أخبار مختارة

قراءة وتحليل لمحفظة السلع الإستراتيجية (1)

الهادي هباني

وجدت المحفظة التمويلية التجارية أو ما أطلق عليه (محفظة السلع الاستراتيجية) اهتماما ورواجا كبيرا منذ الإعلان عنها الأسبوع الماضي من كافة الأجهزة الإعلامية وأيضا في كافة وسائط التواصل الاجتماعي. وبرغم الاختلاف حول جدواها على نطاق ضيق جدا في الأوساط الاقتصادية والمالية الملمة لحد ما بأهدافها وآلياتها، إلا أن الغالبية العظمي إما آثرت الصمت لعدم إلمامها بحقيقة أهدافها وبآليات المحافظ الاستثمارية عموما، أو عبَّرت عن عدم إلمامها واستيعابها للمحفظة بأشكال وتعليقات مختلفة ولكنها معبرة جدا. فما هي تلك المحفظة؟ وما هي أهدافها وآلياتها؟ ومن المستفيد منها؟ وهل ستؤدي فعلا لتوفير السلع الرئيسية كالقمح والبترول للمواطنين وتُحدث استقرارا في أسعارها؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه في هذا المقال. 

أولا: وقبل الخوض في تفنيد المحفظة يجب أن يتفق الجميع على أن توفير السلع الاستراتيجية الرئيسية ذات الطابع القومي التي تمس حياة المواطنين اليومية كالقمح والبترول ومشتقاته والأدوية ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي وغيرها، هي من مهام الدولة في المقام الأول فيما عدا استيراد مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي حيث يسمح فيها للقطاع الخاص والتعاوني الاستيراد المباشر من موارده الخاصة بآليات وضوابط تنظمها الدولة. ويحدث ذلك حتى في أعتي وأكبر البلدان الرأسمالية التي تعتبر سياسة حرية الأسواق منهجا وفلسفة لها برقم التفاوت النسبي في مستوي تدخل الدولة في الأسواق وخاصة أسواق السلع الاستراتيجية. أما التصدير لسلع مثل الذهب والصمغ العربي والحبوب الزيتية وغيرها من مثيلاتها من السلع النقدية التي توفر عملات صعبة تدعم الاحتياطيات النقدية للدولة من النقد الأجنبي تتولي تصديرها الدولة عن طريق شركات مملوكة للدولة بالكامل كشركة الصمغ العربي وشركة الحبوب الزيتية …إلخ كما كان يحدث سابقا في السودان قبل نظام الإنقاذ. أما باقي السلع فتترك للقطاع الخاص وفقا للضوابط والأولويات والآليات التي تضعها الوزارات المختصة في الدولة. 

ثانيا: لا تقتصر المحفظة فقط على السلع الاستراتيجية المذكورة بل مقررا لها أن تبدأ بهذه السلع الإستراتيجية ذات الأهمية القومية في الوقت الراهن كاستيراد القمح والبترول وتصدير الذهب والسمسم والصمغ العربي ومرشحة لتضم سلع ذات طابع استراتيجي وقومي في المستقبل بحسب ما يقرره مجلس إدارة المحفظة. وبالتالي فإن فكرة المحفظة تسعي بشكل أساسي لا لبس فيه إلي:

  1.  ترك الاستيراد والتصدير بالكامل للقطاع الخاص ضمن شروط المحفظة المقترحة.
  2. استغلال وتوظيف مدخرات العملاء وودائعهم الموجودة في البنوك. وأيضا ضماناتهم الاجتماعية ممثلة في (الصندوق القومي للضمان الاجتماعي الذي هو جزء من الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي والصندوق القومي للمعاشات وفقا لقانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية لسنة 2016م والمنوط به تأمين حياة المواطنين في الخدمة المدنية بعد الوصول لسن المعاش والذب للأسف حتي الآن لم تطاله يد لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة) كأدوات نقدية في يد القطاع الخاص حيث تتكون مصادر رأسمال المحفظة من مساهمة الصندوق القومي للضمان الاجتماعي، والبنوك التي تتم مساهمتها بالطبع من ودائع العملاء بالذات الودائع تحت الطلب التي تحصل عليها شبه مجانا من العملاء، صم تأتي مساهمة الشركات ورجال الأعمال، ومنتجي ومصدري الذهب علما بأن الشركات ورجال الأعمال المؤهلين للمساهمة في مثل هذه المحافظ هم رجال الأعمال وشركات الرأسمالية الطفيلية والشركات الرمادية المملوكة للقطاعات العسكرية المختلفة باعتبار أن تجربة الثلاثين عاما الماضية قد دمرت مقدرات الرأسمالية الوطنية وجعلتها عاجزة تماما عن لعب دورها الطبيعي في الاقتصاد الوطني حتي الآن علي الأقل. كما أن منتجي ومصدري الذهب الذين يستطيعون المساهمة في مثل هذه المحافظ هم المتنفذين في النظام المخلوع والذين حصلوا على امتيازات غير محدودة في تعدين الذهب سواء لوحدهم أو بموجب تحالفات مع شركات أجنبية متخصصة. وفي نفس الوقت فإن موارد الصندوق القومي للضمان الاجتماعي وودائع العملاء الموجودة في المصارف والتي يتم توظيفها في هذه المحفظة ستكون متاحة للشركات ورجال الأعمال وأصحاب امتيازات وإنتاج الذهب لاستخدامها في عمليات التصدير والاستيراد الخاصة بهم ولتحقيق أرباح لهم لوحدهم دون غيرهم.

ثالثا: تقوم المحفظة على الافتراضات التالية:

  1. تفترض المحفظة موارد بالعملة الأجنبية في حدود 400 مليون دولار مخصصة للاستيراد بموجب تسهيلات من موردين خارجيين. بالإضافة إلى 100 مليار جنيه تخصص في شراء ذهب وغيرها من سلع المحفظة النقدية من السوق المحلي بغرض تصديرها عن طريق عملاء المصارف المؤهلة التي تشتملها المحفظة من ذوي الخبرة والمقدرة علي الوفاء بالتزامات البنوك الخارجية التي لها علاقة بعملية التصدير كبنوك إخطار للاعتمادات أو بنوك مُعَزِزَة لتلك الاعتمادات المستندية أو بنوك يتم تداول مستندات تلك الاعتمادات علي طاولاتها في الخارج. وفي نفس الوقت إعادة تدوير حصيلة الصادرات تلك من أجل دعم وتنفيذ عمليات الصادر عبر البنوك المؤهلة التي تشتملها المحفظة. علما بأن مصطلح (عملاء المصارف المؤهلة) الذي ورد في المحفظة يعني بكل بساطة تُجَار المؤتمر الوطني ورجال الأعمال الذين انتفعوا من النظام البائد وراكموا ثرواتهم خلال فترة الإنقاذ واستفادوا من الامتيازات التي منحتهم لهم البنوك خلال نفس الفترة والذين لا يزالون يتحكمون في التجارة العامة والصناعة والتعدين والعطاءات والتوريدات الحكومية وتجارة العملة، مضافا إليهم بالتأكيد الشركات الرمادية المملوكة لأجهزة النظام البائد العسكرية. وكل هذه القطاعات لم يتم تفكيكها حتى الآن ولا زالت كما كانت في العهد البائد تحرك وتهيمن على مفاصل الاقتصاد حتى اليوم وتؤثر بشكل مباشر وقوي جدا في كل القرارات والسياسات التي تتخذها القطاعات المالية والاقتصادية للحكومة ممثلة في وزارة المالية وبنك السودان المركزي ووزارة الصناعة والتجارة وغيرها من الوزارات كوزارة التعدين التي ظهر وزيرها في الإعلان الصحفي للمحفظة.
  2. تقوم المحفظة على افتراضين آخرين لا يسندهما منطق أو حقائق مؤكدة على أرض الواقع يتلخصان فيما يلي:
  • الاحتفاظ بكل موارد المحفظة من النقد الأجنبي البالغة 400 مليون دولار لدي بنوك مراسلين بالخارج كضمان للحصول على تسهيلات ائتمانية من تلك البنوك دون أن تبين هل هذه المبالغ سيتم إيداعها لدي مراسلين للبنك المركزي أم للبنوك التجارية المؤهلة التي تضمها المحفظة. فمن الواضح أنه قد تم وضع هذا الافتراض على حقيقة أن سمعة البنوك السودانية في الخارج خلال الثلاثين عاما الماضية أصبحت سمعة سيئة جدا وهي مصنفة تصنيف رديء بحسب التجارب السابقة التي فشلت فيها معظمها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المراسلين. بل وبعضها لا يزال متعثر وغير قادر علي الوفاء بالتزاماته تلك للمراسلين. وبالتالي تصبح عملية الحصول على بنوك مراسلين يقبلون التعامل مع البنوك السودانية مسألة صعبة جدا جدا وفي غاية التعقيد وتحتاج إلى زمن طويل بالذات البنوك السودانية 100% فما بالك إذا افترضت المحفظة بأنها ستحصل من تلك البنوك الأجنبية على تسهيلات ائتمانية دوارة (Revolving Credit Limits) بقيمة 800 مليون دولار مقابل ودائع بقيمة 400 مليون دولار. اللهم إلا إذا تداخلت عوامل ومصالح سياسية غير معلومة خلف الكواليس مع بعض الدوائر في بعض البلدان المجاورة لتوفير مثل هذه التسهيلات (عن طريق بعض البنوك الأجنبية والمشتركة العاملة بالسودان) والتي سيكون لديها حتما ثمن باهظ على مستوي السيادة الوطنية ودعم قوي الثورة المضادة.
  • كل عمليات الاستيراد التي تعتمدها المحفظة تقوم على افتراض أن الموردين الخارجيين لسلع المحفظة (وهي سلع استراتيجية) سيقبلون السداد لهم بموجب اعتمادات مستندية آجلة (Deferred LCs) (بمعني سداد آجل) خاصة وأن السلع التي تتحدث عنها المحفظة سلع استراتيجية ونقدية من الصعب الحصول عليها بنظام السداد الآجل كالبترول ومشتقاته والقمح وغيره. وحتى إذا افترضنا أن المحفظة ستقوم بشراء البترول والقمح على سبيل المثال بعقود البيع الآجلة المتداولة في البورصات العالمية أو الإقليمية فإن هذه العقود معرضة لمخاطر تقلبات أسعار النفط والقمح على المدي القصير مع انعدام أية أدوات مالية لدي البنوك السودانية (باعتبارها بنوك إسلامية) للتحوط على المخاطر الناجمة عن تقلبات عقود البيع الآجل. ولا تقتصر المخاطر هنا على تقلبات أسعار البترول فقط بل تتعداها لتقلبات سعر الصرف أو أسعار الدولار (أو عملة الاعتماد) في الأسواق العالمية. ففي الاعتمادات المستندية الآجلة يتعرض البنك المُصدِر للاعتماد لمخاطر تقلبات سعر عملة الاعتماد خلال الفترة منذ تاريخ إصدار الاعتماد المستندي حتى تاريخ استحقاق السداد للبنك أو تداول المستندات، فكيف ستتعامل البنوك المؤهلة التي تشتملها المحفظة ويتم فتح الاعتمادات المستندية منها؟ هل ستنتظر موعد استحقاق السداد الآجل لشراء عملة الاعتماد للسداد للبنك المراسل أو للمستفيد؟ أم ستقوم بشراء عملة الاعتماد في تاريخ فتحه والاحتفاظ بتلك السيولة مجمدة غير مستقلة لحين استحقاق موعد السداد؟ أم ستقوم بالسداد من خلال ودائعها بعملة الاعتماد الموجودة في حساباتها لدي المراسلين؟ وفي كل الأحوال هي تتعرض حتما لمخاطر تقلبات أسعار صرف عملة الاعتماد والذي يتحمل كل ذلك في نهاية الأمر أصحاب الودائع في تلك البنوك التي تشملها المحفظة وأيضا سيتضرر أصحاب الأموال المستفيدين من الصندوق القومي للضمان الاجتماعي. وحتي البند الذي تم تضمينه في اللائحة التنظيمية للمحفظة لهذا الغرض في (ثانيا: البند 3) والذي ينص على (يتعهد طالب فتح خطاب الاعتماد للبنك بتحمل الفروقات الناجمة من سعر الصرف عند استلامه مستندات الشحن) له مردود خطير جدا علي سعر السلعة المستوردة فالتاجر المستورد سيضطر لتحميل هذا الفرق في سعر السلعة الاستراتيجية التي استوردها ضمن آلية المحفظة وهو ما ينسف فكرة المحفظة من أساسها والتي ينتظر منها توفير هذه السلع الرئيسية (البترول والقمح) بأسعار في متناول المواطنين خاصة وأن الدعم السلعي أصبح وفقا لآلية المحفظة ووفقا لسياسة وزارة المالية الجارية غير موجود نهائيا.

الهادي هباني
[email protected]

‫5 تعليقات

  1. البنوك السودانية من افضل البنوم والقايمين عليها محترفون هذه المحفظة في الغالب تريد الولوغ في عالم الاعمال وتحقيق مكاسب وهو مبرر لكن يجب ان تساهم في رفع المعاناة ايضاء .بالمناسبة السودان غني جدا والحمدلله والحياة اخذ وعطاء ولابد ان تتبادل المصالح بالتوفيق لكم .

  2. الابتسامة في وجه اخيك صدقة يعني مال بكم الابتسامة كم بالله تدفع في ابتسامة صادقة لن نغليها او نرخصها عشرة دولار يعني اربعين مليون سوداني يدفعون خلال يومهم اذا قابلوا عشرة على الاقل اربعة مليار دولار لمن لله ثم تقول لي شعب فقير والسودان فقير .الناس في بلدي يصنعون الحب .السودان مرتهن لعصابة وليس فقير لا نريد ان نعدد ثرواتنا لكنها بالتررليونات يكفي فقط اننا مفترق طرق وقلب افريقيا وربنا يوفق وشكرا .

  3. أموال الكيزان والشركات الرماديه مهمته جدا لانها تمثل غالب اقتصاد القطاع الخاص ويجب الاستفادة منها في حل مشاكل البلد الاقتصاديه.اما كونها مسروقه مصدرها الفساد فلا يعني أيضا استبعادها ويجب ان تتم خطوات المحاسبه لكل راسمالي لم يثبت مصدر امواله ويمكن في بعض الحالات مصادرة كل أو جزء من أمواله وان تعمل لجنة مكافحة التمكين والفساد علي هذه الفئه بداية بكبار الراسماليين المرتبطين بالنظام السابق وما يليهم.كما يجب التحكم في هذه الأموال وعدم تركها بدون رقابه لكي تحارب بها الدولة.

  4. ماجاءة امة الا لعنة اختها والقادم اسوء من اللي راح وسياتي يوم الناس تترحم على حرامية البشير –لاني المكتوب مبين من عنوانه جاز بنزين كهرباء هم عمود الفقري للنهوض والانتاجية وهو ارخص مايككون بالسوق العالمي ومتوفر بكثرة وبالسودان توقف كل شيء بسبب نفس المادتين وحسبنا الله على كل من يظر الشعب لمنفعته الخاصة وعلى الشعب السوداني ان يدرك ان اغلب الموجودين من تربية ومدرسة البشير والله اعلم لن يكونوا افضل الا من رحم ربي
    اتركوا التاجار يوفرون كل شيء للسوق اتركوا القطاع الخاص يتصرف سيثور الناس هده المرة ثورة جياعومفلسين ومحطمين وليس لديهم مايخسرونه

  5. استرداد الشركات المملوكة للأجهزة الأمنية والأموال المنهوبة أولوية
    متابعين يا وريف وفي انتظار الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق