مقالات سياسية

فقر الخيال التنموي

د. النور حمد

تحتاج التنمية إلى قادة يملكون خيالاً وقدرةً على تفجير طاقات الجماهير وحشد الجهود وخلق الموجهات والنظم الإدارية، التي تجعل الجهد الشعبي ساندًا للجهد الحكومي. لكن في سياقنا السوداني الذي تحكمه روافع أخرى للوصول للوظائف القيادية، ليس من بينها الكفاءة، يصل إلى مواقع القيادة لدينا أفرادٌ تعوزهم القدرات القيادية، ويعوزهم الخيال التنموي. وصل في عهد الإنقاذ أشخاص بغير تعليمٍ يذكر إلى مناصب وزراء، بل، ومستشارين في رئاسة الجمهورية، لمجرد أنهم حملوا البندقية ضد الدولة. والبشير نفسه الذي أرهق البلاد والعباد وأضاع منها ثلاثين عامًا عزيزة، وأفقدها ثلثها، لم تجئ به كفاءته إلى الموقع، وإنما جاء به طمع الدكتور حسن الترابي وجماعته في الحكم. قبل ذلك، وضعت الطائفية مراتٍ كثيرة أشخاصًا في مناصب لا تؤهلهم لها قدراتهم. كل ما في الأمر أنهم من الطائفة أو من العشائر الساندة للطائفة.

السودان كنزٌ نفيس من حيث الموارد. وهو أرض كوش التي تجري من تحتها الأنهار ويعمر فضاءها حفيف الأجنحة، كما وصفتها التوراة. هي بلاد الريح المرسلة الناعمة والتنوع الحيوي الذي جعلها مرتعًا خصبًا للثدييات وللزواحف والطيور. هي مؤهلة بكنوزها الظاهرة والباطنة لتصبح جنة الله في أرضه. لكنها ابتُليت بسياسيين كَزِّي النفوس فقيري الخيال.

دُهشنا عندما كنا طلابًا في كلية الفنون الجميلة في رحلاتنا التعليمية السنوية لأقاليم البلاد حين رأينا قيسان في جنوب النيل الأزرق، وأشجار المنقة النابتة في الشوارع. كما زرنا جبال النوبة، وجبل مرة، ورأينا كم هي خصبة هذه البلاد، وكم هي متنوعةٌ، وجميلةٌ، جمالا يبلغ حد السحر. من يتأمل هذه البلاد وإمكاناتها، لا يجد سببا واحدًا لكي يجوع أهلها، سوى فقر الخيال وضعف القدرات وانحراف الفكر، والانشغال بـ “الفارغة والمقدودة”، وسط سياسييها. ماذا كان سيكلف سلطات الأراضي وإدارات المحليات لو أنها فرضت، بالقانون، على كل صاحب منزل زراعة أشجار مثمرة أمام منزله أو داخله، كجزء من شروط منح الأرض؟ وهل من الصعب، تطبيق ذلك على كل صاحب منزل في كل قرية؟

يؤكد العراك السياسي الدائر الآن، أن سياسيينا لا يزالون يرزحون تحت وطأة أمراضهم القديمة. أورد موقع بي بي سي الإخباري قبل سبعة أشهر تقريبا أن إثيوبيا زرعت أربعة بلايين شجرة، (بلايين وليست ملايين). وقد تحققت بي بي سي من إنجاز هذا الوعد في موعده. وذكرت أن السياسيين في مختلف أرجاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، قد آلوا على أنفسهم أن يحذوا حذو إثيوبيا، في برامجهم الانتخابية. فقد وعدوا بالقيام بجهود لإعادة الغطاء الغابي الذي تضرر بالزراعة وبتأثيرات التغير المناخي. لقد استطاع أبي أحمد أن يستنهض همم الإثيوبيين في كافة أرجاء إثيوبيا لينجزوا هذه المهمة الضخمة، فاشترك الجميع، بما فيهم الأطفال. ثم انصرف الإثيوبيون، بعد ذلك، إلى رعاية هذه العدد المهول من الشتول.

المورد البشري موجودٌ في كل بلد، لكنه يصبح موردًا خاملاً، بل وأحيانًا معوِّقًا، عندما لا يجد القادة الذين يعرفون كيف يفجرون طاقاته ويضعونه على درب النهضة. أسعدني جدًا ما قدمه رئيس الوزراء حمدوك في لقائه الأخير من تقسيم لنطاقات الجغرافيا السودانية، وكيفية استثمارها. وقد أشاد بذلك الشرح عدد من الكتاب المرموقين. فالرجل، فيما هو واضح، من طينة أبي أحمد، فهلا تركتموه يعمل أيها المخربون؟

د. النور حمد
صحيفة التيار 14 يونيو 2020

‫2 تعليقات

    1. ياخي خليك عملي شوية الموية الي بيتوضا بيها ولا حقت الحمام كفاية . كمان باقي الموية الي بيخليها لمن يشرب من الزير .شجرة واحدة بالابريق ممكن تنبت الشجرة حتي في أشجار ما محتاجة موية كثير..زي الرمان مثلا..

زر الذهاب إلى الأعلى