تعقيب على الأستاذ بدرالدين يوسف السيمت (4)

خالد الحاج عبدالمحمود

الأصالة والتأويل

بسم الله الرحمن الرحيم
“يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”

ذكرنا أن الأستاذ بدرالدين كان من الاخوان المسلمين، ثم من الجمهوريين، ثم اتجه الى الأديان الهندية، واخيرا استقر على ما اسماه جذوة التأويل.. وادعى مقامات عالية.. ادعى الأصالة وادعى انه تفوق على الأنبياء بمن فيهم محمد صلى الله عليه وسلم!! ونحن لنعرض موقفه من الافضل ان نبدأ حديثنا بالأصيل نفسه، ثم ندخل على موضوع اصالته والمقامات التي يزعم انه حققها.. اتفق لي ان عاصرت جميع فترة الأستاذ بدرالدين التي قضاها في المجتمع الجمهوري، من اخريات ايام معارضته بالروصيرص الى أن التزم، ثم الى أن فارق الفكرة.. فأنا ملم بأوضاع الأستاذ بدرالدين في هذه الفترة بصورة وافية.

يزعم الأستاذ بدرالدين بأنه فارق الفكرة لخلافات فكرية، وهذا قول باطل، فهو قد فارق الفكرة بصورة تراجيدية لأسباب تتعلق بالسلوك، فقد ظهر عدم مقدرته على التزام المنهاج (طريق محمد صلى الله عليه وسلم).. فهو قد عجز عن التزام قيم التقليد.. وعندما انكشفت مفارقته، كان من الطبيعي ان يهبط الى المستوى الذي يناسبه.. فقد شق عليه ذلك كثيرا، فالسقطة كانت مدوية.. لم يستطع ان يصبر بالصورة التي يقتضيها السلوك الديني، فيتوب الى ربه ويرجع اليه تعالى عله يقبله.. قضى بعض الوقت يحاول.. الكثير من البكاء وتأخير النفس، والجلوس على البرش، وكان يطمع ان يسترد مكانته بسرعة، ولكن هذا لم يتم بالصورة التي كان يتمناها، فقد كانت محاولاته عبارة عن بحث عن المكانة، وليست توبة خالصة لله، وهذا لا يجدي.. فلما اتضح له انه لا مجال لارجاعه للمكانة التي يرجوها، انقطع عن الحركة، وغاب عن منزل الأستاذ، فاقترحت انا والأستاذ جمعة حسن على الأستاذ محمود أن يُعطى فرصة.. وافق الأستاذ وأرسل اليه وفدا بقيادة الأستاذ سعيد شايب، ولقد كنت ضمن ذلك الوفد.. ولم تُجدِ المقابلة، فاستمر في انقطاعه.. وبعد ذلك اصبح يزعم أنه فارق الفكرة بسبب خلاف في موضوع الأصالة – موضوع الاصالة قائم ولكنه ليس سبب المفارقة- هذا محض خداع لنفسه، وكذب عليها وعلى الآخرين.
بعد ان فارق مضى وقت طويل لم تصلني فيه اخباره، وكان قد خرج من السودان.. واتفق أن التقيت بأخ من أهلنا بالحي هو هشام الهادي، وذكر لي أنه جار للأستاذ بدرالدين في الامارات، وقال لي ان بدرالدين هذه الايام غارق في الاطلاع على الاديان الهندية، واصبح يمارس اليوغا.. وذكر لي أنه اصبح يفتح الطبلة بنظره!!

وبعد فترة اتصل بي الأستاذ علي احمد ابراهيم، وأخبرني أن للأستاذ بدرالدين افكار خطيرة جدا، يتبنى فيها الهندوسية، ويزعم أنه تجاوز الأديان بما فيها الاسلام، كما تجاوز الأنبياء بمن فيهم النبي الكريم.. وكان استاذ علي مشفقا عليه من ان يتم ذيوع هذه الأفكار مما يعرضه للخطر.. وأحضر لنا استاذ علي شريطا فيه تسجيل للأستاذ بدرالدين يتناول ما ذكره.. استمعت للشريط مع بعض الاخوان ، وحرصت في ألا اتوسع في اذاعته.. وعندما استمعنا الى الشريط ، وجدته أخطر من التصور الذي نقله استاذ علي.. وفي الشريط كان بدرالدين منحازا للأديان الهندية، يفضلها على الاسلام، وزعم انه لا يستشهد بالقرآن الا لاعتبارات المسلمين العرب!! وتحدث عن كيف انه تجاوز بحار المعرفة، وتجاوز الانبياء بمن فيهم المعصوم!!

كتبت خطابا للاستاذ بدرالدين انصحه فيه، وأحذره.. واعطيته لاستاذ علي فاوصله اليه.. فصمت بدرالدين طويلا، وانقطعت اخباره عني، الى أن وصلني خبره في صورته الجديدة – صورة التأويل – فيما اسماه (جذوة التأويل).. فقام في ذهني انه تخلى عن الأديان الهندية، ورجع الى القرآن، الى أن اصبح يكتب في الصالون، فوجدت انه لم يتخل عن الافكار الهندية ، وإنما اتجه في تأويله الباس الاسلام ثوب الأفكار الهندية!! وكان هذا أسوأ ما صار اليه.. كما أنه بدل ان يتخلى عن دعاويه في الاصالة، وتخطي مقامات الأنبياء، ذهب ليؤكد هذه الدعاوى.. فقمت بمناقشة افكاره التي عرضها في الصالون، في عدة حلقات.. ثم اخرج بعض الكتب ضمنها الحديث عن مقامه، والحديث عن ما اسماه تأويل..

هذه مقدمة ضرورية جدا للتعريف بالأستاذ بدرالدين، تعين على معرفة ما يقول.. القضية الأساسية في أمر بدرالدين، هي الحدث الذي بسببه هبط في ميزان قيم الدين، فوضع في موضعه.. كلما جرى بعد ذلك يدور حول هذا الحدث بصورة من الصور.. فبدر الدين عندما عجز عن الرجوع الى ربه بالتوبة، سولت له نفسه أن يغطي الحدث عن نفسه وعن الآخرين بإدعاء المقامات العليا، فكان هذا اسوأ من الحدث بكثير.. المهم ان نقرر هنا أن الحدث هو محور كل نشاطه، وهو الذي يفسر كل اقواله ومزاعمه.. فالظاهرة ظاهرة سيكولوجية، وليست فكرية وكلها ترتبط بموضوع السلب الروحي، وهو موضوع خطير جدا.. خضع بدرالدين لنفسه، وهي نفس قاهرة هيمنت على العقل وسخرته لأغراضها، وعلى رأس هذه الاغراض أن تظهر بمظهر الكمال لتغطِّي واقع النقص الذي هي فيه.. واختارت ان تسوق صاحبها الى ادعاء ارفع مقامات الكمال.. فهي لا تريده أن ينظر الى الداخل، لأنه مخيف ومزعج، فساقته الى ان يرفع رأسه دائما، وينظر الى اعلى المقامات مما تتمناه النفس، ويستبدل بهذا التمني الواقع .. هكذا كانت المفارقة هائلة وبصورة لا تصدق.. من العجز عن التزام الشريعة الى ادعاء الأصالة!! على كلٍ، هنا موطن العقدة الأساسية التي ظلت تلازمه الى اليوم، فكل ما يصدر عنه يدور حول هذه العقدة.. فهو يريد ان يغطي واقعه عن نفسه وعن الاخرين، فرفع رأسه الى اعلى الأعالي، واخترع له واقعا افتراضيا بدل واقعه الحقيقي في الأدنى.. فأصبح لا يريد النظر الى تحت حيث الحقيقة، ويتجنب هذا النظر بكل سبيل.. فظل الى اليوم يعيش في هذا الوهم، ولا يريد ان يعرف أنه وهم من صنعه هو، صنعه ليداري به واقعه الحقيقي!! والأكثر من ذلك ذهب لينكر وجود الوهم كما سنرى من اقواله.. والأمر في السلوك الديني لا يعالج بهذه الصورة.. هو لا يعالج بالانكار، بل يعالج بمواجهة نقص عيوب النفس، عيوب العمل ليصححها.. والبراءة تكون بالتوبة والرجوع الى الله.. ومهما تعاظم الذنب ، فإن مغفرة الله أعظم، فهو لا يتعاظمه شيء، فباب الرحمة هو اوسع الأبواب، يقول تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”.. هذا هو الحل الوحيد، الذي لا حل غيره، كان، ولا يزال، ولن ينفك.. ولكن الأستاذ بدرالدين اختار الوهم وتغطية الواقع، فأصبح يتخبط بالصورة التي رأيناها، وسنرى أكثر.

ومنذ البداية اصبح موقف الأستاذ بدرالدين من الاخوان الجمهوريين، موقفا غريبا جدا.. فهو يحقد عليهم، وقد قال الأستاذ محمود، في فترة المحنة، وكان بدرالدين وقتها يحاول أن يتماسك ويعالج موقفه، قال الأستاذ: بدرالدين وشو اسود من الحقد علينا، قايل نحن ظلمناه، نحن ما ظلمناه!! وقد ظهر هذا الحقد في اسوأ حالاته، عندما قدم الاستاذ للمحاكمة.. ذكر لنا الأخ متوكل مصطفى حسين، انه في لقاء مع عوض الجيد المحامي، وأحد زعماء التآمر على اغتيال الأستاذ، قال له عوض الجيد، أن الاستاذ بدرالدين يوسف السيمت، شجعهم ان يمضوا في محاكمتهم، وتنفيذ الحكم، ولن يصيبهم أي ضرر روحي!! وصل الحقد ببدرالدين الى هذا المستوى.. وهو يحقد على الجمهوريين عموما لأنهم بمجرد وجودهم يذكرونه بواقعه الذي لا يريد أن يتذكره.. كما أنه يحقد عليهم لأنهم استمروا في السلوك وفق نهج الطريق، حين فشل هو وعجز عن التقليد، وقيم التقليد.. ومع هذا ظل بدرالدين يحاول دائما أن يكون متماسكا، ويظهر خلاف ما يبطن، فهو يطمع ان يجد من بين الجمهوريين من يقف الى جانبه، حتى تقول النفس انا لست وحدي.. اصبح الجمهوريين موضع حقد وموضع طمع!! هو يكرههم، ولا يجد قبلة سواهم، وهو يراهن على التزامهم، بما يضمن عدم جرحه لتذكيره بواقعه بصورة مباشرة.. وبلغت الغفلة بالأستاذ بدرالدين حد ان ذهب يحدث الأستاذ عوض الكريم موسى عن اصالته.. فقال له عوض الكريم: اصحاب المقامات الكبيرة مثل الاستاذ محمود يكونون محفوظين طوال حياتهم، وأنا وأنت ليس لنا حظ في المقامات الكبيرة، لأننا لم نكن محفوظين.. بالطبع فهم بدرالدين ما يقصد عوض، فصمت.

هذه لمحة عامة عن الأستاذ بدرالدين كما عرفته، وليس كل ما يعرف يقال!! ولكن احب أن اذكر للأستاذ بدرالدين، أن بعض قيادات الاخوان المسلمين يعرفون!! وقد ذكر أحدهم أن الأستاذ محمود طرد بدرالدين، لأسباب ذكرها المتحدث.. والأستاذ لم يطرد بدرالدين، ولا يمكن أن يطرد احد.. ولكن السلب في العمل الروحي دائما قائم!!

أما بدر الدين عند نفسه، اقصد بعبارة عند نفسه، الصورة التي ترسمها له نفسه، حسب رغبته وهواه، فهو ما يعبر عنه بدالدين بمزاعمه عن الاصالة، والمكانة العالية الرفيعة التي صار اليها كما توهمه نفسه.. فنحن نورد بعض اقواله التي تشير الى هذا الواقع الافتراضي . قد رأينا في قوله الذي اوردناه عن كريشنامورتي انه بدرالدين يبدأ من نقطة خارج الزمان والمكان، وانه تجاوز الأديان جميعها بما في ذلك الاسلام، وهو يبدأ من نقطة وراء الأديان، فلنسمع بعض اقواله في هذا الصدد، يقول الأستاذ بدرالدين: “إن أمرنا هذا يقع وراء الأديان ، ويبدأ حيث تنتهى العقيدة..”.. ( ص 76تصاوير على حواشى القلوب.. وارهاصات الثورة الفكرية)..

ويقول: (التأويل أمر اختصانى به الله ” والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ” التأويل هو بقية الله فى الوجود وفضلته ، وفضل الله بيد الله يؤتيه من يشاء..).. ص181 – 182.. من كتاب (علامات في طريق غير مطروق).. ويقول: (أما الذى عنده علم الكتاب ، فهو صاحب التأويل الذى ينزل القرأن كله على قلبه ، جملة واحدة فى لحظة واحدة..).. ص 180.. من كتاب (تصاوير على حواشى القلوب.. وارهاصات الثورة الفكرية)..

ويقول: (أن القرآن نفسـه ينزل مرتين ، مرة على محـمد ، بالتفـسير ، ومرة على كل مسـلم بالتأويل ، وهذا معنى قوله ” ونزلناه تنزيلا ” أى تنزيلا بعد تنزيل !! وهذا ما عليه ، أنا ، ومنذ حين من الدهر ، ولكنى ، لا أكلف به أحدا : ” فقاتل فى سبيل الله ، لا تكلف الا نفسك”..).. ص 34 كتاب (ما وراء الكلمات .. على شواطئ الأبدية).. لاحظ أنه يضع نفسه فوق النبي الكريم.. وهذا النص سنرجع اليه، عندما نتحدث عن النبي في نظر الأستاذ بدرالدين..

ويقول بدرالدين: (واما انك لم تر الله ، ولم تر الوعد ، فكنت علي الباطل ، ولا يغير في هذا قولك انك مسلم ، او مسيحي..).. صالون.. وهو عند نفسه رأى الله ورأى الحق ولذلك هو على الحق.. اما جميع المسلمين الذين لم يروا الله فهم على الباطل.. وسنرى بقية اقواله التي تبين مقامه عند نفسه.. المهم هنا أن نحدد أن بدرالدين عند نفسه على أصالة، وهو يبدأ من نقطة خارج الزمان والمكان، ووراء الأديان بما فيها الاسلام، وأن مقامه اكبر من مقام النبي صلى الله عليه وسلم، وبالطبع اكبر من مقامات الانبياء الآخرين.

يتبع….
خالد الحاج عبدالمحمود
رفاعة في 28/6/2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق