دعوة للتخلي عن نموذج ديمقراطية وستمنستر

 د. علي بابكر الهدي

دعوة للتخلي عن نموذج ديمقراطية وستمنستر
الحل لمشاكل السودان تبني نموذج ديمقراطية التوافق” Consociational Democracy”

دائما ما تعُرف الديمقراطية بأنها حكم الأغلبية، وحسب هذا التعريف فإن الأغلبية تشكل الحكومة بينما تلعب الأقلية دور المعارضة. ولكن يرى أستاذ الاقتصاد البريطاني، الحائز على جائزة نوبل، اللورد آرثر لويس؛ أن هذا المفهوم للديمقراطية قد يكون في حد ذاته غير ديمقراطي في بعض الحالات، لأنه ربما يؤدي إلى إقصاء الأقلية من العملية السياسية مما يشكل خطراً على الاستقرار.

يقول اللورد آرثر لريس إن المبدأ الأساسي الأول للديمقراطية هو مشاركة كل المتأثرين بأي قرار في عملية صناعة واتخاذ هذا القرار إما مباشرةً، أو بطريقة غير مباشرة عبر اختيار ممثلين لهم. أما المبدأ الثاني فهو سيادة رأي الأغلبية، وهذان الشرطان متلازمان وقع الحافر على الحافر، ولا بد من توفرهما معاً لنجاح النظام الديمقراطي. بغير ذلك تتحول التجربة إلى دكتاتورية مدنية.

لقد ظل نمط التفكير السائد وسط السياسيين السودانيين خاصة في الحزبين الكبيرين الاتحادي الديمقراطي والأمة عاجزاً عن إدراك هذه الحقيقة البديهية التي أوردها اللورد لويس بتلازم المبدأين المذكورين أعلاه مما أدخل السودان في حلقة مفرغة ديمقراطية – انقلاب عسكري – انتفاضة – ديمقراطية، ودخول البلاد في نزاعات وصلت حد الحرب الأهلية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والجنوب الذي انفصل وشكل دولته المستقلة.

فعندما تتخذ أحزاب الأغلبية القرارات بمعزل عن الأقلية تصبح العملية غير ديمقراطية. وقد بدا ذلك واضحاً على سبيل المثال في عام 1953 عندما وعدت الحكومة الأولى الجنوبين بمراعاة العدالة في عملية السودنة، وما حدث أن الجنوبين لم ينالوا غير 6 وظائف من جملة 600 وظيفة. وفي عام 1955 اتفق الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري ( رحمه الله ) مع النواب الجنوبين على التصويت للاستقلال من داخل البرلمان، في جلسته التي انعقدت في 19 ديسمبر، وكان شرط الجنوبين أن تنظر الحكومة بعين الاعتبار للاختلاف بين الشمال والجنوب وإيجاد صيغة مناسبة تعطيهم نوعاً من الاستقلالية في إدارة شؤونهم بأنفسهم عند إعداد الدستور. ولكن تشكلت لجنة الدستور بأغلبية شمالية واختارت تجاهل مطلب الجنوبيين مستخدمةً الأغلبية الميكانيكية في تمرير قراراتها مما اضطر الجنوبيين للانسحاب من الاجتماعات. وقد عبر عن هذا التوجه الخاطئ أحد النواب الجنوبيين أجمل تعبير عندما قال ما معناه أن الجنوب لن يأتي جغرافياً ليصبح الشمال وأن الجنوبيين لن يصبحوا أغلبية في أي يوم من الأيام. وتوالى تجاهل الأقليات ليبدأ التململ داخلها وظهرت إلى حيز الوجود حركات عديدة للمطالبة بحقوق أقاليمهم مثل حركة نهضة دارفور ومؤتمر البجة في الستينات على سبيل المثال لا الحصر، وبدأت الحرب الأهلية في الجنوب. ثم جاءت الطامة الكبرى عام 1965 عندما قام ائتلاف الامة-الاتحادي مستخدماً الأغلبية الميكانيكية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية في عملية إقصاء مكتملة الأركان استناداً على المبدأ الثاني، سيادة حكم الأغلبية مع التجاهل التام للمبدأ الأول.

ويبدو أن هناك إصراراً من جانب القيادات السياسية على الاستمرار في نفس نمط التفكير هذا، وفي ممارسة ذات الأسلوب الذي أدى إلى الصراعات والحروب الأهلية. فالطريقة التي تدار بها عملية السلام في جوبا لن تؤدي للسلام المستدام، حيث من الواضح أن القائمين على عملية السلام قد اختاروا اقصاء حركتي عبد العزير الحلو وعبد الواحد محمد نور، والتركيز على المسارات التي ابتدعها العسكر بعد أن اختطفوا ملف السلام من غير وجه حق، في انتهاك صارخ للوثيقة الدستورية. هذه المسارات لا يمثل مفاوضوها الثقل الجماهيري والعسكري الذي تملكه حركتا الحلو وعبد الواحد، فلا سلاح عند هؤلاء ولا أرض يسيطرون عليها، بل هم يتوجهون من الخرطوم إلى جوبا في نفس طائرة من يفاوضونهم. وبدا واضحاً للعيان آن الجبهة الثورية تسعى لنيل المناصب قبل الوصول لاتفاق مع حركتي عبد الواحد والحلو حيث تتواتر الانباء عن اتفاق تنال فيه 4 وزارات اتحادية ومقعدين في مجلس السيادة.

السودان لن يتجاوز أزمته الحالية ما لم نترك طريقة التفكير القديمة، وما لم نتعلم من التاريخ الذي ظللنا نصر على تجاهله بصورة تزدري عبره وتدوس على دروسه، فقد دلت تجاربنا على أنه ما لم نلتزم بمشاركة الأقليات المهمشة في عملية صنع واتخاذ القرار واعطاء هذه الأقليات حق النقض فيما يتعلق بالقرارات التي تمس حقوقها الأساسية، لا يمكن أن نتحدث عن نظام ديمقراطي مستدام ومعافى يحظى بالرضى والقبول من الجميع. فالأساس في بناء أي نظام واستقراره وشرعيته إنما تأتي من قبول الناس به.

وبعد التجارب التي طبق فيها السودانيون نموذج ديمقراطية وستمنستر ((winner takes all والذي ثبت بما لا يدع مجالاً للشك فشله في حل مشاكل السودان وفي تحقيق التنمية والسلام والاستقرار، نقول إنه قد آن الأوان لترك المجرب والتفكير بطريقة مختلفة.

وهذه بمثابة دعوة للتخلي التام عن نموذج ديمقراطية وستمنستر واستبداله بنموذج ديمقراطية التوافق، فهذا النموذج يصلح للمجتمعات التي تتسم بالتعدد والتنوع مثل السودان فمجتمعنا يعاني من انقسامات حادة عرقية  ودينية و ثقافية. وقد وجدت بعض الدول في هذا النموذج حلاً لمشاكلها قبل أن تتطور هذه الانقسامات إلى صراعات ونزاعات مسلحة. ومن هذه الدول سويسرا وهولندا وبلجيكا حيث أثبتت جميعها نجاح ونجاعة هذا النموذج في الوصول بها للاستقرار.

يسعى نموذج ديمقراطية التوافق إلى تحقيق المشاركة الواسعة في السلطة وتقسيمها بصورة عادلة بين المركز والأقاليم، كما يحاول الحد من سيطرة أي جهة، وذلك بتشكيل تحالف واسع وقاعدة عريضة للحكم بدلاً من تركيز السلطة في يد حزب الأغلبية كما هو الحال في ديمقراطية وستمنستر التي جربناها مراراً وتكراراً وأثبتت فشلها. ومن الجنون أن تجرب نفس الشيء مرة تلو الأخرى وتتوقع نتائج مختلفة.

ملخص القول إن ديمقراطية الأغلبية – الأقلية لا تصلح للسودان لأنه بلد متعدد ومتنوع ويعاني من انقسامات دينية وعرقية وثقافية. وكما ذكرت فقد أدى اتباع هذا النموذج إلى النزاعات المسلحة في معظم أقاليم السودان ولذلك فنحن أحوج ما نكون لاتباع نموذج ديمقراطية التوافق لأنه في رأيي الأفضل للسودان، فمن خلاله سيتحقق التوزيع العادل للسلطة والثروة وستتحقق المشاركة الواسعة لكل السودانيين.  وفي مقال اخر سنتعرض بإذن الله لعناصر النموذج وكيفية تطبيقه.

د. علي بابكر الهدي
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. الديمقراطية قبل ان تصل مرحلة الانتخابات فهي عملية ثقافية متمكاملة اهم عامل فيه هي الاستمرارية اي عامل الزمني و الديمقراطية منتوج بشري يتطور في جميع أشكاله بالمارسة و الاستمرارية.
    في السودان افتقدت الديمقراطية روحها و عقلها حتي يتم تشكيلها علي الوضع السوداني هي الاستمرارية لذلك اخطاء الديموقراطية لا يتم معالجتها بالانقلاب و التنظير و انما بالاستمرار و الممارسة.
    لايمكن ان تخلق ديمقراطية بدون ديمقراطيين لذلك لابد من وجود الديمقراطية المستمرة حتي تعالج اخطاءها.
    الديمقراطية قبل ان تكون نظام للحكم جميع الشعب يتمتع بالحرية وهي القاعدة التي تقوم عليه الديمقراطية.

  2. ((إن المبدأ الأساسي الأول للديمقراطية هو مشاركة كل المتأثرين بأي قرار في عملية صناعة واتخاذ هذا القرار إما مباشرةً، أو بطريقة غير مباشرة عبر اختيار ممثلين لهم. أما المبدأ الثاني فهو سيادة رأي الأغلبية))!!
    نحن لا نختلف مع قول اللورد آرثر هذا ولكن مشكلتنا في السودان تنحصر في المبدأ الأول، التمثيل تحديداً وفي التمثيل التمثيل غير المباشر أي بواسطة أحزاب بدلاً من التمثيل الحقيقي وهو المباشر الذي طرحناه في ردنا على مقالة دكتور النور حمد الترابي الذي لا يرى تحقق الديمقراطية إلا بشرط واحد هو التمثيل الحزبي غير المباشر!!
    إن جل التركة السودانية في الديمقراطية كانت تجربة حزبية وقد كانت مصحوبة بأمراض الطائفية والمذهبية السياسية وخلافها ولم تكن أحزابنا تشبه أحزاب ديمقراطية ويستمنستر أو الكونغرس الأمريكي فيما تقوم عليه الأحزاب الغربية وهو البرنامج الاقتصادي السياسي الاجتماعي وليس الولاء الطائفي أو الجهوي أو الانتماء القومي لقوميات خارج السودان!
    نحن لا نريد مطلقاً لهذه التجربة السابقة أن تستمر أو تتكرر. وبدلاً من ذلك نريد ممارسة الديمقراطية بعيداً عن الحزبية وذلك عن طريق التمثيل المباشر بين الناخبين وممثليهم من مواطنين أكفاء يعرفونهم وينتمون معهم إما لمنطقة جغرافية واحدة أو فئة مهنية وحرفية واحدة أو فئة نوعية معينة من فئات المجتمع ذات المصالح المشتركة.
    ولعله من نافلة القول أن ممارسة الديمقراطية بهذا الشكل يغنينا تماماً عن مشاكل المبدأ الثاني للديمقراطية وبالذات مشكلة الأغلبية المكانكية وهضم حقوق الأقلية – وذلك لعدم إمكانية التكتل الحزبي داخل البرلمان وإنما يكون التكتل حرا وموضوعيا وفقاً للقناعة بعد المداولة للمسألة المحددة وليس بالقناعات الحزبية المسبقة السابقة للمداولات أو المفروضة على نواب كتلة من الكتل.
    بالمقابل فإن ما اقترحه كاتب المقال وأسماه بالديمقراطية التوافقية لا نعتقد بأنه كفيل بحل معضلة الديمقراطية الحزبية السودانية الموروثة. إذ يكاد من المعلوم سلفا شكل التوافق الذي يمكن أن يتم بين أحزاب طائفية أو مذهبية وموضوع مثل هذا التوافق بأن يكون إما طائفياً أو مذهبياً وليس وطنياً قائماً على مصلحة الوطن أو المواطن. ما الفائده إذا كانت هذه التوافقية المفترضة تنعقد وتنفض على مصالح حزبية ليست وطنية وقد جربنا هذه الائتلافات والاختلافات بين حزبي الأغلبية الطائفيين وكانت النتيجة الثابتة والدائمة هي الانقلابات العسكرية كما حصل في أول إنقلاب عسكري بقيادة عبود ومروراً بإنقلاب نميري إلى آخر إنقلاب والذي نفذه الأنجاس فأذاقونا الأمرين ثلاثين سنة ولازلنا نحاول التخلص منهم ومن خرابهم.

  3. في رأي ان المشكلة ليست في النموذج الذي يطبق ولكن في كيفية التطبيق.
    تفتقر الاحزاب السياسية عندنا الى مبدءين مهمين وهو تطبيق الممارسة الديمقراطية داخل هذه الاحزاب واعتماد معايير الشفافية والحوكمة.
    هنالك احزاب لم يحصل فيها تغيير داخلي منذ قرون واغلبها لا يعرف فيها مصادر التمويل والصرف.
    ايضا نحتاج الى قانون احزاب يلبي هذه المتطلبات ويستصحب معه روح العصر وبدون ذلك فان اي تجربة ديمقراطية سوف تكون كسيحة كسابقاتها في السودان ولن بكتب لها البقاء طويلا
    نصيحة من مراقب لا مختص

  4. نحن لا نختلف مع قول اللورد آرثر هذا ولكن مشكلتنا في السودان تنحصر في المبدأ الأول، التمثيل تحديداً وفي التمثيل التمثيل غير المباشر أي بواسطة أحزاب بدلاً من التمثيل الحقيقي وهو المباشر الذي طرحناه في ردنا على مقالة دكتور النور حمد الترابي الذي لا يرى تحقق الديمقراطية إلا بشرط واحد هو التمثيل الحزبي غير المباشر!!
    إن جل التركة السودانية في الديمقراطية كانت تجربة حزبية وقد كانت مصحوبة بأمراض الطائفية والمذهبية السياسية وخلافها ولم تكن أحزابنا تشبه أحزاب ديمقراطية ويستمنستر أو الكونغرس الأمريكي فيما تقوم عليه الأحزاب الغربية وهو البرنامج الاقتصادي السياسي الاجتماعي وليس الولاء الطائفي أو الجهوي أو الانتماء القومي لقوميات خارج السودان!
    نحن لا نريد مطلقاً لهذه التجربة السابقة أن تستمر أو تتكرر. وبدلاً من ذلك نريد ممارسة الديمقراطية بعيداً عن الحزبية وذلك عن طريق التمثيل المباشر بين الناخبين وممثليهم من مواطنين أكفاء يعرفونهم وينتمون معهم إما لمنطقة جغرافية واحدة أو فئة مهنية وحرفية واحدة أو فئة نوعية معينة من فئات المجتمع ذات المصالح المشتركة.
    ولعله من نافلة القول أن ممارسة الديمقراطية بهذا الشكل يغنينا تماماً عن مشاكل المبدأ الثاني للديمقراطية وبالذات مشكلة الأغلبية المكانكية وهضم حقوق الأقلية – وذلك لعدم إمكانية التكتل الحزبي داخل البرلمان وإنما يكون التكتل حرا وموضوعيا وفقاً للقناعة بعد المداولة للمسألة المحددة وليس بالقناعات الحزبية المسبقة السابقة للمداولات أو المفروضة على نواب كتلة من الكتل.
    بالمقابل فإن ما اقترحه كاتب المقال وأسماه بالديمقراطية التوافقية لا نعتقد بأنه كفيل بحل معضلة الديمقراطية الحزبية السودانية الموروثة. إذ يكاد من المعلوم سلفا شكل التوافق الذي يمكن أن يتم بين أحزاب طائفية أو مذهبية، فيكون اتفاقاً طائفياً أو مذهبياً وليس وطنياً قائماً على مصلحة الوطن أو المواطن. ما الفائده إذا كانت هذه التوافقية المفترضة تنعقد وتنفض على مصالح حزبية ليست وطنية وقد جربنا هذه الائتلافات والاختلافات بين حزبي الأغلبية الطائفيين وكانت النتيجة الثابتة والدائمة هي الانقلابات العسكرية كما حصل في أول إنقلاب عسكري بقيادة عبود ومروراً بإنقلاب نميري إلى آخر إنقلاب والذي نفذه الأنجاس فأذاقونا الأمرين ثلاثين سنة ولازلنا نحاول التخلص منهم ومن خرابهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق