مقالات سياسية

تعقيب على الأستاذ بدرالدين يوسف السيمت (3)

خالد الحاج عبدالمحمود

بسم الله الرحمن الرحيم
“يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”

الله
يزعم الأستاذ بدرالدين أن العلاقة بالله تكون مباشرة، دون الحاجة لمرشد، ولا قدوة تقليد.. فعنده النبي صلى الله عليه وسلم، والاستاذ، حجابان، وقد اوردنا نصه.. ونحن هنا نريد ان نرى مفهوم (الله)، عند الأستاذ بدر الدين، وكيف تكون الصلة به تعالى.. فهو مثلا يقول: (ولو أنك عرفت الله، ولو للحظة واحدة، فقد عرفت الله، ابد الآبدين، ولو أنك عرفت قطرة ماء واحدة، فقد عرفت المحيط، وما منعنا من معرفة ذلك، إلا اعتبار الماضى فى عيوننا..).. هذا منتهى الجهل، فمن البداهة أن السير في معرفة الله سير سرمدي لا ينتهي.. فمهما عرفت عن الله، ما غاب عنك من المعرفة أكبر بكثير مما عرفت، وذلك لأن الله مطلق، ومن المستحيل الاحاطة بالمطلق، وهذه من بدائه الأمور.. فعبارة (ولو أنك عرفت الله، ولو للحظة واحدة، فقد عرفت الله، ابد الآبدين)، عبارة شديدة الخطأ وتدل على منتهى الجهل عند صاحبها.. وحتى المثل الذي ضربه، بزعمه أنك إذا عرفت قطرة ماء واحدة فقد عرفت المحيط، مثل خاطيء ومضلل، فحتى قطرة الماء مهما عرفت، فإنك لن تعرف كنهها، لأن كنهها هو الله، الذي هو كنه كل شيء.. يقول الأستاذ بدرالدين: (فإن الله كله نزل فى القرآن!! “وإنه لتنزيل رب العالمين” ولا يناقض هذا قوله “وإنه تنزيل من رب العالمين” لان “من” لا تبعض رب العالمين، وقد جاءت “من” لحاجة المخاطب وتلك حاجة مرحلية على التحقيق..)!! وهذا قول خطير جدا، ويدل على جهالة خطيرة بالله.. فالتنزل في مجال من المجالات لا يمكن ان يكون هو الذات (الله كله).. ففي عبارة الأستاذ بدرالدين (فإن الله كله نزل في القرآن)، مجرد كلمة (نزل)، تفيد معنى التنزل من الذات الى المحدود، فلا يمكن ان يقال معها (الله كله).. فالتنزل خلق به يظهر الله لعباده ليعرفوه، في مستوى هذا التنزل، وليس في مستوى الذات.. ولا تكون التنزلات هي الذات، إلا عند التناهي، تناهي العرفان.. أما التنزلات كمظهر ليست هي الذات، وهذا معنى قوله تعالى: ” لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ”.. انظر الى هذا الاستدلال، فالأستاذ بدرالدين يستدل بقوله : ” وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ” فيأخذ من الآية ان الله نزل كله في القرآن!! هو لا يريد ان يفهم الآية بأن القرآن تنزيل من رب العالمين، لأن كلمة من لم ترد فيها، ولكنها موجودة ضمنا، وكلمة (تنزيل) تفيد ذلك.. فالآية قالت (تنزيل)، ولم تقل (نزل) كما يفيد تحريف الأستاذ بدرالدين.. فقول بدر الدين (لأن من لا تبعض رب العالمين)، دليل واضح انه يفكر بالكلمات، وأن اللغة عنده تحدد المعنى وتحكمه، وإن قال خلاف ذلك.. والأستاذ بدرالدين عندما يتحدث عن الله، هو يتحدث عن الذات، فهو لا يفرق بين الاسم والذات: (لقد عرف العارفون، ان الثابت هو ذات الله، والله خارج الزمان وخارج المكان، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، كما قال رسول الله قولاً جامعاً مانعاً، ومن الخير أن نذكر دائماً وابداً، أن الله خارج الزمان وخارج المكان، هذا هو الإله الحقيقى، الذى لا إله غيره..).. الصالون.. هذا الإله الذي هو خارج الزمان والمكان، والذي كلما خطر ببالك هو بخلافه، هو عند الأستاذ بدرالدين نزل كله في القرآن!! والقرآن كما هو تنزيل بين دفتي المصحف داخل الزمان والمكان، وهو يقوم على اقوال محددة، واسماء وصفات تدركها العقول.. والقرآن نزل به روح القدس – جبريل.. فهل عند الأستاذ بدرالدين، جبريل عندما نزل بالقرأن، نزل بالله كله؟! على كلٍ هذا ما يعطيه قوله.. وجبريل لم ينزل بالقرآن مرة واحدة وانما نزل به منجما في فترات مختلفة.. فهل كل ما ينزل به في فترة معينة هو الله؟ ام اصبح القرآن هو الله كله بعد ان تم انزاله؟! الذات الالهية مطلقة، لا توصف ولا يشار اليها، وفي ذلك يقول تعالى: “سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ”.. فكل وصف لا يجوز في حق الله، بما في ذلك الاوصاف التي وردت في القرآن.. والأستاذ بدرالدين نفسه اورد عبارة (كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك)، ومع ذلك قال عبارته الغريبة إن الله (نزل كله في القرآن).. انك لا تعرف ما تقول ، وانما تلقي القول على عواهنه!! .. وعند الأستاذ بدرالدين القرآن كما هو بين دفتي المصحف، ليس هو كلام الله الموحى به الى النبي الكريم عن طريق ملك الوحي جبريل.. وإنما هو قرآن محمد، ويعتبر كلام الله بموافقته لكتاب الله في الطبيعة، وهو في زعم الأستاذ بدرالدين الكتاب الوحيد الذي كتبه الله بنفسه، وكل الكتب الأخرى، بما فيها القرآن، هي كتب بشر!!

ويقول الأستاذ بدرالدين: (اما انك قد رايت الله ، ورايت الوعد ، فكنت على الحق، واما انك لم تر الله، ولم تر الوعد، فكنت علي الباطل، ولا يغير في هذا قولك انك مسلم، او مسيحي، او يهودي، او اي دين شئت!!).. الصالون.. نحن يعنينا هنا الاسلام.. ففي هذا القول يقرر الأستاذ بدرالدين أن جميع المسلمين على باطل فهم جميعا لا يزعمون انهم رأوا الله، ومن لم ير الله عنده هو على باطل (واما انك لم تر الله، ولم تر الوعد، فكنت علي الباطل) كيف ارى الله وهو مطلق؟! هل إذا رأيت المصحف او اطلعت عليه كله، أكون قد رأيت الله حسب زعم الأستاذ بدرالدين بأن الله كله نزل في القرآن؟ على كل هذا هو معيار الأستاذ بدرالدين: من رأى الله فهو على الحق، ومن لم يره فهو على الباطل.. علينا أن نصطحب هذا المعيار معنا.

ويقول الأستاذ بدرالدين عن الله: (الموت هو اللحظة الحاضرة.. اللحظة الحاضرة هى الله.. الموت هو الحب! الموت هو الله!!).. الصالون.. ماذا نقول عن هذا؟! والله امرك لجد محير.. قولك هذا في منتهى سوء الأدب مع الله، فالله تعالى هو الحي الذي لا يموت، فكيف سولت لك نفسك ان تصفه بأنه هو الموت؟! وهو تعالى قد قال في القرآن: ” وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا”، فما الذي جعلك تدعوه بأنه الموت، والموت ليس هو اللحظة الحاضرة كما تزعم.. الموت حدث تاريخي يحدث في الزمان والمكان، ونقول مات عام كذا ببلدة كذا.. والله تعالى خارج الزمان والمكان، كما قلت بنفسك.. وكيف يكون الموت هو الحب؟! هذا محض رص للكلمات دون أي تفكير، ودون أي ورع.

يقول الأستاذ بدرالدين: (كلما اقبل الناس على التأويل، ارتفع مستوى الحوار، وتغيرت نظرتهم لكثير من المسائل الدينية، لاننا سننظر بعيون جديدة، وهكذا ستموت كل المفاهيم السلفية بصوره تلقائية وطبيعية: سوف يتغير مفهومنا لمعنى كل كلمة في القرآن، ابتداء من الاسم الشريف (الله) وانتهاء بـ(ابليس) وما بينهما من مراتب عديده يتم كل هذا في لمحة واحدة، ينظر اليها كل فرد حر، نظرة جديدة، كل لحظة جديدة..).. الصالون.. فالأستاذ بدرالدين اقبل على التأويل، وأصبح مفهومه لله متغيرا، بالصورة التي رأينا!! وهو يقول (يتم كل هذا في لمحة واحدة، ينظر اليها كل فرد حر ، نظرة جديدة ، كل لحظة جديدة).. كيف يتم في لحظة واحدة، ثم ينظر اليه نظرة جديدة، كل لحظة جديدة؟! أنت قلت انه يتم، فما معنى النظرة الجديدة، وكيف تكون جديدة والأمر قد تم؟! ولقد سبق أن اوردنا قولك الذي تزعم فيه انك لو عرفت الله ولو للحظة واحدة، عرفته أبد الآبدين!! فالمعرفة التي تكون لأبد الآبدين، لا يكون فيها امر مستأنف، إنك متناقض.. بل يبدو أنك في كل وقت تقول قولا لا تنتبه لعلاقته بالأقوال السابقة.

هذه العقلية من الطبيعي أن تقول ما قالت من كذب، وبهتان في حق الفكرة الجمهورية، وفي حق النفر الكرام الذين تحدثوا في الفيلم حديثا رصينا عن الأستاذ محمود ودعوته، الأمر الذي استفز الأستاذ بدرالدين، لما ينطوي عليه من حقد.. فبدر الدين زعم أن محاكمة الأستاذ لم تكن سياسية، في مغالطة فجة.. فكل من له المام يعلم أن المحاكمة كانت بسبب منشور (هذا او الطوفان).. وابطل القضاء السوداني حكم المحكمة، على اعتبار انه كان حكما سياسيا.

ولم يسلم تلفزيون السودان من تهجم الأستاذ بدرالدين عليه، فكل من شارك في الاحتفال، طاله سباب الأستاذ بدرالدين.. أنا لم أحب أن اقف عند اقواله التي لا قيمة لها، خصوصا إن الكثيرين من جمهوريين وغير جمهوريين، تناولوها.. فكرت بدل تناول عباراته في الاساءة للآخرين، أن اعرف الناس بالأستاذ بدرالدين ودعوته وادعائه.. من اجل ذلك، تحدثت عن الموت، وعن الفكر، وعن الله، عند الأستاذ بدرالدين.. وهذا كله تمهيد لتناول القضية الأساسية: قضية التأويل عند الأستاذ بدرالدين.. ومن النصوص التي سبق أن اوردناها له، يظهر مفهوم التأويل عنده، والأسس التي يقوم عليها هذا التأويل، خصوصا في مفهوم العقل، ومفهوم الله عنده.. فبالحديث عن العقل وعن الله، نكون قد مهدنا للحديث عن التأويل عند الأستاذ بدرالدين، لأن هذه هي قضيته الأولى، وهي القضية التي تفضح ادعاءاته، وجهالاته المحيرة!!
يتبع…
خالد الحاج عبدالمحمود
رفاعة 26/6/2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..