إعادة تعيين القضاة وتحقيق مفاهيم الثورة!!

حيدر الشيخ هلال

يشكر لحكومة الثورة متمثلة في المفوضية العليا للقضاء ردها الاعتبار للقضاة الذين تم فصلهم تعسفيا من قبل نظام الانقاذ الجائر بإعادة تعيينهم مرة اخرى ، ففي ذلك تعويض ادبي يستحقه كل من حاقه ظلم جراء سياسة التمكين اللعينة التي افقدت البلاد خيرة كفاءاتها وزجت بعديمي الاخلاق والمهنية وانصاف المتعلمين من اصحاب الولاء الحزبي .

ومع ان ثورتنا ثورة مطلبية تعويضية يستحق فيها كل مظلوم التعويض المجزي وإن كان ادبيا الا ان استرداد الحقوق يجب ان يوضع في سياق عام وكليات تعويضية تضع مصلحة الوطن العيا في المقام الاول قبل مصلحة الافراد حتى لا يسبب ذلك خللا في ميزان العدالة العامة لان الثورة ثورة الجميع وكل الشعب تضرر من نظام الانقاذ بشكل ما ، فإن كانت ستتحقق المصلحة العليا بعودة هؤلاء الاساتذة الاجلاء فنعم هي ، وإن لا فالاولى تحقيق اولويات الثورة في اصلاح الوطن ورد اعتباره قبل كل اعتبار إن كان ذلك سيتحقق باختيار غيرهم من القضاة الكرام .


ولانني لست محيطا بقوانين ولوائح تعيين القضاة ولا املك التفاصيل الكافية للاسباب التي ادت لاتخاذ السيدة مديرة القضاة هذا القرار لا يسعني الا ان اسلم بصحة القرار طالما صدر عن لجنا عليا، واعتقد جازما بان هؤلاء القضاة الكرام لم ولن يجول في خاطرهم في يوم ما استجداء مصلحة تعويضية ادبية كانت ام مادية فهم قبل غيرهم ادرى بمعان التضحية والايثار في سبيل الوطن وكنت اتوقع ان يعتذر بعضهم التكليف كما رأينا لاحقا في اعتذار الاستاذ سيف الدولة حمدنا الله ، مع انني أسفت ان يفقد الوطن عطاء رجل مثله في موقع كان سيدعم موقف الثورة وحكومتها كثيرا ولكن لا نملك الا احترام ارداته ، ويجب ان يتقبل رفضه في اطار ما ساقه من حجج وعلينا ان نبعد عن لغة التخوين واتهامه بخذلان الثورة فالرجل شامة في جبين النضال ضد نظام الانقاذ لا تخفى على احد وهو واحد من ضحايا هذا النظام الباطش . وواحد من اميز قادة ثورة ديسمبر سواء بكتاباته او أراءه التي طرحها بكل شجاعة أبان الثورة او تلك التي وجهها بكل مهنية بعد السقوط وعند صياغة الوثيقة الدستورية ، ولم يستنكف أن يبدي رأيا أو مشورة تدعم مسيرة الحكومة الانتقالية مع اختلافه الكبير مع كثير من قرارتها بعد تكوينها .

فأنا اخذ الموضوع من منظور مفاهيمي عام ينظر الى الثورة على انها عمل جماعي ذو اهداف عليا استرخصت فيه الارواح وغيبت له حظوظ النفس ، فالشباب الذي خرج يلاقي الرصاص بصدره العاري واضعا وطنه في حدقات عيونه كأولوية قصوى وعليا تتسامى على كل المصالح الشخصية قد سطر لنا مفاهيم جديدة في الوعي الوطني كانت غائبة تماما عند كثير من ممارسي السياسة من الاجيال السابقة الذين كانو يعتقدون ان تحقيق مصالح الوطن لا يمكن ان تتم الا من خلالهم لهذا فقلما تتشكل لديهم قناعة ان العمل السياسي كفعل وطني يسكب فيه الشخص كل خبرته ومعارفة من اجل الوطن يمكن ان يتحقق بأشكال عدة لا يشترط فيها العمل التنفيذي المباشر ، وهذا خلق مفاهيم خاطئة في الممارسة عامة ارست لثقافة الاقصاء وعدم تقبل الاخر بالتالي اعطى كل حزب نفسه الاحقية المطلقة في حكم البلاد وان لم يتحقق ذلك فالعمل المعارض التخريبي وسيلة لغاية الوصول الى الحكم، لهذا كان يتربى السياسي داخل حزبه على مفاهيم براغماتية تصور له الحقل السياسي بانه حقل منفعي شخصي يجب ان تتحقق في كلياته منفعة خاصة به شخصيا او بحزبه ومن خلالها يحقق الوطن مصالحه العليا .

ثورة ديسمبر المفاهيمية ارست ادبيات جديدة لمنظور العطاء ككل والعطاء من اجل الوطن فالشهداء الذين قدموا انفسهم رخيصة في مضمار الوطن صعدوا بنا مباشرة الى قمة الهرم العطائي الذي يؤسس على منظور قاعدي نظري فكري تكون ادواته الكلمة والفكر و ليصعد درجة في سلم العطاء فيكون الوقت والجهد والمال ثم في اعلى تجلياته النفس الغالية ، وبصعودهم بنا الى اعلى قمة هذا الهرم يورثونا تركة اخلاقية عظيمة يجب أن نؤسس على ضوءها سوداننا الذي استشهدوا من اجله ونرتب اولوياتنا بما يحقق امنياتهم بوطن ترسى فيه قيم العدالة والمساواة فلا يكون لاحد الاحقية بتسنم الوظيفة او المنصب دون الاخر وتكون الكفاءة هي الاساس الذي تبنى عليه توزيع الفرص حتى نستطيع محاربة الافكار والايدولوجيات التي تكرس لسياسة التمكين بتصويرها انها نوع من الدين كما يعتقد كثير من الاسلاميين الذين تسببت افكارهم هذه في اقصاء ابناء الوطن الذين لا يدينون بدينهم او يخالفونهم في ايدلوجياتهم.

وبما ان حكومة الثورة متهمة من البعض بانها مستمرة في تكريس مفاهيم التمكين هذه نسبة لبعض التعيينات الوزارية التي يشتبه في ولائاتها الحزبية فعليها ان تنتبه لهذا الامر جيدا وتعمل على الاصلاح المؤسسي المطلوب خصوصا وانها تواجه الان بمليونية التصحيح والتي لن يكون بعدها مكانا لانصاف الحلول فالحل الجذري يكمن في اكمال هياكل الحكومة متمثلة في المجلس التشريعي ومجالس الولايات والذي يجب ان يمثل فيها شباب الثورة ولجان المقاومة بإعتبارهم اصحاب المصلحة الحقيقية والمعنيين بالتغيير وبعد ان اثبتوا وعيا كبيرا في ادارة شئون احياءهم ومدنهم وبما يحملونه من صدق اتجاه مطالب واهداف الثورة سيضمنان قطع الطريق امام التمكين الحزبي الذي سوف يخلق خللا بلا شك في اداء المجلس التشريعي ومجالس الولايات ، وان تجاوزت في ذلك عملية اتمام السلام التي استغرقت وقت وجهد الحكومة في مفاوضات لولبية غاية في الاستغراق مع الوضع في الاعتبار ترك مشاغرهم في المجلس التشريعي ومجالس الولايات ويمكن ان يتم تعيين ولاة مدنيين موقتين في ولايات هذه الحركات المسلحة الى اتمام عملية السلام بعدها يمكنهم تعيين من يشاؤون .

كما على حكومة الثورة الاسراع بتعيين الولاء المدنيين لجهة ان الولاء المكلفين حاليا من العسكر يدينون بالولاء بشكل كبير لمؤسستهم التي يمثلها في حكومة الثورة (المجلس العسكري) المتهم بقتل المتظاهرين فمن مصلحتهم تعطيل اكمال اهداف الثورة حماية لقادتهم ، وقد بان ذلك بممارساتهم الواضحة في الولايات حيث تعتبر بعض الولايات بعيدة تماما الى الان عن التغيير الحقيقي .
حيدر الشيخ هلال
26 يونيو 2020
#تحديات_المرحلة_الانتقالية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق