننسى الحركات المسلحة فهي شئنا أم أبينا تسيطر على مساحات مقدرة من دارفور وبإمكانها الاستيلاء على مزيد منها ماذا سيكون رد فعلها هل ستستغل المحاكمات للتبشير بها أم تعمل على التحريض ضد تلك الأحكام المتوقعة وماذا سيكون موقفها إذا طالت بعض منسوبيها الاتهامات كعبد الله بنده مثلا؟ لا أحد يملك إجابة قاطعة ولا ننسى بالطبع ردود أفعال مناصري المتورطين من الحركة الإسلاموية. تأثيرات الاتهامات ستكون ثقيلة جدا عليها ولن تتردد في استخدام الأحزمة الناسفة للتهديد والإرهاب فهذا ديدنها ولكن تلك الاتهامات الموجهة لبعض أعضائها ستكون قاصمة ظهر لوجودها على الساحة مما يؤدى لعزلها.. فقد قد تركت المصحف جانبا وولغت في دماء أبرياء ومن يدرى فربما أستجاب الله لدعوات أولئك الشعث المغبرين الذين انتهكت الحركة الإسلاموية ادميتهم وقذفت بهم في مجاهل النزوح و متهات اللجوء وبقية الأسقام الاجتماعية التي لازالوا يعانون منها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..