أهم الأخبار والمقالات

حول قراري مجلس الأمن الدولي رقم 2524 و2525 عن السودان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

1

تبنّى مجلس الأمن الدولي يوم الأربعاء 3 يونيو عام 2020 بالإجماع قرارين هامين بشأن الوضع في السودان. اشتمل القرار الأول رقم 2524 على إنشاء بعثة فنية للأمم المتحدة لمساعدة السودان خلال الفترة الانتقالية. أما القرار الثاني رقم 2525 فقد تمّ بموجبه تمديد مهام بعثة “يوناميد” حتى 31 ديسمبر عام 2020، على أن يبدأ العمل في تخفيضٍ تدريجيٍّ للبعثة بعد ذلك، مع إمكانية خروجها النهائي بطريقةٍ سلسةٍ ومسئولة.

الغرض من هذا المقال هو تقديم عرضٍ موجزٍ لكلٍ من القرارين، وتوضيح الفروقات بينهما والتكاملات حولهما، للمساهمة في الحوار الدائر حالياً في الصحف الورقية والالكترونية حول الطلب الذي قدّمه السيد رئيس الوزراء، الدكتور عبد الله حمدوك، لرئيس مجلس الأمن الدولي في 21 مايو عام 2020، والإجابة على السؤال عن المدى الذي يتوافق فيه القراران مع طلب السيد رئيس الوزراء، ومع سيادة السودان.

2

لا بد في البداية من توضيح السبب الذي جعل مجلس الأمن الدولي يصدر قرارين متعاقبين (2524 ثم 2525) في نفس اليوم، بل ونفس الجلسة، وفي مسائل تخصّ دولةً واحدة، بدلاً من إصدار قرارٍ واحد يشمل كل فقرات وبنود القرارين.

السبب أن القرار 2525 صدر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وعنوان هذا الفصل “فيما يُتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان.” وهذا الفصل، كما سنناقش لاحقاً، يعطي مجلس الأمن الحق في استخدام القوة العسكرية لتنفيذ بنود القرار، لذا يُشار إليه بفصل العقوبات. 

وهذا لا ينطبق على القرار 2524، والذي يتضمن فقط تقديم مساعدة فنية في عدّة مجالات – سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية وقضايا التفاوض من أجل السلام – كما طلبت رسالة السيد رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك (والتي سنناقش مضمونها لاحقاً في هذا المقال). ولم تتم الإشارة في القرار 2524 إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على الإطلاق، كما سنناقش أدناه.

3

أشارت الفقرة الأولى من القرار 2524 إلى أن الغرض من القرار هو “إنشاء بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية (يونيتامس).”

United Nations Integrated Transition Assistance Mission in Sudan (UNITAMS)

ونشير إليها في هذا المقال بـ “البعثة المتكاملة.” ويوضح القرار أن البعثة المتكاملة ستكون لفترة أوليّة مدتها 12 شهر تبدأ من تاريخ صدور القرار (3 يونيو عام 2020). كما يوضح القرار أن تكون للبعثة المتكاملة – بوصفها جزءاً من من هيكلٍ متكاملٍ وموحّدٍ للأمم المتحدة، وبما يتفق تماماً مع مبادئ تولي القوى الوطنية زمام الأمور – الأهداف الاستراتيجية التالية:

4

أولاً: المساعدة في عملية الانتقال السياسي والتقدّم نحو الحكم الديمقراطي وحماية حقوق الإنسان وتعزيزها والسلام المستدام: 

يفصّل القرار وسائل المساعدة في عملية الانتقال السودانية لتشمل المساعي الحميدة، بما في ذلك الجهود الوطنية الرامية إلى تحقيق أهداف الوثيقة الدستورية (أغسطس 2019)، وتقديم المساعدة التقنية في عملية صياغة الدستور وتعداد السكان والأعمال التحضيرية للانتخابات دعماً للجهود الوطنية. وتشمل المساعدة أيضاً دعم تنفيذ أحكام الوثيقة الدستورية المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة والمساءلة وسيادة القانون، شاملةً تلك التي تتعلق بحقوق المرأة واتفاقية السلام المقبلة، بوسائل منها التعاون الوثيق مع مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان.

5

ثانياً: دعم عملية السلام وتنفيذ اتفاقية السلام المقبلة: 

يفصّل القرار وسائل المساعدة لتشمل بذل المساعي الحميدة ودعم مفاوضات السلام بمشاركة المجتمع المدني والمشردين داخلياً وخارجياً وأفراد الفئات المهمّشة. كما تشمل دعم جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، بما في ذلك إدارة الأسلحة والذخائر، ورصد ترتيبات وقف إطلاق النار والتحقّق منها مع التركيز بوجهٍ خاص على دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان (المنطقتين).

6

ثالثاُ: المساعدة في بناء السلام وحماية المدنيين وبسط سيادة القانون وخاصةً في دارفور والمنطقتين: 

يفصّل القرار وسائل المساعدة لتشمل دعم جهود السلام وتحقيق المصالحة والحدّ من العنف المجتمعي وإيجاد حلول دائمة للمشردين داخلياً وخارجياً. كما تشمل توفير المساعدة والمشورة والدعم لقدرة حكومة السودان على بسط وجود الدولة والحوكمة المدنية الشاملة من خلال تعزيز مؤسسات سيادة بناء القانون وقطاع الأمن الخاضع للمساءلة والقانون. وتشمل أيضاً توفير المساعدة والمشورة والدعم لحكومة السودان في تهيئة بيئة آمنة ومستقرة يمكن في إطارها تنفيذ أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه في المستقبل وتيسير الوساطة المحلية في الأزمات وآليات الإنذار المبكر واستراتيجيات التواصل مع السكان المتضررين وتوعيتهم، ودعم النهوض بحماية حقوق الإنسان من خلال رصد انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين الدولي، والإبلاغ عنها.

7

رابعاً: دعم تعبئة المساعدة الاقتصادية والإنمائية وتنسيق المساعدة الإنسانية: 

يفصّل القرار وسائل المساعدة لتشمل التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لدعم تعبئة المساعدة الاقتصادية والإنمائية الدولية. وتشمل كذلك دعم وتيسير إيصال المساعدات الإنسانية بشكلٍ عاجلٍ وكاملٍ، ودون عوائق، مع كفالة التعاون الفعال والمتكامل مع وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها وتعزيز التعاون مع الشركاء المعنيين، بما في ذلك المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة.

8

ويطلب القرار من الأمين العام للأمم المتحدة أن يعيّن على وجه السرعة ممثلاً خاصاً للأمين العام للسودان ورئيساً للبعثة المتكاملة يتولى السلطة العامة على جميع أنشطة البعثة المتكاملة ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها في السودان، ويوفر التوجيه الاستراتيجي لتلك الأنشطة، ويقوم بدورٍ في مجال بذل المساعي الحميدة والمشورة والدعوة على الصعيد السياسي. ويتولى الممثل الخاص تنسيق الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي دعماً للأهداف الاستراتيجية لولاية البعثة المتكاملة. 

ويوجّه القرار الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين نائب للمثل الخاص لدعم الممثل الخاص للأمين العام للاضطلاع بمهام المنسق المقيم ومنسق الشئون الإنسانية للأمم المتحدة. 

9

كما يطلب القرار من الأمين العام للأمم المتحدة أن يشرع على وجه السرعة في التخطيط للبعثة المتكاملة وفي إنشائها لتمكينها من بلوغ كامل قدرتها التشغيلية في أسرع وقتٍ ممكن، ولكفالة تمكين البعثة من البدء في إنجاز جميع أهدافها الاستراتيجية في موعدٍ لا يتجاوز الفاتح من يناير عام 2021. ويوجّه القرار الأمين العام أن يقدم إلى مجلس الأمن للعلم الهيكل المقترح للبعثة ونشرها الجغرافي في السودان في غضون 60 يوما من اتخاذ هذا القرار.

ويطلب القرار من الأمين العام  للأمم المتحدة أن يقوم بالشراكة مع الجهات الفاعلة ذات الصلة، بما في ذلك المؤسسات المالية الدولية، بدعم حكومة السودان في إجراء تقييمٍ شامل لتحديد احتياجات السودان على المدى الطويل في مجالات منع نشوب النزاعات والتعافي وبناء السلام، وفي وضع استراتيجيات مناسبة لتلبية هذه الاحتياجات.

10

ويوجّه القرار كذلك البعثة المتكاملة وشركاءها في فريق الأمم المتحدة بإنشاء آلية مناسبة للدعم المشترك والتنسيق لبناء السلام استناداً إلى الدروس المستفادة من مهام الاتصالات المنشأة بموجب ولاية العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد)، وكفالة امتثال أي دعم يقدم إلى قوات أمنية غير تابعة للأمم المتحدة امتثالاً صارماً لسياسة بذل العناية الواجبة في مراعاة حقوق الإنسان فيما يتعلّق بدعم الأمم المتحدة لقوات الأمن غير التابعة لها.

11

ويشير القرار رقم 2524  إلى قرار مجلس الأمن رقم 1591 (لعام 2005) والذي أنشأ فريقــا للخبراء يتألف من أربعـة أعضـاء يتخـذ مـن أديـس أبابـا، بإثيوبيـا، مقـراً لـه، ويسـافر بانتظـام إلى الفاشـر بالسـودان ومواقـع أخـرى بالسـودان، ويعمـل بتوجيه من اللجنة المكونة من أعضاء مجلس الأمن. ومهمة فريق الخبراء تحديد الأشخاص الذين يعرقلون عملية السلام أو يشـكلون تهديـدا للاسـتقرار في دارفـور والمنطقـتين، أو يرتكبـون انتـهاكات للقـانون الإنسـاني الـدولي أو قـانون حقـوق الإنسـان أو غـير ذلك من الأعمال الوحشية، أو ينتهكون التدابــير الـتي تنفـذها الـدول الأعضـاء بموجب قرارات مجلس الأمن. ويطلب القرار 2524 من البعثة المتكاملة أن تتعاون مع فريق الخبراء المشكّل بموجب قرار مجلس الأمن 1591 (لعام 2005) بغية تيسير عمل الفريق لتقديم توصياته لمجلس الأمن فيما يتعلق بالعقوبات على هؤلاء الأشخاص.

12

ويوجّه القرار في فقرته الأخيرة الأمين العام للامم المتحدة أن يقدم إلى مجلس الأمن تقريراً كل 90 يوماً عن تنفيذ ولاية البعثة المتكاملة، وأن يوافيه في تقرير ال 90 يوماً الأولى بمعايير ومؤشرات أساسية وظرفية واضحة وقابلة للقياس لتتبّع التقدم الذي تحرزه البعثة المتكاملة قياساً على أهدافها الاستراتيجية، وللتمكين من التخطيط المبكر لإعادة تشكيل وجود الأمم المتحدة في السودان مستقبلاً.

13

كما ذكرنا أعلاه، فقد صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2525 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وعنوانه “فيما يُتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان.” وقد أوضجنا أن هذا الفصل من ميثاق الأمم المتحدة يسمى “فصل العقوبات.” وبموجب المادة 39 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة فإن مجلس الأمن يقرر ما إذا كان قد وقع تهديدٌ للسلم أو إخلالٌ به، أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه. 

وتنص المادة 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على أن لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير. ويجوز أن يكون من بين هذه التدابير وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً، وقطع العلاقات الدبلوماسية. 

غير أن المادة 42 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تجيز استخدام القوة، توضح أنه إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض، أو ثبت أنها لم تفِ به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال العرض والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة.

14

تشير ديباجة القرار 2525 إلى أن الحالة في دارفور تشكّل خطراً يهدد السلام والأمن الدوليين وتوضح أن مجلس الأمن يتصرّف بمقتضى ذلك القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وتشير الفقرة الأولى من القرار 2525 أن مجلس الأمن قد قرر تمديد ولاية العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة (والمعروفة بـ “يوناميد”) في دارفور حتى 31 ديسمبر 2020، وقرر كذلك أن تحافط العملية المختلطة على الحد الأقصى الحالي للقوات والشرطة خلال هذه الفترة. وتقدر القوات بقرابة العشرين ألف، والشرطة بقرابة الخمسة ألف.

وتعرف العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة باسم “يوناميد”:

UNAMID: United Nations – African Union Mission in Darfur

15

وتوضح الفقرة الثانية من القرار 2525 إلى اعتزام المجلس أن يقرر بحلول 31 ديسمبر 2020، مسارات العمل المتعلقة بالتخفيض التدريجي للعملية المختلطة وخروجها بطريقةٍ مسئولة وسلسة، آخذاً في الاعتبار نتائج تقرير الأمين العام ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي. 

وتشير الفقرة 11 من القرار 2525 إلى طلب مجلس الأمن إلى الأمين العام ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أن يقدما إلى مجلس الأمن تقريراً خاصاً في موعد لا يتجاوز 31 أكتوبر 2020، يتضمن تقييماً للحالة على أرض الواقع، بما في ذلك تأثير عملية السلام على الحالة الأمنية في دارفور، وقدرة حكومة السودان، بما في ذلك قوة الشرطة السودانية، على حماية المدنيين وفقاً للاستراتيجية المبيّنة في رسالة حكومة السودان الموجّهة إلى رئيس مجلس الأمن المؤرّخة 21 مايو 2020، والتوصيات بشأن مسار العمل المناسب فيما يتعلق بالخفض التدريجي للعملية المختلطة.

16

عليه فقد قرر مجلس الأمن بموجب قراره رقم 2525 الإبقاء على بعثة يوناميد المختلطة حتى 31 ديسمبر عام 2020، على أت ينبني مسارات تخفيض البعثة التدريجي للعملية المختلطة وإمكانية خروجها بطريقةٍ مسئولة وسلسة، آخذاً في الاعتبار نتائج تقرير الأمين العام ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.

17

كانت رسالة السيد رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك إلى رئيس مجلس الأمن بتاريخ 21 مايو 2020 قد اوضحت بالتفصيل خطة السودان الوطنية لحماية المدنيين بعد خروج العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد). وقد أوضحت الرسالة أن الخطة تعكس الإرادة السياسية والالتزام الصارم بالتنفيذ على مستوى القيادة والكفاءة والمقدرة الميدانية لجميع أجهزة الدولة، وتستوفي الخطة كافة المعايير الدولية لحماية المدنيين. 

وأوضحت الرسالة المرجعيات الأساسية للخطة السودانية (بدءاً بالوثيقة الدستورية، وشاملةً الاتفاقيات والمعايير الدولية). كما أوضحت الرسالة درجات وأنماط الحماية للمدنيين وفقاً لهذه المرجعيات، وكذلك خطة الحكومة السودانية لمعالجة قضايا النازحين واللاجئين، وأسس ومعايير حكم القانون وحقوق الإنسان، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج. شملت الرسالة أيضاً خطط لمكافحة العنف ضد المرأة والطفل ومحور العمل الإنساني، وتعزيز آليات تجنّب وفض النزاعات، ومعالجة قضايا الرُحّل والمشردين داخلياً وخارجياً، وإعادة الإعمار والتنمية والخدمات الأساسية.

18

عليه فيمكن القول، وبصوتٍ عالٍ، أن رسالة السيد رئيس الوزراء قد حقّقت أغراضها، وبجدارة. 

فقد بدأت ملامح انتهاء بعثة اليوناميد في البروز بتضمين الإشارة في قرار مجلس الأمن رقم 2525 إلى التخفيض التدريجي لبعثة يوناميد التي يتجاوز عدد افرادها الخمسة والعشرين ألف فرد مع نهاية هذا العام، مع إمكانية خروجها النهائي بطريقةٍ سلسة ومسئولة.

ومع بداية تخفيض البعثة وبداية خروجها سينتهي تهديد مجلس الأمن بالتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا التهديد الذي ظل سيفاً مسلّطاً على رقبة السودان وسيادته منذ اندلاع النزاع المسلّح في دارفور في عام 2003. 

وكان مجلس الأمن الدولي قد بدأ في تسليط سيف العقوبات على السودان بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بإصداره القرار رقم 1591 في 29 مارس عام 2005. وتواصل إصدار القرارات الخاصة بالسودان بمقتضى الفصل السابع منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

وقد كان طلب السيد رئيس الوزراء للعون الفني بديلاً لبعثة يوناميد طلباً في غاية من الذكاء السياسي والكياسة الدبلوماسية. 

فالبعثة المتكاملة التي أنشأها قرار مجلس الأمن رقم 2524 بناءً على طلب رئيس الوزراء يمكن أن تصبح، مع تحقيق السلام، البديل لبعثة اليوناميد في نظر مجلس الأمن والأسرة الدولية. 

من الجانب الآخر فإن البعثة المتكاملة سوف تساعد كثيراً في التحوّل الديمقراطي والسلام والمدنية، وسوف تساهم في كشف ووقف العراقيل في وجه هذا التحوّل والتي تقودها عدّة جماعات داخل السودان ومن دول الجوار. وهذا في حد ذاته سيمثّل عوناً ونصراً كبير للسيد رئيس الوزراء ولجكومته الانتقالية المحاصرة بأعداء الداخل والخارج. 

19

على الذين انتقدوا رسالة السيد رئيس الوزراء لأنها في نظرهم تقلّل من (أو تنسف كما ذكر البعض) سيادة السودان أن يتذكّروا أن الرسالة يمكن أن تطوي صفحة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي أدخلته حكومة الإنقاذ في السودان منذ عام 2005 – هذا الفصل الذي وضع السيف فوق عنق تلك السيادة نفسها وفتح الباب للتدخل العسكري الشامل في السودان بواسطة مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ.

فمجلس الأمن كان سيمدّد لعامٍ آخر لبعثة اليوناميد، ثم يواصل ذلك التمديد بعد نهاية ذلك العام، ويواصل فرض الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة كما ظل يفعل منذ عام 2005. لكن رسالة السيد رئيس الوزراء قامت بتغيير هذا الوضع لأنها أعطت مجلس الأمن ما وجد أنه البديل المناسب لبعثة الفصل السابع.  

20

يبقى السؤال إذا كان السودان – حكومةً وأحزاباً وجيشاً وتجمعاتٍ مهنية وحركاتٍ مسلحة ولجان مقاومة – سوف يقوم بدوره في اكمال عملية الوصول للسلام، ويعكس تأثيرات عملية السلام إيجابياً على الحالة الأمنية في دارفور والمنطقتين، ويبرهن قدرة حكومة وشعب السودان على حماية المدنيين في هذه المناطق، واسترداد حقوقهم الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقاً للاستراتيجية المضمّنة في رسالة رئيس الوزراء المؤرخة 21 مايو 2020 إلى رئيس مجلس الأمن.

21

بمعنى آخر: هل سنقوم نحن أبناء وبنات السودان بدورنا المطلوب لإنهاء بعثة يوناميد وإغلاق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في السودان وغمد سيفه المسلّط على سيادتنا، بالوصول إلى السلام العادل والمستدام في دارفور والمنطقتين، وتحقيق أحد وأهم مطالب ثورة ديسمبر المجيدة بإعادة سيادتنا ومدنيتنا ووحدتنا الوطنية كاملةً على كل شبرٍ من أراضنا؟

الإجابة بأيدينا نحن وليست بيد مجلس الأمن وفصله السابع. 

د. سلمان محمد أحمد سلمان
[email protected]
www.salmanmasalman.org
 

‫6 تعليقات

    1. شكلك ما فاهم حاجة
      اولا يومامد ثوف تقيم في نهاية هذة السنه وربما (حسب التقييم) تمتد او تفطع مهمتها.
      ثانيا لو بحثت فيما دار في كواليس مجلس الامن لعرفت ان القوة الافريقة ستستبدل بقوة اممية ضاربة تحل محلها تحت الفصل السابع..يعني اسم جديد “ينيتامس’ وخلع الاتحاد الافريقي الفاشل. تفتكر امريكيا وبريطانيا وفرنسا سيتخلون عن الفصل السابع في دارفور الذي خلع خلعا وابرمت حوله الصفقات وخصوصا في ظل عدم الاستقرار الواضح ما سمعت عن احداث جبل مرة قبل اسبوعين؟
      ثالثا واضح للكل ان البرهان سوف يعرقل عمل البعثتين ذي البشير ولذا مجلس الامن لعبها صح الابقاء علي قوتين واحدة سياسية والثانية عسكرية.
      شكلك معرص بس

  1. د.سلمان التحية لك
    تشكر على هذا التنوير حول هذا الموضوع المهم
    لو تكرمت اود ان اشير الى بعض النقاط لعلك تلقى عليها بعض الضوء

    بالنسبة لقرار إنشاء البعثة 2425 لاحظت انه لم يشر الى الفصل السادس …عوضا عن ذلك فصل مهام البعثة بدون الاشارة الى الفصل الذى بنيت عليه، بينما فصل السيد رئيس الوزراء ذلك بوضوح. مالذى جعل مجلس الامن يتجاهل الاشارة هذا الامر. ثم ربط البعثة الجديدة وتحويل تفويض اليوناميد اليها حالة التمديد لها ماذا يعنى ذلك….؟؟؟. لدى اعتقاد بان مسألة الفصل السادس او السابع هى مسألة مرنة وليست بهذه الصلابة. صحيح كانت كذلك بالنسبة للنظام السابق… ولكنه الان تعتمد على الظروف على الارض بأكثر من رغباتنا.

    لكنى د.سلمان أرى ان التدخل السياسي فى الشأن السودانى أبعد أثرا من التدخل العسكرى، لان التدخل السياسى معنى باختيارات الشعب فى قضاياه الثقافية والاجتماعية …الخ، وهى التى عليها أكثر اختلافاتنا كسودانيين، فهل ستعمل البعثة الجديدة دور الحكم ام دور تغليب خيارات بعينها تتبناها فصائل من النخب السياسية السودانية؟؟؟؟

    الخطاب الاول الذى ارسله السيد رئيس الوزراء والذى خضع لتعديل لاحق يبدو ان مجلس الامن لم يأبه الى التعديلات التى ادخلتها الحكومة السودانية عليه بعد ذلك… ولذلك بدت البعثة الحالية محل جدل كبير بين النخب، بين من يرى ان الامم المتحدة من الممكن ان تقدم دعما كبيرا للحكومة السودانية فى القضايا اللوجستية وفى رفع الكفاءات وفى دعم مفاوضات السلام ومن بعد مطلوبات العملية السلمية من عودة لاجئين ونازحين وتسريح ودمج…الخ من المهام التى تقوم بها عادة الاسرة الدولية….هذا بدون الحاجة الى بعثة سياسية تتجاوز صلاحياتها هذه الحدود الفنية المعهودة الى التدخل فى خيارات السودانيين التى هى محل تنوع وتعدد…

    لم تعر هذه البعثة فى تفويضها كثير اهتمام بانشغالات السودان الجدية فى القضية الاقتصادية…واشارت فى تفويضها الى المساهمة فى اقامة مؤتمر المانحين وتقديم معونات اقتصادية وحسب…ولكن القضايا الكبرى مثل العقوبات الامريكية على السودان وادراجه فى قائمة الدول الراعية للارهاب والتى هى من شاكلة المسائل التى تقعد بالسودان من النهوض باقتصاده هذه لم تجد حظها فى ثنايا القرار او فى ديباجته او فى اى من الوثائق التى اطلعت عليها.

    وافر الشكر والتقدير

  2. عادة قرارات مجلس الامن لا تشير الى الفصل الذي تقع فيه ألا الفصل السابع وهو فصل العقوبات او القوة المسلحة.

    وبالتالي لا داعي لذكر الفصل الاول او الثاني او الثالث طالما ان القرار لا يقع في مسألة القرارات.

    نحن ما نبقى زي اليهود كلما جاءهم قرار بما لا تهوى انفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون .. الاخ الدكتور سليمان في نهاية المقال ذكر بصورة واضحة وجلية وذكية ان امر تدخل الامم المتحدة من عدمه يتوقف علينا نحن السودانيين

    1. إنت بترد نيابة عن كاتب المقال الذي لم يأت بجديد! حتى العسكر فهموا الفصل السادس هو للمساعدة في تقوية مؤسسات الدولة لاستيعاب وحل مشاكل الحكم خلال الفترة الانتقالية عن طريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو اللجوء إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يتم اختيارها وهذا معنى قول الكاتب بأن الأمر يعتمد علينا – وليس في هذا أي تلميح ذكي ولا يحزنون!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..