أخبار السودان

اليسار السوداني.. تاريخ مشحون بالنضال والمآسي (1من2)

اليسار العربي.. ماذا تبقى من أيديولوجيته بعد تحولاته الراضخة للواقع؟ (20)

الفكرة اليسارية، ارتبطت نظريا بالنضال من أجل الخلاص من الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي، لكنها واقعيا تباينت ليس في فهم الواقع وتحليله، ولكن أيضا في التعامل معه.

ومع أن أصل مصطلح اليسار يعود تاريخيا إلى الغرب وتحديدا إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، فإنه وجد تطبيقه في أوروبا الشرقية، وتحديدا في الاتحاد السوفييتي مع الثورة البلشفية.. ومعه تغيّر وتشعّب استعمال مصطلح اليسار بحيث أصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء لوصف التيارات المختلفة المتجمعة تحت مظلة اليسار.

عربيا نشأ التيار اليساري (القومي والاشتراكي والماركسي) أواسط القرن الماضي مقترنا مع نشأة الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والرأسمالية الصاعدة يومها.. وبعد الاستقلال تمكنت بعض التيارات اليسارية من الوصول إلى الحكم، وكونت جمهوريات حاولت من خلالها ترجمة الأفكار اليسارية، لكن فكرة الزعيم ظلت أقوى من نبل الأفكار ومثاليتها…

وفي سياق صراع فكري مع التيار الإسلامي المحافظ تحديدا، وسياسي مع الأنظمة العربية التي تسلمت حكم البلاد العربية بعد جلاء المستعمر، استطاع اليساريون العرب الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي الفكري والسياسي العربي الحديث والمعاصر..

وعلى الرغم من شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي رفعها اليسار العربي على مدار تاريخه الطويل، فإنه ومع هبوب رياح الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر العام 2010 مؤذنة بنهاية صفحة من تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر، اتضح أن كثيرا من الشعارات التي رفعها اليساريون العرب لجهة الدفاع عن الحريات والتداول السلمي على السلطة لم تصمد أمام الواقع، وأن اليساريين العرب ورغم تراكم تجاربهم السياسية وثراء مكتبتهم الفكرية، إلا أنهم انحازوا للمؤسسة العسكرية بديلا عن خيارات الصندوق الانتخابي..

“عربي21” تفتح ملف اليسار العربي.. تاريخ نشأته، رموزه، اتجاهاته، مآلاته، في أوسع ملف فكري يتناول تجارب اليساريين العرب في مختلف الأقطار العربية..

اليوم يفتح الكاتب والإعلامي السوداني خالد سعد مع عدد من السياسيين والخبراء السودانيين، تاريخ اليسار السوداني..

عود على بدء

هيأت الثورة الشبابية التي أطاحت بالرئيس السوداني عمر البشير، الفرصة لصعود غير مسبوق لما عرف اصطلاحا بـ “اليسار السوداني”، الذي لم يصل إلى تسلم زمام السلطة في تاريخ السودان إلا في حالات نادرة عبر الانقلابات العسكرية وانتهت سريعا بصراع مرير مع العسكر، عبرت عنه بشكل مأساوي السنوات الأولى من عهد الرئيس الراحل المشير جعفر نميري (1969- 1985)م.

صعود اليسار إلى حكم السودان مجددا بعد سنوات من الغياب، جدد الفكرة القائلة بأن الأفكار لا تموت، وإن غاب روادها الأوائل، فبعد ثلاثين سنة من حكم الإسلاميين، الذي مثلته ثورة الإنقاذ، يعود الشيوعيون تحت يافطة ديمقراطية جديدة لحكم السودان وقيادة مرحلة مختلفة المعالم والولاءات.

مقاومة المستعمر

عرف السودان التيارات اليسارية منذ عشرينات القرن الماضي في خضم مقاومة السودانيين للاستعمار البريطاني المصري (1898- 1956)م، إلا أن اليسار بالمفهوم السياسي السائد بدأ في الظهور بشكل أكثر وضوحا وسط عدد من السودانيين الذين كانوا في مصر خلال أربعينات القرن الماضي حيث اطلعوا بشكل غير عميق على الأفكار الاشتراكية والماركسية واللينينية.

يضع الباحثون في تاريخ السياسة السودانية، الحزب الشيوعي في صدارة القوى المصنفة في خانة اليسار، لأقدميته، ولفعاليته في المشهد السياسي منذ تكوينه وحتى الآن رغم ضآلة قوته العددية في المقارنة مع الأحزاب المصنفة يمينا، لكنه يظل الأكبر من ناحية عددية، في مقارنته مع الأحزاب اليسارية الأخرى في السودان مثل القوميون العرب ممثلين في عديد من التنظيمات أبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الناصري، وحزب المؤتمر السوداني الذي يضعه الباحثون في تصنيف (يسار الوسط) لأسباب فكرية متعلقة بعدم قبوله بمناهج الاشتراكية العلمية أو الماركسية رغم اتفاقه مع بقية مكونات اليسار على مشروع الدولة المدنية العلمانية.

وانتقلت الشيوعية كتنظيم سياسي إلى السودان بعد التحاق عدد من السودانيين بحركة شيوعية في مصر (حدتو) تزعمها مليونيرا إيطاليا يدعى هنري كوريل، وتقول وثائق رسمية للحزب الشيوعي اطلعت عليها “عربي21” إن نشأة الحزب الحالي بدأت بتأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) تأسست في آب (اغسطس) 1946م من عمال ومثقفين وطلبة.

ومنذ تأسيسه اهتدى الحزب بالماركسية كمنهج وفق ظروف وخصائص السودان، وبحسب عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي الراحل في كتابه “لمحات من تاريخ الحزب” فإن الحركة: “ارتبطت منذ تأسيسها بالنضال والمظاهرات ضد الاستعمار، وقدمت الحركة عموميات الماركسية باللغة العربية، وجذبت عددا من المثقفين الوطنيين والعمال لصفوفها، وارتبطت بالحركة الوطنية التحررية منذ نشأتها.

انشقاق مبكر

وقبل استقلال السودان دار وسط الشيوعيين السودانيين صراع فكري حول: هل يظل الحزب الشيوعي مستقلا سياسيا وفكريا وتنظيميا أم يكون جناحا يساريا داخل الأحزاب الاتحادية وكان من نتائج هذا الصراع أن ساد اتجاه الوجود المستقل للحزب، لكنه تسبب في أول انشقاق بالحزب بخروج سكرتيره التنظيمي عوض عبد الرازق الذي دعا إلى تحجيم الخط اليساري المتعجل، ووصف التحول إلى حزب ماركسي لينيني بأنه “طفولة يسارية”.

وبعد خروج عبد الرازق ومجموعته، وإعلان استقلال السودان 1956م، خرج حزب يجاهر لأول مرة إلى العلن بتوجهه الشيوعي في مجتمع تسوده الثقافة الإسلامية في غالبيته، وتقوده المؤسسة الدينية بتياراتها المختلفة، وبدأ في تأسيس هيئة للعمال، وتنظيمات “رابطة الطلبة الشيوعيين” و”مؤتمر الطلبة” و”الجبهة الديمقراطية للطلاب”، و”رابطة النساء الشيوعيات” و”الاتحاد النسائي”، و”اتحاد الشباب”، واتحادات العمال والمزارعين والموظفين والمعلمين..الخ.

يقول الباحث في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني عبد القادر اسماعيل لـ“عربي21”: “إن الرواية التي يعتمدها ويستند عليها المنتمون للحزب الشيوعي في التأريخ لحزبهم هو أنه في العام 1946م اجتمعت حلقة صغيرة من المثقفين وبعض الطلبة وعنصر قليل من العمال ممن عرفوا الماركسية والمبادئ الاشتراكية  وممن احتكوا بالتنظيمات الشيوعي في مصر وبعض المتأثرين بشيوعيين بريطانيين كانوا يعملون كموظفين في السودان، ووضعت شعار النضال ضد الاستعمار بوصفة قضية البلاد، وتزامن هذا التكوين مع مهرجان تكوين الأحزاب السودانية الأخرى”.

يشير اسماعيل، الذي أصدر كتابا بعنوان “من التأسيس إلى التجديد.. أضواء على تجربة الحزب الشيوعي السوداني”، إلى أن بداية الحزب كانت سرية ولم تك لها ارتباطات طائفية أو قبلية، موضحا بأن السرية في نشاط الحزب شغلت تفكير الشيوعيين السودانيين والباحثين في تاريخ هذا الحزب لاحقا حول ماذا سيكون مصير حزبهم إن لم تكن بدايته سرية متأثرة بالنشاط السري للحركة المصرية للتحرر الوطني؟.

ماركسية بلا عمال

ويلاحظ إسماعيل أن واقع السودان في تلك الفترة لم تتشكل فيه طبقة عاملة بالمعنى المفهوم الذي يستند عليه حزب شيوعي، إذ واجه التنظيم الجديد الذي يحمل مبادئ اشتراكية وقائم على برنامج وأفكار ماركسية هذه المشكلة، ما دفع المؤسسين لهذا التنظيم إلى البحث لإيجاد طريقة يمكن بها النفاذ إلى المجتمع فاعتمدوا في تكوين حزبهم على قوى اجتماعية لم تحظ باهتمام الأحزاب الطائفية والقوى التقليدية فتوسع نشاطهم وسط الطلاب والعمال والمزارعين، وهو ما يتسق ـ حسب رؤية الباحث ـ مع جوهر الفكر الاشتراكي الذي يعنى بالنضال وسط هذه الطبقات، والمنهج الماركسي الذي يقرأ تطور المجتمعات ودراسة الأحوال فيها وفقا للتركيبة الطبقية للمجتمع وعلاقات الإنتاج والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة.

ويشير إسماعيل إلى أن من الممكن أن الثورة في مصر 1952م قد شكلت أحد الدوافع لبناء الحزب الشيوعي السوداني بتأثيراتها الفكرية على الحركة السياسية السودانية بما فيها تنظيمات القوميين العرب السودانية، حيث بدأوا في تكوين تنظيمات لهم في الجيش، وهي الخلفية التي يراها الباحث مدخلا لفهم وتحليل تورط اليساريين في قيام ودعم الإنقلابات العسكرية بديلا عن الثورة والحركة الجماهيرية الديمقراطية للتغيير.

القوميون العرب

يؤرخ الراحل محمد علي جادين القيادي البعثي المعروف أن أول اتصال منظم من قبل مركز حزب البعث بمنظمات الإشتراكيين في السودان كان عام 1959م عندما أوفدت شعبة الطلبة العرب التابعة لحزب البعث في القاهرة إلى جامعة القاهرة فرع الخرطوم وكان بينهم طالب سوداني هو الدكتور حسن أحمد عبد الهادي، الذي وضع خطة لإنشاء أول خلية حزبية للبعث في السودان، حيث كانت هنالك مجموعة من السودانيين تنظيم للطليعة العربية التقدمية وصارت لاحقا بعد التدريب الحزبي أول خلية للحزب في السودان، وحددت أهدافها في مراعاة ظروف وحدة التيار القومي وعدم الاصطدام بالناصريين والاستفادة من تجارب الحزب التنظيمية في الاقطار الأخرى والعمل على تأكيد هوية السودان القومية وايقاظ الوجدان القومي في مواجهة الحركات الاقليمية والأممية والرجعية، والتفاعل مع حركة الاشتراكيين العرب، وانتزاع الفكر القومي من الفئات والحركات البرجوازية وشبه الاقطاعية التقليدية في اشارة للأحزاب التقليدية الكبيرة في السودان (الأمة والاتحادي).

وبحلول عام 1962 عبر هذا التطور عن نفسه في صدور تحليل سياسي شامل هو المحاولة الأولي لتطبيق المنهج والمنطلقات الفكرية العامة للحركة القومية بجناحيها البعثي والناصري على الواقع المحلي مما وفر دليلا نظريا وموجها للعمل السياسي للتيار القومي بمجمله حافظا بذلك وحدته في “منظمات الاشتراكيين العرب” وذلك بعد نشوب الصراع بين الناصرية وحزب البعث العربي الاشتراكي خارج السودان.

دخل الحزب البعثي في صراعات مع الحكم العسكري الأول بقيادة الجنرال عبود ووقف في خانة المعارضة وساهم بفعالية في إسقاط النظام بثورة شعبية في تشرين أول (أكتوبر) 1964م، واستفاد من علاقاته الخارجية وخصوصا العراق في توسيع قاعدته في كافة أنحاء السودان وخصوصا بابتعاث الطلاب السودانيين للدراسة في العراق وسوريا قبل انشقاق القيادة القطرية بين بغداد وحلب، ولاحقا انقسم تنظيم السودان أيضا إلى ثلاث: البعث الذي أيد العراق في حرب الخليج، والبعث السوداني الذي استقل عن التنظيمات القطرية العربية، والبعث جناح سوريا.

بيد أن أول خلية لتيار الفكر القومي العربي في السودان كانت تضم شخصيات سودانية مستقلة عن حزب البعث وذات ميول للحركة الناصرية أكثر مما هي مؤمنة بأصول أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي.

على صعيد الحزب النصاري، فقد تأسس متأثرا بتسلم حركة الضباط بقيادة جمال عبد الناصر في تموز (يوليو) 1952م، وعند حدوث الانفصال في تيار القوميين العرب بين العراق وسوريا، عام 1961 بدأ التمايز يكون واضحا بين التيارين الأساسيين داخل تنظيم “الطليعة القومية العربية” في السودان وأخذ الصراع منحى الاختلاف والتباين بشكل واضح. وفي عام 63 عقد المؤتمر الشهير باسم “الجريف” بالخرطوم وفي هذا المؤتمر انفصل الناصريون عن تنظيم الطليعة التقدمية العربية وبدأ العمل الناصري منذ هذا التاريخ وانقسم الناصريون إلى عدة تنظيمات منها الاتحاد الاشتراكي العربي القطر السوداني برئاسة بابكر عوض الله وتنظيم آخر وهو” القوى الاشتراكية العربية” وكان هناك ناصريون مستقلون لم يدخلوا تلك التنظيمات.

وفي العام 1969 عند قيام نظام مايو بقيادة النميري أتجه الناصريون على كافة اختلافاتهم إلى موالاة النظام الجديد. وانخرطوا في تنظيمات الثورة مثل كتائب وطلائع مايو وفي التنظيمات العسكرية مثل الحرس الوطني. وفي عام 72 وبعد أن اتضحت ملامح تخلي نظام مايو عن توجهاته الاشتراكية والقومية كانت هناك قراءة جديدة لنظام مايو على إثرها خرج الناصريون من كافة تنظيمات نظام مايو. إلا أنه كانت هناك تقف القيادات الناصرية استمرت تعمل في صفوف الاتحاد الاشتراكي السوداني وهو التنظيم السياسي لنظام مايو.

في عام 1973 أعلنت مجموعة من القيادات الشعبية الناصرية عن تأسيس رابطة الطلاب الوحدويين الناصريين كتنظيم طلابي يقود العمل الناصري في كافة المؤسسات التعليمية ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا تعمل الرابطة في كافة الجامعات والمؤسسات التعليمية السودانية .

ووسط الطلاب السودانيين في الجامعات خارج القطر في عام 1980 وبمبادرة من القيادات التي تخرجت من الجامعات وكانت تعمل ضمن رابطة الطلاب الوحدويين الناصريين تم تفعيل الحواريين كافة القوى والقيادات الناصرية في السودان تمهيدا لتأسيس حزب سياسي ناصري يضم كافة الناصريين في السودان وبالفعل تم الأعلان في 28 أيلول (سبتمبر) 1980 (في ذكرى رحيل الزعيم “جمال عبد الناصر”) عن قيام التنظيم الاشتراكي العربي الناصري والذي تحول اسمه بعد انتفاضة نيسان (أبريل) 1985 إلى الحزب الاشتراكي العربي الناصري كما انضم الحزب إلى صفوف المعارضة السودانية لنظام مايو بقيادة جعفر نميري وقد شارك الحزب مشاركة فعالة في انتفاضة نيسان (أبريل) 1985 التي أطاحت بنظام مايو.

ومع انقلاب الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس عمر البشير في العام 1989 حظر النظام الأحزاب السياسية وحل النقابات لجأ الحزب الناصري إلى أسلوب العمل السري، وتركز نشاط الحزب على العمل من خلال الحركة الطلابية في الجامعات السودانية المختلفة وشارك الحزب في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي وهو التنظيم الأساسي الذي قاد المعارضة في تلك الفترة وبعد توقيع أتفاقية السلام بين حكومة الرئيس البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في كانون ثاني (يناير) 2005 خلقت هذه المعاهدة واقعا سياسيا جديدا، حيث أن الاتفاقية أقرت حرية النشاط السياسي للتنظيمات السياسية التي بدأت تنشط بشكل علني داخل البلاد.

الخرطوم ـ عربي21 ـ خالد سعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..