مقالات سياسية

شيطنة الأحزاب وإضعاف الحركة السياسية

زهير تاج السر

_ تظل أي أحزاب سياسية وتنظيمات مهنية وكيانات إجتماعية إنعكاسا طبيعيا لحركة المجتمع المرتبطة بوسائل الإنتاج المتحكمة في ذلك المجتمع التي تمثله ،فطالما أن الأفراد المشكلين لهذه الكيانات افرادا ضمن هذا المجتمع فمن الطبيعي أن تحمل هذه الكيانات والاحزاب صفاتهم وافكارهم وآمالهم وامنياتهم الصادقة نحو خلق حركة مدنية سياسية ديمقراطية تشبع رغباتهم وحوجاتهم في العمل لتتسق دوافعهم مع أساليبهم المستخدمة نحو تحقيق الغايات المرجوة.

_من الطبيعي أن تتحول الحركة السياسية لطليعة ثورية لقيادة المجتمع نحو التطور وفتح آفاق المستقبل وغير مقبول أن تستسلم لمشكلات هذا المجتمع دون إيجاد حلول لها فحينها تصير عاجزة دون قدرة على إحداث تغيير حقيقي، وعند إسقاط هذه الرؤية على واقعنا السوداني والذي هو بالضرورة جزءا لا يتجزأ من الحركة الإنسانية، نجد أن هناك كثيرا من المفارقات العجيبة التي تستوجب التأمل والإستغراب وتستحق الدراسة المتأنية الموضوعية والمنطقية لفهم الكثير من الظواهر المرتبطة بالحركة السياسية السودانية.

_منذ بداية الحركة السياسية السودانية والتي تشكلت في عشرينيات القرن الفائت بحركات سياسية بدأت بالعمل السري وتطورت إلى أن وصلت إلى مؤتمر الخريجين كانت في مجملها تعبيرا عن يقظة الحركة الوطنية وقتها وتجسيدا لها ومع أن مؤتمر الخريجين الذي شكل إطارا جامعا وقاد حركة المقاومة السودانية ضد الإستعمار إلا أن هناك الكثير من السلبيات التي صاحبت تجربته ومنها نزوع المثقف السوداني وطموحه الشخصي نحو تحقيق ماهو ممكن ومتاح في مجتمعه فقادته محاولاته المتعددة لخلق حركة سياسية مدنية متطورة في كثير من الأحايين لنتائج غير مرضية تعود به من محاولاته للخروج من الطائفية لتجعله يرتمي في حضنها من جديد، أو الإكتفاء بعلاقة إرتباط شكلي بها مختلف في حقيقته هدفه تحقيق أغلبية ميكانيكية لتوفر لها أكبر قدر من الأصوات في إنتخابات مأمولة وقادمة .

_يعود الإرتباط المذكور أعلاه بشكل أساسي للسياق التاريخي والموضوعي الذي جرت فيه هذه المحاولات والتي تجسدت فيها صفويته وانانية المثقف السياسي في هم أساسي هو تحقيق القضايا المطلبية لأصحابها في ظل مجتمع رعوي زراعي دون أن يجتهد في تقديم مشروع واضح ينتقل بهذا المجتمع الرعوي الزراعي لمجتمع صناعي مما يعني ان تأسيس دولة الإستقلال الأولى إنحسر هم مؤسسيها في إطار شكلي لتمثيل المجتمع الرعوي الزراعي دون الإهتمام برفع مستوى معدل الوعي لذلك المجتمع ليحدث إنتقالا نوعيا وكميا وليكون وقتها لسان الحال ضد المستعمر (تخرج بس) دون إستعداد كافي لما بعد( تخرج بس) وهذا لايعني تقليلا لما قاموا به من نضال ودور كبير في أن ينال السودان إستقلاله ولكنه تأكيدا لعدم القدرة للتحول من حركات مطلبية لتأسيس الحركة المدنية الحديثة لبناء الدولة الجديدة مما خلق نوعا من (الصراع السياسي) الذى إنتهى بتسليم الرئيس عبدالله خليل السلطة بعد عامين من الإستقلال للقوات المسلحة كأول عجز لمكون مدني في إدارة الدولة السودانية.

_إن عجز المثقفين الأوائل عن تحويل حركات المقاومة والحركات المطلبية لحركة مدنية سياسية ديمقراطية وعدم إمتلاكهم لمشروع لبناء الدولة المستقلة حديثا والنزعات الفردية والطموح الشخصي وحب الزعامة الأبدية والرئاسة الدهرية قطع الطريق أمام بناء أحزاب قائمة على مفاهيم حديثة مؤمنة بالتعدد الديمقراطي وحرية الرأي والرأي الآخر والتداول السلمي للسلطة فيها ، فالتطور الطبيعي لهذه الأحزاب ونموها لايكون إلا في ظل الديمقراطية السليمة.

_ إلا أن الدائرة الجهنمية التي ابتليت بها الحركة السياسية من ديمقراطية يعمل الكل على إجهاضها تمهيدا لمارشات عسكرية تقود لديكتاتورية عسكرية ثم ثورة شعبية إلى فترة إنتقالية إلى ديمقراطية بشق الأنفس لتدور الدائرة من جديد أسهمت إسهاما كبيرة في تأخر الوطن وإتساع حجم مشكلاته وازماته ،،، ولعل اليوم أسوأ من البارحة في كثير من المشاهد والمواقف فالديمقراطية الأولى عاشت نخبتها وصفوتها شكلا من أشكال التنوير والعمل الديمقراطي وإحتكاكا بالحركة السياسية المناهضة الإستعمار والحركات العمالية مما أسهمت في خلق نوعا من الوعي بانت ملامحه وشوهدت في الشعارات المرفوعة حينها والبرامج والرؤى السياسية التي قدمت ثم جاء النظام العسكري الأول لستة سنوات في ظل مد إشتراكي وقومي وتأثرت الحركة السياسية بتلك الأجواء لذا عندما خرجت اكتوبر خرجت بوعيها وبأحزابها وبنقاباتها تحمل أفكارا نيرة ومشاريعها متعددة

_ جاءت الفترة الديمقراطية الثانية حيث عادت الأحزاب لحياتها السياسية وحراكها التي كانت أقرب فيه للعمل السري والنضال ضد نظام عبود مما تاخرت عملية التطور الطبيعي لها وبان ضعفها من خلال الممارسة السياسية وقتها مما غلب على طابعه الصراع السياسي والإختلاف الذي عجل بنهايتها بعد طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان وتقديم قادته للمحاكمة ، ثم جاءت مايو لتوقف الحياة السياسية تماما ودخلت الأحزاب مرحلة جديدة من العمل السري والإختفاء تحت الأرض وقيادة النضال ضد نظام مايو أي أن إنحسار العملية السياسية تشكل في صور المقاومة فقط بعيدا عن أي عمل تطويري للأحزاب ينعكس على الحركة السياسية برمتها.

_خرج التجمع النقابي في عام 1985م ومعه القوى السياسية المدنية والتي لم يتوقف نضالها ضده إلا أن اسقطته وجاءت الديمقراطية بعد 16عاما لأحزاب تعمل تحت الأرض ضد نظام قمعي وديكتاتوري فكانت الديمقراطية ليست افضل حظا من سابقتها ولكن توجت الحركة السياسية نضالها بالتوقيع على ميثاق الدفاع عن الديمقراطية التي كانت هناك قوى سياسية تتربص به مبيتة لسوء النية وتعد العدة للانقضاض على النظام الديمقراطي فدخلت مرة أخرى بعد يونيو الأسود ولمدة ثلاثين عاما تحت الارض، شردت فيها الكوادر وجففت فيها الأحزاب وتم التنكيل بها ، وتم تفريق دمها بين القبائل.

_إن ماتعرضت له الحركة السياسية السودانية طيلة تاريخها من مؤامرات وأزمات سواء كان من الأنظمة الديكتاتورية العسكرية أو بفعل ايادي بنيها كان كافيا لأن تنتهي وللأبد تماما ، ولعلي أحسب أن بقاء هذه الحركة السياسية حتى الآن على قيد الحياة معجزة من المعجزات ،، فأي نقد لهذه الحركة السياسية يستوجب اولا قراءة تاريخها جيدا والمطالب لهذه الحركة للتطوير تظل قائمة وتجديد نفسها ضرورة تفرضها قوانين الطبيعة ونواميسها الحتمية،، وأي تأخير عن إحداث عملية التطوير سيجعلها خارج الحسابات مستقبلا،،

_التطوير مطلوب لكن أن تكون هناك حركة وموجهة لشيطنتها وإحداث هوة بينها وبين مجتمعها وإبعادها من المشهد السياسي لهو عين الخطأ والراصد لهذه الحركة يجد أن الشيطنة لم تنشأ إعتباطا بل هناك من يعمل على ذلك منذ إندلاع ثورة ديسمبر العظيمة ويعمل علىتصيد اخطائها، وعدم ذكر أي من محاسنها ولا دورها الذي قامت به منذ قبيل الإستقلال حتى الآن وبكل أسف غياب هذه الحركة المدنية السياسية أو تغييبها يخدم اغراض لجهات لاتريد لهذا الوطن خيرا على الإطلاق ، والأشد غرابة أن هناك من وقع في الفخ من عناصر وأفراد بعض القوى السياسية بالإشتراك في عدد من الكيانات وهم قلة لم تمتلك القدرة ولا الفكر عن تطوير أحزابهم واختاروا (الطريق السريع) دون وعي منهم وإتجهوا للتشكيلات الجديدة بعد ثورة ديسمبر ليكونوا جزءا منها ومن من المشهد وجاءوا بكياناتهم الجديدة بديلا لتلك القوى السياسية نتقدم إليهم بأسئلة لنقول لهم :

_أما كان بالإمكان أن يساهم الجهد الذي تبذلونه الآن في كياناتكم الجديدة في تطوير احزابكم ؟؟؟
وهل قمتم بالتخلص من كل الأمراض التنظيمية والسياسية التي إكتسبتموها في أحزابكم القديمة وإغتسلتم في انهار الحداثة والعهد الجديد؟؟

_تذكرونني بمن إشترى ثوبا جديدا ليلة الوقفة ليصابح به العيد وهو هو بكل أفكاره القديمة وطباعه وخصائصة وكمن يقال عنه (من بره هلا هلا عليهو ومن جوه يعلم الله) هذا ليس إنتقاصا من حقهم الكامل لحريتهم في إختياراتهم ولكن البدايات السليمة تقود لنهايات سليمة ، والركوب في سرج واحد مع من يشيطن الحركة السياسية والأحزاب ستعود عليه ويجني ثمار شيطنته وتقابله المشكلات التي هرب منها لتواجهه من جديد،ومن ترتعش أياديه فلن تقوى على البناء.

زهير تاج السر
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق