يسألكم الشارع يا (…….) : أين كنتم يوم 30 يونيو؟

فضيلي جماع

 (1)
صرت مذ نهار 19 ديسمبر 2018 الأغر ، وأنا كلما اكتظت شوارع المدن والقرى في بلادنا بالآلاف المؤلّفة من أبناء وبنات شعبنا وهتافاتهم الداوية تزلزل الأرض، وتعانق السماء – صرت من وقتها كلما اكتظت الشوارع بالآلاف – وأنا أردّد متابعاً المشهد أبياتاً من قصيدة لشاعر الأمة محمد المكي  إبراهيم. أقرأ الأبيات في سري وتارة أجهر بها وعيناي مشدودتان إلى اللوحة النابضة بالحياة للآلاف الهادرة من جنينة تاج الدين إلى سواكن ومن حلفا دغيم إلى قلعة الصمود “كاودا” في جنوبنا الجديد. أردّد الأبيات – أبيات الشاعر محمد المكي ابراهيم:

إنني أومن بالشعب حبيبي وأبي
وبأبناءِ بلادي البُسطاءْ
وبأبناءِ بلادي الفقراءْ
الذين اقتحموا النارَ فصاروا
في يدِ الشّعبِ مشاعلْ!
والذين انحصدوا..
في ساحةِ المجدِ فزِدْنا عددا
والذين احتقروا الموْتَ فعاشوا أبدا

سلام عليكم يا شهداء بلادي من ملحمة كرري وام دبيكرات مروراً بأكتوبر الأخضر وأبريل وانتهاءً برتل من الشهداء عبر ثلاثين سنة أعطتنا ما نحن فيه من حريةٍ وكبرياء. سلام عليكم يا أبطالنا الذين كانوا دائماً عناوين الإعتداد للشموخ وكرامة النفس السودانية فريدة الهوية والتركيب بين شعوب العالم.

سلام عليك يا سيدي المك نمر وأنت في لحظة ثورة لكرامتنا أشعلت كما قال شاعرنا مبارك بشير (حريق المك في قلب الدخيل)! سلام عليك يا المهدي الإمام ، وسلام عليك يا سيدي البطل عثمان أبوبكر دقنة يا من لم تهزمك جيوش الإمبراطورية التي ما غابت عنها الشمس حينذاك إلا في بلادنا . سلام عليك يا ود حبوبة وسلام عليك يا بطل المقاومة السلطان عجبنا.
سلام على السلطان تاج الدين الذي هزم جيوش الإمبراطورية الفرنسية في دروتي ودرجيل. سلام عليك يا علي عبد اللطيف ويا عبد الفضيل الماظ. سلام على مدفعك يا عبد الفضيل وأنت تحتضنه شهيداً لكرامتنا. سلام عليكم يا آباء الإستقلال: إسماعيل الأزهري والصديق المهدي وعبد الخالق محجوب وبوث ديو والشريف حسين الهندي ووليام دينق نيال وجون قرنق دي مابيور وآخرين أماجد. وسلام عليك يا سيد شهداء معاركنا الحديثة ضد الإستبداد،  يا سيدي شهيد الفكر محمود محمد طه.. سلام عليكم أجمعين ، وأنتم تشاهدون من عليائكم مليونية أحفادكم وحفيداتكم في ذكرى الثلاثين من يونيو وهم يجددون العهد لوطن لم ولن يضام.

إنّ الملايين التي هدرت واكتظت بها شوارع قرى ومدن السودان أمس الثلاثاء جاءت لتعلن للعالم أجمع بأننا طوال تاريخنا ، ما رضخنا للذل أبداً ولا عرفنا الخنوع! إنّ آخر أجيالنا بقيادة فوج شهدائنا في دار فور وفي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وفي الشرق وفي الشمال وفي الخرطوم التي ترفع جبينها اليوم مبتسمة بعد أن بكت كثيرا وهي تتطهر بدماء التاية وعلي فضل وصلاح السنهوري وعبد الحفيظ ومطر وآخرين وأخريات – الخرطوم ترفع جبينها اليوم لتستقبل ضوء شمس الحرية الممهورة بدماء شهدائنا وجرحانا. يحرسها ويحرس بواباتها وحدود الوطن بأكمله شعب يعشق الحرية ويشرب من كأسها دواماً حتى الثمالة.

هذا شعب السودان – شعبي. وذاك تاريخه ونضاله من أجل الحرية والكرامة. وقبل أن أعود لأردد أبيات شاعر الأمة محمد المكي إبراهيم سالفة الذكر دعوني أطرح سؤالاً للإسلامويين الذين لا يجيدون غير إشهار سلاح الشائعة والكذب: أين كنتم نهار أمس؟ بل أين هو موقعكم من الملايين التي أهتزت بهتافاتها الأزقة والشوارع في قرى ومدن السودان؟ هل رأيتم كيف تتدافع مناكب الشابات والشبان والنساء والرجال – رغم خطر جائحة الكرونا على أرواحهم – ليعلنوا للعالم أن ثورة ديسمبر يحرسها شعب معلم وجيل فريد؟

تعرفون ونحن نعرف بأننا صرنا معسكرين إثنين مذ صغتم أنتم وسجلتم بيان إنقلابكم الشؤم من مكاتب ربيبتكم منظمة الدعوة الإسلامية في يونيو 1989 لتكتموا أنفاس وخطوات شعب من أجمل وأنبل الشعوب. تعلمون من يومها – ونحن نعلم بأننا في لعبة السياسة في هذا البلد السودان صرنا معسكرين اثنين: معسكركم أنتم الأخوان المسلمون بمسمياتكم العديدة، ومعسكرنا نحن شعب السودان بكل تنوعنا الجميل جغرافيا وإثنيا ودينياً. ليجعل منا هذا التنوع مستقبلاً أجمل شعب وأعظم أمة. نحن نعرف أنّ لنا وطناً بين شعوب العالم. بيد أن الوطن عندكم هو تنظيمكم الماسوني الذي يراقب من قلاعه السرية في عواصم العالم متى ينام الشارع السوداني لتنقضوا على بلادنا. وهذا هو المستحيل. فالتاريخ لا يعيد نفسه أبداً.

(2)
خرجت الملايين يوم الثلاثاء 30 يونيو 2020م. لا لتسقط حكومة جاءت بإرادة ونضال وعرق ودماء هذه الملايين التي اكتظت بها الشوارع في طول البلاد وعرضها. بل جاءت لتقول للحكومة وللمجلس السيادي وللقضاء المستقل وللقوات النظامية بمسمياتها المختلفة- جاءت لتقول لهم: لا كلمة تعلو فوق كلمة الشارع في عصر ثورات الشعوب.. فإما أن تحققوا ما دفع أبناؤنا وبناتنا أرواحهم ثمناً له ، وإلا فإننا نعرف كيف نصل بمطالب ثورتنا لنهايتها. رسالة واضحة من الشارع لحكومته، أن عجّلي يا قيادتنا بالإصلاح ومطالب الشارع.  لم يخرج الشارع ليسقط حكومة الثورة ، ولا لينقلب على مواثيق ما تراضت عليه حاضنة الثورة من شراكة هي التي تقودنا رغم عثراتها هنا وهناك. خرج الشارع ليقول للجهاز التنفيذي (الحكومة) ولمجلس السيادة وللقضاء المستقل: إنّ أداءكم سلحفائي الإيقاع رغم ما حققتم من إيجابيات لا ينكرها إلا حجود، وعلى رأسها الحرية التي أعطت الأفاعي حق أن تخرج من جحورها ، ليسمع أبناء وبنات شعبنا فحيحها ليل نهار !

لم يخرج الشارع ليقيل حكومة الرئيس حمدوك كما يحلم خصوم ثورتنا ، الظاهر منهم والخفي. الشارع يعرف أنّ العالم احتفى بعودتنا له في مؤتمر فريد للشركاء قبل يومين. وسمع كيف كال زعماء وسياسيون بارزون في العالم المديح لشعب السودان وثورته المدهشة، ولرئيسه خبير الإقتصاد والعولمة.. وعلى رأس من مدحونا ورحبوا بعودتنا لحديقة المجتمع الدولي:  الأمين العام للأمم المتحدة ووزير خارجية ألمانيا القوي! قد يقول الموتورون وهم يجترون مرارة إحباطهم أن ممثلي الخمسين دولة أعطونا وعوداً لا غير. حسناً ولكن السودان دعا هذه الدول لشراكة ولم يدعها لتمنحه عطايا. يعرف رئيس حكومة الثورة  الشاب وطاقمه الوزاري ويعرف شعبنا قبلهم أن زمن التسوّل مضى بسقوط أسوأ نظام حكم تحت فوهة البندقية ، نظام الإنقاذ، ذاك المولود السفاح في تاريخنا ناصع البياض. يعرف العالم الذي نعود إليه ويفتح ذراعيه مرحباً بأننا نملك من الموارد ما يجعل عائد شراكته معنا خيراً له ولشعوبه. وأنّ سوداناً مدنياً مستقراً وحر الإرادة أفضل للعالم ولقارتنا الناهضة أفريقيا من سودان ظل وكراً وحاضنة للإرهاب والهوس الديني طوال ثلاثين سنة!

الآن أفتح شاشة الكومبيوتر  أمامي. إذ لم أشبع نظري منذ الأمس وأنا أتابع الملايين تكتظ بها الشوارع في كل أنحاء بلادي تأكيداً لأعداء ثورة ديسمبر في الداخل والخارج أن هذه الثورة أنموذج جديد لثورات هذا العصر. وأنّ الشارع الشاب الذي يحرسها أكثر وعياً بقدره وما يدور وراء الكواليس من مؤامرات ضد شعبنا وبلادنا . أفتح شاشة الكومبيوتر أمامي لأروي نفسي العطشى للحرية ولنيل وصحارى وأودية بلادي. لأبصر الملايين وهي “تهدر كالسيول” كما قال شاعر الملحمة هاشم صديق. ولأردد في سري وجهري أبيات محمد المكي إبراهيم:

إنّني أومنُ بالشعبِ حبيبي وأبي
وبأبناءِ بلادي البُسطاءْ
وبأبْناءِ بلادي الفقراءْ
الذين اقتحموا النارَ فصاروا
في يدِ الشعبِ مشاعلْ!
……………………………..

فضيلي جمّاع
[email protected]
أول يوليو/ 2020

‫5 تعليقات

  1. مقال قمة في الروعة و البلاغة كما عودتنا يا أستاذ فضيلي أيها الأديب المرموق و المناضل الجسور، ولكننا نختلف معك في بعض ما ورد به. إن المك نمر ليس بطلاً و إن ما قام به يعتبر نوعاً من الغدر، فما هي البطولة أن تحرق عدوك و هو في غفلة، و ما زاد الأمر سوءاً ان المك نمر قد فر بعد فعلته تلك و ترك أهله فريسة للإنتقام. لقد نجا المك بنفسه و فر بجلده، و وقعت مقتلة عظيمة لأهله و حالات إغتصاب للنساء حتى صرن يلقين أنفسهن في النيل مفضلات الموت غرقاً ليحمين عروضهن من الإنتهاك. أن تلكم النسوة أجرأ و أشجع من الذي تركهن و فر من البلاد. و ليس بعيداً من ذلك موقف الخليفة عبد الله تور الشيل، الذي فرش سجادته و انتظر الموت و هو جالس عليها، ليست هذه بطولة كان الأجدر به أن يدافع عن ثورته و يقتل في أم درمان و هو شاهراً سيفه، لقد ترك جنوده من خلفه و هرب، و تمت إستباحة االبقعة لثلاث أيام قتل فيها رجال و انتهكت أعراض نساء، وحتى بعد هروبه لم يمت وهو قائم يقاتل و إنما قتل على فروة الصلاة مما يعتبر دليلاً على الإستسلام. المك نمر و الخليفة عبد الله التعايشي ليسا بطلان،. لقد رأينا الرجال الذين ناضلوا بحق و قدموا أنفسهم رخيصة فداءاً لأهلهم و بلادهم، مات عبد الفضيل الماظ و هو يحتضن مدفعه، مات محمد أحمد الريح المشارك في إنقلاب هاشم العطا رافضاً الاستسلام و دمر النميري المبنى على رأسه و وجدوه ميتاً وهو ممسك بمدفعه، مات محمود محمد طه و هو يصعد للمشنقة مبتسماً و كان بإمكانه التوبة ليعتق رقبته من الموت، وسمعنا بأن سيدنا جعفر الطيار قد بترت يده اليمنى التى كان يحمل بها اللواء و لم يهرب بل حمل اللواء بيسراه و قطعت اليسرى و لم يهرب و حمل اللواء بعضديه حتى سقط وهو يحتضن لواءه. رأينا عمر المختار و مقاتليه وهم يربطون أرجلهم و يعقلونها كيلا يفرون من القتال، أين ما فعل المك نمر و التعايشي من هؤلاء. إن تأريخنا مع الأسف كذبه أكثر من حقيقته. أكرر المك نمر و التعايشي لا يستحقان هذا التمجيد و أسباغ صفة البطولة عليهما، ليت الأول قتل أو حرق في شندي مع أهله و نسائه و ليت الآخر قتل في عاصمته مع حريمه و دراويشه، كنا سنفتخر بهما. أعتقد أن غردون باشا أشجع منهما.هذا إذا كنا منصفين. من المؤسف أن يكون هنالك شارع في الخرطوم يحمل إسم المك نمر الهارب و آخر يحمل إسم الزبير باشا تاجر الرقيق و عميل المصريين الأشهر. التحية و الإجلال لثوار بلادنا الذين واجهوا الموت وهم يقاتلون، الذين ماتوا و هم وقوف و كانت الضربات التي ماتوا بسببها في الصدور، أو في الجباه.

  2. صدقت ورب الكعبة استاذنا الجليل فضيلي. كفيت ووفيت. الصفعة كانت اقوى واعظم من ان يتصورها تيوس المشروع الحضاري واللصوص الملتحية. ولسوف تنتصر ثورتنا بإذن الله وينتصر شعبنا العظيم وينهض السودان ويحتل مكانه اللائق بين الامم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق