مقالات وآراء

رحلتْ شمسٌ، فصارَ الكونُ أكْثرَ عَتْمة

خالد عبدالحميد عثمان محجوب

كيف يكون الحديث عن النسمة التي غادرتنا ذات وباء إلى الضَّفة الأخري، وبلا وداع؟ وكيف نحكي عن الغياب الّذي يتقاطع مع الحضور كأوجع ما يكون الغياب وكأبهى ما يكون الحضور، يتحجّج الناس بأنَّ الكلمات عصيّة وأنّ الحروف ليست مطواعة، وما عادت نديّة، هكذا اعتادوا فما بال من رحل نصفه أو يزيد قليلا! من أين تأتي المفردات وكيف نحشد آلاف الأحداث وملايين التفاصيل الصغيرة في مقال، من قال إنَّ هذا ممكن؟

علّمونا في الهندسة أنّ الزمن، هذا المُتحرِّك هو البعد الرابع، فكيف جاز له التَّوقُّف قُبيل مغيبَ شمس يومٍ كالح ذات منتصف مايو، ليعلن عن رحيل ابتسامة، مبذولة كما الصدقات لكلِّ من قادته تصاريف الحياة لبستان حضورها المُذهل، تبسّمت حتّى في وجه الموت-هكذا حدّثتني- عاملة المشْفى وغابت عن دنيانا في تلك الساعة شمسان في توازٍ مدهش فأمسى العالم أكثر عتمة، يا لتلك الظلمة.

ما كنت أعلم يا شريكة السنين ورفيقة العمر أنَّ الفراغ في الدنيا بهذه الكثافة ولا كنت أدري أنَّ الأشياء حقاً ليست هي ذاتها الأشياء، كنتُ أسمع عن يوم طويل، لكنّي أشعر أنّه عريضٌ أيضاً فما بها الأيام تمدّدت طولاً وعرضاً، وازدادت بؤساً! وأنا في مركز هذا الفراغ المبهم الأبعاد، اتعجّب من نيوتن وتفاحته وجاذبية مزعومة تشد الجميع للأسفل، فما لي والصغار في متاهة اللّا وزن سابحون؟
للموتِ طعم مُرٌّ، جدُّ حارق كان لهيبُ الرحيل وفي ثوانٍ بلغ النبأ الفاجعة أطراف الأرض الأربعة، فوجفت القلوب وارتجفت الأبدان وانفجرت الدموعُ أنهاراً، فاختلطت بهمهمات المُقْبِلين علي إفطار يوم صومهم ذاك في فاتحة العشْرِ الآواخر فتنزّلت السكينة ورجعوا إلي ربِّهم الحقّ واطمأنَّتِ النفوس واستيقنتْ، أنَّكِ ترحلين إلي عوالم تضج بالحبور فرحاً، تستبشر باللقيا وتسعد أيَّما سعادة بالوافدة الباهرة السجايا، لعلَّك هنالك تصافحين بالضحكة التحية، تنثرين البسمة الحليب، تُفشين السلام، وكما وردة تُجمّلين المكان.

بدأت حكايا محبّتك وغرس يديك من المودّة والبشاشة، والناس في ساعتهم تلك وهم لا يزالون في هول الرحيل، بكي من بكى، صمت حزناً من صمت، هام في وجعه من هام، حتى بعض عصافير عند شبَّاك غرفتك ما توقّفت من حينها عن معزوفة نواح، الكل كان يحبُّك علي طريقته، نحن الأقربون كنّا نحسب أنّنا وحدنا المُحِبُّوك وكان ظنّاً خالف الصواب، فهنيئاً لك – يا حبيبة- كل ذاك القبول تحدِّثك عن هذا، الأحزان الهائلة أينما نظرتِ والوسائط والصفحات الّتي توشّحت السواد والهواتف والعويل والدموع والهنهنات والمآقي الباكيات والباقيات الصالحات والأذكار والدعوات والأكفّ المُشرعات بالأسحار. فمن يزرعُ الود الرَّحيم يجني المحبَّات الَّتي تقيم، ولا يهمّ المكان ولا الزمان.

في الخواء الكبير الّلذي يحتويني أجد نفسي متأمّلاً بعض أطياف لمن (كانت مزيجاً رائعاً ما بين القطيفةِ والرُّخام) كما بلقيس نزار، وكما (كان البنفسجُ بين عينيْها ينام ولا ينام) كانت أميمة باسلة وهي تحارب الأسقام وقد نالت من ذلك نصيباً مفروضاً صابرة شاكرة وهي تعبر بابتلاءات كبرى، {الحمدُ لله} كانت ورِداً ثابتاً محبّباً إليْها وما كانت تُلقي بالاً أو تعير انتباهاً لفكرة أنَّ للعبير أعداء وللجمال الفائق حاسدون. رغم حرص البعض علي تذكيرها كيفما تيسّر وعند كلّ وعكة. صبرت علي أمراض تنوّعت منها ما يعلم الناسُّ ومنها ما لا يعلمون.
كانت مزيجاً رائعًاً ما بين الصبر والابتسام.

حملت بين جنبيها حنيناً دافقاً وأصيلًا لأصحاب الاحتياجات الخاصة، تجربتنا الشخصية مع صغيرتنا (صبا) ومن لحظة الميلاد وبلا تردّد أزهر القلب الكبير وأينع حبًا وجسارة ووعياً ويقيناً ورسالة، أميمة كانت هي القدِّيسة الَّتي عبرت بنا وبها إلي عوالم تنشر الحُبَّ بالتساوي والتساوي بِحُبٍّ بلا تمايز لمجرّد اختلاف المقدرات، كانت ربّان المرحلة بلا ريب، واضحة الهدف، واثقة الخُطى شديدة الإيمان بالحقوق المتساوية، وعبر السنين ما اهتزّت الرؤية النبيلة بل تعزّزت، وذات الابتسامة المُشرقة دوماً هناك. جمال الداخل كأوضح ما يكون من واقع تجربة إنسانية فريدة ونادرة، سقى الغيثُ مرقدَكِ يا خميلة،،
قوافل العُشَّاق القادمون يتساءلون بينهم، يطالعون سيرتك يحفظون تفاصيل الأسطورة، تبحث عنكِ صبايا المدن اللواتي كنَّ يتهامسن عن سرِّ البهاء وعن فن البساطة وكيف تكون هيّنا ليّناً وبارع الجمال وسهلاً كما الندى، بعدكِ أين يتعلَّمُون كيف تكون البسمة أصلاً بلا تكلُّف؟ وكلّ أصدقاء السنين ورفاق الطريق وحتَّى العابرين يسألون عنكِ وعنّا، ومتى وماذا وكيف؟ حيرى كلّ الأسئلة فكيف لنا أنْ (نستوعب فلسفة الموت؟) أو كما قال أبوعركي في رثاء عفاف، ولا إجابات، إنّما هي أقدار الله المسطورة وله الحمد علي ما قضى وإنْ تعدّدت أسبابها وأسماؤها. هذه المرّة أسموْها جائحة -من أيِّ قاموس- أتوا بهذه المفردة التعيسة، بل هي (جائعة) دخلتنا خِلْسة وانتقت بعناية أشهى ثمارَ حديقتِنا، ثمّ ولّت تتبعها لعنات اللاعنين إلي يوم يبعثون.

و(تتوالى في الخاطر صُور، واحتجنا نكتبْ لك حروف ونغني بنحبِّك بحر)، كشدو أزهري في رثاء إمتثال. وبيننا يا رفيقة الدروب الترابية القديمة والمرافئ والمنافي و-الحب والبحر- الكثير. مُذ أن الْتقينا قبل ألف عام وامتزجنا و(ثَبَتتْ في القلبِ منكِ مودَّةٌ• كما ثَبَتتْ في الرَّاحتين الأصابعُ) كقولِ قيس، فتواثقنا وترافقنا في رحلة الحياة وها أنتِ تسرجين خيول الرحيل باكراً، تفردين أشرعة زورقك مُنفردة نحو الضَّفة الأخرى في رحلة اللا عودة، ومثلُكِ لا يرحل إلَّا جسداً، تتركين لنا الذكريات العالقة في كل الزوايا والثنايا، فسلاماً عليكِ وإلى أنْ نلتقيك، وعداً نستمسك يا وريفة بطيفك الشفيف، نخْتزن التفاصيل الصغيرة زاداً للقادم من العمر، نُخبّئك بين المسام شوقاً وشعاعاً وقصيدة، نراكِ في خطو الصغار نحو المستقبل سنداً ومنارةً ومُلهِمة ، نتوكأ علي ذكراكِ دوماً.
وتومض بسمتك الحليب في حالك الليالي،  تضيئ الكونَ الَّذي صار أكثر عتمة، وللأبد.

خالد عبدالحميد عثمان محجوب
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..