مقالات وآراء

تعقيب على الاستاذ بدرالدين يوسف السيمت (5-أ)

بسم الله الرحمن الرحيم
“يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”

القرآن والنبي الكريم:

موضوع بدرالدين الأساسي، اصبح تأويل القرآن، فما هو القرآن عنده؟ المعروف أن القرآن كلام الله نزل على سيدنا محمد عن طريق ملك الوحي جبريل.. ولا خلاف بين المسلمين في هذا الأمر.. ولكن الأستاذ بدرالدين له رأي آخر، يختلف عن الذي ذكرناه.. فالقرآن، بين دفتي المصحف، عنده هو قرآن محمد وليس منزلا عن طريق ملك الوحي جبريل!!

وهو يقول في هذا الصدد: (هنا لا كتب، ولا كلمات ، ولا حروف.. نحن هنا نتلو الكتاب الاصلي الذى كتبه الله بنفسه!! الكتاب الام لكل الكتب، المذكور في القرآن.. كتاب الطبيعة.. كل الكتب الاخرى كتبت بواسطة الانسان..).. (الصالون).. هذا المعنى متكرر بصور مختلفة في كتابات بدرالدين.. إذاً، عند بدرالدين، كتاب الله الحقيقي هو (الطبيعة)!!

فهو عنده الكتاب الوحيد الذي كتبه الله بنفسه، فكل الكتب الأخرى كتبت بواسطة الانسان.. كتاب الطبيعة هذا هو عند بدرالدين المشار اليه في القرآن بقوله تعالى:” وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ”، فأم الكتاب عنده هي الطبيعة.. والآية تقول عن ام الكتاب (لدينا) أي عند الذات.. وعند الذات، بالنسبة لبدرالدين تعني الطبيعة!!

وبالطبع هذه مفارقة لا مثيل لها.. فالذات في الاطلاق، وهي منطقة وحدة مطلقة، والطبيعة محدودة، وتقوم على التعدد.. فمن اجل ذلك في التفكير السليم من المستحيل ان تكون ام الكتاب هي الطبيعة.. المهم الطبيعة عند بدرالدين هي القرآن الوحيد الذي كتبه الله بنفسه.. وجميع الكتب الأخرى بما فيها القرآن بين دفتي المصحف، هي كتب بشر كتبها البشر وليس الله!! يقول الأستاذ بدرالدين: (الكتاب المحكم لا يتبدل.. ولا معقب عليه في كل لحظة “والله يحكم لا معقب لحكمه” لا يعقب عليه الا العاقب ، لان العاقب يردد كتاب الكون، الصورة العملية لهذا، هو ان الله يتكلم بحوادث الزمان فكلما وقع حادث، رضي به العارف، اي بالموافقة.. ومن هنا سمي محمد “العاقب” لانه يعقب علي كلام الله، في الكون، بالموافقة.. كلما سجل محمد موافقته لله بلسان عربي، كان ذلك قرآنا، وكلام محمد هو كلام الله بهذا المعنى)!! الصالون.. عند بدرالدين القرآن بين دفتي المصحف هو كلام محمد صلى الله عليه وسلم، وليس كلام الله نزل به الملك جبريل.. وعنده القرآن ليس هو كلام الله بمعنى الوحي، وإنما هو كلام محمد، ويعتبر كلام الله لموافقته كلام الله في الطبيعة.. خلاصة الأمر أن القرآن عند بدرالدين هو قرآن محمد صلى الله عليه وسلم..

ويقول في موضع آخر: (اما الكتاب الذي يوضع موضع التنفيذ في كل لحظة، هو الكتاب غير المسطور، المكتوب بحروف الكائنات، الكتاب المحكم، ومحمد ادني من الكتاب المحكم، لان الله اعلي من محمد !! والكتاب المحكم هو كتاب الكون، والكون هو ظل الله، هو صفة الله القديمة، القائمة بذاته، وصفته ليست غيره.. والكتاب المتشابه هو الصورة اللفظية لكتاب الكون، كما جرت علي لسان محمد .. وأحب لك أن تلاحظ أن الكتاب المتشابه هو كتاب محكم بالنسبة لمحمد، او لمن ينظر بنظر محمد، اما لغيرهم فهو كتاب متشابه كله!! لذا فإن لكل انسان قرآنه..)!!

الصالون.. هذا قول كله يقوم على الشرك الغليظ، كما يقوم على ذم النبي الكريم والحط من شأنه بصورة مبالغ فيها.. فالكتاب المحكم في زعم بدرالدين، هو كتاب الطبيعة، ومحمد عنده (ادنى من كتاب الطبيعة)، وحتى بمنطقه هو، هذا أمر لا يستقيم مع العقل.. فمحمد صلى الله عليه وسلم من الطبيعة، كيف يكون هو أدنى منها؟! كل بشر هو من الطبيعة وفي قمة الطبيعة، ومحمد صلى الله عليه وسلم في قمة البشر.. القول بأن محمد صلى الله عليه وسلم ادنى من الطبيعة، هو منتهى سوء الأدب مع النبي الكريم، وهو لا يقوم على أي عقل، ولا توجد أي ضرورة لقوله.. فكون النبي عنده ادنى من الطبيعة يعني انه ادنى من الحجر والشجر والحيوان، الى آخر صور الطبيعة.. وفي الاستدلال على ان سيدنا محمد ادنى من الكتاب المحكم، كتاب الطبيعة المكتوب بحروف الكائنات، يقول بدرالدين (لأن الله اعلى من محمد)، ولكن كلامك عن الطبيعة وليس عن الله.. حتى لو كنت تقصد ان الطبيعة هي الله، فلا يستقيم أن تقول ان محمد ادنى من الطبيعة _ الكتاب المحكم _ لأنه من الطبيعة.. المهم أن الاستاذ بدرالدين يقرر ان محمد صلى الله عليه وسلم ادنى من الطبيعة _ الكتاب المحكم..

لاحظ قوله: (والكتاب المحكم هو كتاب الكون، والكون هو ظل الله، هو صفة الله القديمة، القائمة بذاته، وصفته ليست غيره..)!!

واضح جداً أنه يتحدث عن وحدة الوجود عند الهندوس، وهي شديدة البطلان بمنظور الاسلام.. لا يمكن أن يقال أن الكون هو صفة الله القديمة القائمة بذاته.. الكون هو فعل الله، والفعل هو صفة الله وليس الكون.. الكون مظهر لهذه الصفة، وهذا ما عبر عنه هو بعبارة (ظل الله).. فظل الله لا يمكن ان يكون هو ذات الله.. حتى في الاشياء المادية، الظل، ظل أي شيء، ليس هو الشيء نفسه.. صفات الله لا تكون هي الذات الا عند التناهي، تناهي ادراك العقول.. اما تجسيد هذه الصفات في الأرض، فهو ليس الصفات اولاً، وإنما هو مظهر الصفات.. وهذا المظهر من المستحيل عقلا ان يكون هو ذات الله.. هذه جهالة وشرك غليظ جداً.. من النص اعلاه يعتبر بدرالدين ان القرآن متشابه كله (فهو متشابه كله)..

وهذا القول يجعل من يتبعون القرآن، في زعم بدرالدين ينطبق عليهم قول الله تعالى: ” فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”.. فحسب النص يقرر بدرالدين أن لكل انسان قرآنه، والاستدلال على هذا الزعم يوضح بصورة صارخة زيف التأويل عند بدرالدين، فهو يستنتج من زعمه أنه عند محمد، ومن يتبع محمدا (القرآن كتاب متشابه كله)، ويستنتج من زعمه الباطل هذا ان لكل انسان قرآنه.. قوله: ” اما الكتاب الذي يوضع موضع التنفيذ في كل لحظة، هو الكتاب غير المسطور”.. فهو يشير بهذا الى قوله تعالى: ” وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”..

والآية تفيد بأن القرآن يوضع موضع التطبيق، وتقوم عليه جنة الأرض.. فعند بدرالدين ان القرآن بين دفتي المصحف ليس للتطبيق، وإنما ينبغي وضعه جانباً، أي تركه، والذي يوضع موضع التنفيذ هو كتاب الأكوان.. يقول بدرالدين عن وضع القرآن جانبا، ما نصه: (الذي يوضع جانبا، هو الكتاب المسطور، في الكلمات العربية، اي الكتاب المتشابه، ومحمد اعلي من الكتاب المسطور، لان العارف فوق ما يقول!! اما الكتاب الذي يوضع موضع التنفيذ في كل لحظة، هو الكتاب غير المسطور، المكتوب بحروف الكائنات، المحكم، ومحمد ادني من الكتاب المحكم..)!!

الصالون.. فالقرآن عنده ليس للتطبيق.. ليس للسلوك العملي والتخلق في الوقت الحاضر، وليس للتطبيق في المستقبل كما هو الوعد الالهي.. فعند بدرالدين القرآن يوضع جانبا، إذا فلماذا كل هذا التهريج في الحديث عن التأويل؟!

مما يؤكد أن بدرالدين لا يؤمن بأن القرآن موحى به من الله عن طريق ملك الوحي جبريل، قوله: (فالله يوحي الي الارض، والى النمل، والي محمد، والى الملائكة، والى ام موسي، والى الحواريين، فى نفس واحد!! يعني الأعلي يتجلى علي كل مراتب الوجود بفن واحد..).. الصالون.. هذه مغالطة فجة لا قيمة لها، فكالعادة بدرالدين يفكر بالكلمات، والكلمات عنده تحكم المعنى.. فعندما وجد كلمة (وحي) استخدمت في القرآن، في حق النحل، وفي حق ام موسى مثلا، اعتبر هذا هو نفس الوحي للرسل وهذه جهالة مبالغ فيها، ولا تجوز على احد.. فالوحي للرسل يتم عن طريق ملك الوحي جبريل.. فهو يقوم على عمل في الشريعة، في المعنى الاصطلاحي العام.. فمن المعروف بداهة ان النبي صلى الله عليه وسلم اوحي اليه بالقرآن عن طرق جبريل.. أما الوحي للنحل وإلى ام موسى، فهو عمل في التسيير- هو القاء للموحى اليه، ولا علاقة له مباشرة بملك الوحي جبريل.. والقول على ان الله يتجلى على كل (مراتب الوجود بفن واحد)، قول خاطيء وليس لبدرالدين عليه أي دليل.. العكس هو الصحيح، فتجليات الله وهي ظهوره لخلقه، بعدد اختلاف الخلق، فهو تعالى لا يتجلى لذرتين تجلٍ واحد، ” كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ” وشأنه هو ابداء ذاته لخلقه، ويوم التجلي هو اصغر زمن، يكاد يخرج من الزمن.. فالله تعالى لا يتجلى في لحظتين مختلفين تجلٍّ واحد، فهذا تكرار وعجز لا يلحق به تعالى.

المهم ان الاستاذ بدرالدين يزعم ان لكل انسان قرآنه، وان القرآن بين دفتي المصحف هو قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عند بدرالدين ليس موحى به من الله عن طريق الملك جبريل.. اذا كان الأمر كذلك فما معنى التأويل المزعوم؟! ولماذا لا يأوّل بدرالدين قرآنه هو، طالما أن لكل انسان قرآنه؟! لماذا يؤوّل قرآن محمد صلى الله عليه وسلم؟! الأمر الطبيعي أن يترك القرآن المعين لصاحب القرآن، فالنبي الكريم يؤوّل قرآنه، وبدرالدين يؤوّل قرآنه، والنحل يؤوّل قرآنه.. لكن بدرالدين اختار ان يؤوّل القرآن الذي نسبه للمعصوم، والذي عنده متشابه كله.. وعندما فعل هذا تولى تأويل القرآن الذي نسبه للنبي، وابعد صاحب القرآن عن التأويل، وتفضل عليه باعطائه حق التفسير الذي هو اقل من التأويل، والذي في زعم بدرالدين من الانسان في حين أن التاويل من الله.. يسطو على حق الآخر، ويتبناه، ويبعد صاحبه، هل يوجد جور اكثر من هذا؟!

لنرى من اقوال بدرالدين الاستيلاء على قرآن محمد، كما يسميه، والادعاء بأنه هو من يقوم بالتأويل، وليس في حق محمد صلى الله عليه وسلم إلا التفسير.. يقول بدرالدين: (ان القرآن نفسه ينزل مرتين، مرة على محمد بالتفسير، ومرة على كل مسلم بالتأويل، وهذا معنى قوله “ونزلناه تنزيلا” اي تنزيلا بعد تنزيل!! وهذا ما عليه انا ومنذ حين من الدهر..).. (الصالون)..

ويقول: (التأويل هو أحسن التفسير، التأويل هو إحسان التفسير، والإحسان هو الإكمال والإتمام (أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا).. التأويل هو تمديد صور المعانى، حتى تدرك المصور، حتى ترى الله، وهذا هو الإحسان!!

لأن مقام رؤية الله هو مقام الإحسان، هو حيث لا مثال وإنما هو الحق: (ولا يأتونك بمثل، إلا جئناك بالحق، وأحسن تفسيرا) فالتأويل من الله والتفسير من الناس “ولا يأتونك بمثل”..)..

فالأستاذ بدرالدين عند نفسه هو صاحب التأويل، وهو على هذا منذ حين من الدهر.. وعنده النبي الكريم في منطقة التفسير.. وهو يقول: (فالتأويل من الله والتفسير من الناس).. فتأويل بدرالدين من الله، وتفسير النبي الكريم من نفسه، من الناس.. وهكذا وضع نفسه فوق النبي، وجرد المعصوم من نبوته، فجعل تفسيره من نفسه وليس من الله.. الله تعالى يقول: ” وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى”.. ولم يورد لنا بدرالدين من القرآن آية تدل على مقامه هذا الرفيع الذي تفوق صاحبه على النبي صلى الله عليه وسلم!!

لاحظ هنا يقول: (التأويل هو تمديد صور المعانى، حتى تدرك المصور، حتى ترى الله)!! وفي مواضع أخرى يتحدث عن رؤية الله بأنها تتم بغير وسيلة، بضربة واحدة لا بضربتين.. ويقول بدرالدين: (فكأن صاحب التأويل يرى أن المعنى يحكم الكلمة، يرى أن الله حاكم (إن الحكم إلا لله) وكأن صاحب التفسير يرى أن الكلمة تحكم المعنى، يرى أن البشر يُعلِّم الله، وفى حقه ورد شر التقريع (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ)..)!!

فالتقريع في حق المعصوم الذي يزعم بدرالدين أنه يعلّم الله بدينه!!هل يوجد استهتار، واستخفاف بأمر الله، وأمر رسوله، وأمر المسلمين، مثل هذا الاستخفاف؟! في الواقع بدرالدين في كل تأويله يرى أن الكلمة تحكم المعنى، ولنتمعن في هذا الأمر، في النصوص التي ذكرناها.. فمثلا عند بدرالدين قوله تعالى “ونزلناه تنزيلا” اي تنزيلا بعد تنزيل، وفي نفس النص يزعم ان القرآن نزل مرتين، مرة على محمد بالتفسير، ومرة على كل مسلم بالتأويل، وكأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس مسلما!! وفي الحق هو اول المسلمين، وهذا ما يقوله القرآن الذي يتحدث عنه بدرالدين.. ولم يقل القرآن أي شيء عن بدرالدين وتأويله.

ولقد سبق أن اوردنا زعم بدرالدين الذي يقول فيه الجمهوري لم ير الروح، لأنه محجوب بالحجاب النبوي.. فعنده النبي الكريم منذ البداية، هو حجاب عن الله، وهذا عكس الحق.. النبي هو الباب الى الله، هو الوسيلة الواسلة اليه تعالى، وليس دونه وسيلة.

إذا كان لكل انسان قرآنه، فمن الطبيعي أن يؤول لنا بدرالدين قرآنه هو لا قرآن محمد صلى الله عليه وسلم.. ولكن كيف يستقيم عقلا، خلي عنك دينا، أن يكون القرآن، قرآن محمد ولا يعرف تأويله، فهو فقط بمقام التفسير.. والتفسير من الناس، لكن بدرالدين يستطيع أن يؤول قرآن محمد بافضل مما يفعل محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه.. هذه مفارقة لا تستقيم مع العقل السليم.. وأساسا لماذا يؤول بدرالدين قرآن محمد، ولا يؤول قرآنه هو.. بل لماذا لا يؤول قران الطبيعة، الكتاب الأصلي، الذي كتبه الله بنفسه؟!

على كلٍ موضوع التأويل عند بدرالدين انتهى هنا بصورة مبدئية.. فهو لا يؤمن بأن القرآن هو كلام الله، ولا يؤمن بأن المعصوم هو نبي الله الموحى اليه بالقرآن عن طريق ملك الوحي جبريل، من الله.. فمن يجحد ان القرآن هو كلام الله وأن محمد هو نبي الله، لا علاقة له بالسلام.. وإذا كان القرآن اصلا هو كلام بشر فما معنى تأويله؟! وبما أن التأويل هو رد الشيء الى ما يؤول اليه – رد الشيء الى مصدره، فينبغي أن يكون تأويل بدر الدين هو رد القرآن الى محمد صاحب القرآن.. فالموضوع كله محض عبث، لا يستقيم مع العقل ولا الدين..ورغم هذا نحن سنتابع مناقشة بعض صور التأويل عند بدرالدين لنكشف جهالته وتناقضه.

ولقد رأينا أن بدرالدين يزعم أن الله نزل كله في القرآن!! فهل عنده أنه نزل في قرآن محمد فقط، أم أيضا نزل في قرآن الناس الآخرين؟! الأمر كله ربكة، وتخبط في ادق معاني الدين واسماها دون ادب ودون ورع .. بل إن حديث بدرالدين هذا دون مستوى العقل السليم!!

وفي مجال الحط من قدر المعصوم، يقول بدرالدين: (بسبب وجود النفس، فان النبي على سموه، وعلى محبته لنا، لا يستطيع ان يهدينا “انك لا تهدي من احببت”..).. لا علاقة للنفس هنا بأمر الهداية، وبدرالدين لم يذكر لنا العلاقة.. الآية تتحدث عن الفاعل الحقيقي، وهو الله.. ففي الحقيقة الله تعالى هو الهادي، ولكن في الشريعة لا سبيل الى الهداية الا سبيل المعصوم، وكل الرسل الآخرين فهم يهدون الى الله تعالى بأمره: ” وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ”..

فبدر الدين كالعهد به دائما يبني على الحقيقة وينصرف عن الشريعة تماما.. والاعتماد على الحقيقة والانصراف عن الشريعة هو الذي يقوم عليه عمل بدرالدين فيما يسميه تأويل.. هو يبعد تماما عن المثاني، اعتمادا على الحقيقة وحدها، وبالطبع هذا في احسن احواله.. والقرآن اساسا نزل مثاني: ” اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ” ومن لا يفهم المثاني من المستحيل أن يفهم القرآن، وهذا هو حال بدرالدين في كل اقواله.

يقول بدرالدين عن التأويل: (ومن عجائب القرآن ان التأويل موجود في ظاهر النص، وليس باطنه وسبب ذلك ان محمد لم ينطق بالقرآن، الا بعد ان امتلأ عقله بالله، حتي الحواشي والمشاش، ومن هنا كان كلامه كلام الله: “وما رميت، اذ رميت ولكن الله رمي”..).. هناك قلت انه كلام الله لأنه يوافق كلام الله في الطبيعة، وهنا قلت ان محمد لم ينطق بالقرآن، الا بعد ان امتلأ عقله بالله!! وكله تخبط لا قيمة له ولا معنى، هو كلام الله لأن الله تعالى اوحى به عن طريق ملك الوحي جبريل.. والله تعالى سماه كلام الله: ” وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ”.. وهل الذي يمتلأ بالله العقل أم القلب، خصوصا انك تعني بالله الذات؟! العقل منطقة تعدد _ثنائية _ والقلب وحده هو الذي يطيق مرحلة الشهود الوتري.. والعقل لا يمتليء بالله، وإنما يمتليء بالعلم بالله..

القول بأن التأويل يقوم على الظاهر وليس الباطن، قول شديد البطلان.. فمعنى تأويل هو رد الشيء الى ما يؤول اليه، رده الى أصله، وفي التأويل الرد يكون الى الله، بالتوحيد.. فلا يكون تأويل إلا بتجاوز الظاهر الى ما وراء الظاهر.. وبدر الدين يقول أن الذي يوضع جانبا، أي يترك، هو الكتاب المسطور، يعني القرآن بين دفتي المصحف.. فما قيمة التأويل إذا اصلا سيترك؟! البداهة أن القرآن نزل ليعمل به، لا ليترك..

واهم من ذلك كله انت تزعم انه بتجاوز القرن العشرين تم تجاوز المذهبيات بما فيها الاسلام.. كما انك تزعم انك انت نفسك قد تجاوزت الأديان، ومع هذا كله ما معنى التأويل وما هي قيمته، إذا كان اساسا يتعلق بشيء تم تجاوزه.

الطريق العكسي:

يزعم الأستاذ بدرالدين أن السير الى الله عن طريق الوسيلة، هو طريق معكوس، اسمعه يقول: (الناس يبدأون بالنبى فيتصورون النبى تصورا ً، ولو كانوا معاصريه، ثم يتصورون الكتاب، والملائكة، واليوم الآخر، والله، بتصورات فى عقولهم .. هذا هو الطريق العكسى، فمن فهمه وأتقنه فإنه يتركه ويبدأ الطريق الطردى وهو الطريق الصحيح المذكور فى قوله: (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) وهو طريق يبدأ بالله كما هو ظاهر النص، ثم ينظر العارف الى اليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، من وجهة نظر الله، والصورة هذه تختلف تماما، بل هى عكس ما يظن اهل الظاهر، فإن الظن لا يغنى عن الحق شيئاً.. ان الطريق العكسي هو اتيان البيوت من ظهورها لانه معكوس وليس هذا برا (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ)..)!!

هذا تفكير ظاهر أنه بالكلمات ، فهو يزعم أن الطريق الصحيح هو ان تبدأ بالله لأن الترتيب في الآية بدأ بالله.. ولكن القضية ليست قضية ترتيب في النص، إنما هي قضية ترتيب في المعنى، وترتيب في القيمة.. فلأن الله تعالى هو المطلوب النهائي الكلي بدء به..

فالسير الى الله لا يمكن أن يبدأ بالله.. الله هو نهاية السير وليس بدايته.. السير يكون عن طريق الوسيلة الموصلة الى الله.. وهذه الوسيلة هي الايمان والعمل الصالح، لكن بدرالدين أبعد الوسيلة ويريد ان يسير الى الله من غيرها، كما يبعد الايمان والعمل الصالح..

فالآية التي ذكرها تبدأ بالايمان وليس بالله (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ).. وهذا أمر اساسي فإنك في أي معرفة لا يمكن أن تبدأ بالشيء المراد معرفته، وإنما تبدأ بالخطوات التي تؤدي إلى هذه المعرفة، وهذا في كل شيء.. من المستحيل الوصول الى الغاية دون الوسيلة الصحيحة المفضية إليها..

فأنت مثلاً في مسألة الرياضيات لا تبدأ بالنتيجة وإنما تبدأ بالخطوات الصحيحة التي تؤدي إلى هذه النتيجة.. وإذا كنت تريد السفر مثلاً من رفاعة الى الخرطوم لا تبدأ بالخرطوم، إنما تبدأ برفاعة، تبدأ من واقعك الذي تنطلق منه، ثم لابد لك أن تعرف الطريق الصحيح الذي يوصلك الى الخرطوم.. فإذا أتخذت أي طريق خطأ فإنك لن تصل إلى غايتك.. ولا سير الى الله إلا عن طريق الوسيلة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ولا توجد وسيلة موسلة وموصلة الى الله، إلا طريق محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الآن، وفي كل آن.. فأمة المسلمين المقبلة وسيلتها طريق محمد.. فطريق بدرالدين ليس معكوساً إنما هو ليس بطريق أصلاً!! من البداهة أنك لا يمكن أن تصل دون أن تبدأ المسير.. فالطريق الذي يسميه بدرالدين معكوساً هو الطريق الوحيد الصحيح.. وهو ليس إتيان البيوت من ظهورها كما استخدم بدر الدين الآية.. هو إتيان البيوت من أبوابها.. والأبواب هنا المعصوم وإتّباعه في الإيمان والتقوى.. لكن بدرالدين يريد أن يقفز للبيوت متجاوزاً الباب، وهذا مستحيل.. وهو يقول عن الطريق الذي سماه معكوساً، أنه ليس براً.. والآية التي استشهد بها تقول خلاف ذلك، تقول انه هو البر، فهي تقول (ولكن البر من اتقى).. والتقوى علم وعمل بمقتضى العلم.. والعلم الذي يقوم عليه العمل، هو الشريعة، التي يبعدها بدرالدين، والشريعة تؤخذ عن المعصوم، الذي يبعده بدرالدين.. القضية ليست قضية تصور كما يزعم بدر الدين، إنما هي قضية إيمان (ولكن البر من آمن بالله… الخ).. وتصور الله في ذاته لا يجوز، كما أورد بدرالدين بنفسه، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.. ويزعم بدرالدين ان الطريق الذي يسميه معكوساً هو طريق أهل الظاهر!! وبدرالدين نفسه هو من أهل الظاهر فقد رأينا زعمه أن التأويل يقوم على الظاهر وليس الباطن وزعمه أن الله كله نزل في القرآن.. وأن الطبيعة هي كلام الله الذي كتبه بنفسه.. وعنده الطبيعة كما هي في الظاهر هي الله.. فبدرالدين هو من أهل الظاهر ولا أقول ان طريقه هو طريق معكوس، وإنما هو ترك الطريق تماماً.. ترك طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وترك طريق التقوى- الايمان والعمل- فهو ليس له أي طريق.. هو ليس أكثر من قاطع طريق..

عن تركه الايمان يقول بدر الدين: (فكل صاحب صنم حسى معذب، وكل صاحب صنم معنوى معذب، صاحب أصنام العقائد والمراسم هو معذب أيضاً)!! فالعقائد عنده أصنام ويعذب صاحبها ولقد رأينا أنه أستشهد بآية: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ).. وهذه هي العقائد التي يعتبرها بدرالدين أصنام والمراسم التي يعتبرها أيضاً أصنام هي العبادات.. فهو يزعم أنه ينبغي أن ترى الله إبتداءً من غير وسيلة (إما أنك قد رأيت الله ورأيت الوعد وكنت على الحق، وإما أنك لم تر الله ولم تر الوعد وكنت على الباطل) هكذا من دون الحاجة إلى أي وسيلة.. ومن لم ير الله، حتى لو كان مسلماً أو على أي دين فهو على الباطل.. فهو يواصل النص فيقول (ولا يغير من هذا قولك أنك مسلم أو مسيحي… الخ) يعني لا يفيد من أنك على الباطل! فبدر الدين ليس فقط يرفض الوسيلة وإنما يحكم بأنها باطل، وإتيان للبيوت من ظهورها.. وبالطبع هذا يناقض البداهة.. فمن المستحيل بداهة الوصول الى أي غاية، خلي عنك الوصول الى الله، دون الوسيلة الصحيحة.. والعلاقة بين الله وجميع خلقه تقوم على الوسيلة، وهي الانسان الكامل الذي جعله الله بينه وبين جميع خلقه.. وكما ذكرنا الوسيلة للعروج الى الله هي المعصوم في سنته.. حتى عند ظهور أمة المسلمين يسيرون الى الله عن طريق الوسيلة ومن بداية السير، ومن الاسلام الاول ثم صعوداً الى الاسلام الأخير.

التخلي عن الأسباب، وترك الوسيلة، عند الأستاذ بدرالدين، أمر يتعلق بالدين والفكر فقط.. اما بالنسبة للدنيا، فهو حريص على الأسباب، وعلى الوسائل، بالصورة التي جعلته لا يكتفي بما يحصل عليه من دخل هنا في السودان، فأخذ، في سبيل التوسع في الدنيا، يطارد الرزق في دول الامارات وكندا، ولزمن طويل!!

معرفة الله في الاسلام لها بداية، لكن ليست لها نهاية، لأن الله تعالى في ذاته مطلق، ولا يمكن للمحدود أن يحيط بالمطلق وإلا أصبح المطلق محدوداً.. ولكن بدرالدين، وكعادته في مخالفة الأمور البديهية يقول: (ولو أنك عرفت الله ولو للحظة واحدة عرفت الله أبد الآبدين)!! ومعرفة الله هذه عنده تتم في لمحة واحدة.. أو بضربة واحدة لا بضربتين كما يعبر.

ويزعم بدرالدين أن قول لا إله إلا الله قول زور: ” الحجة هى أن تشهد أنت، نفس ما شهد محمد، وأن أشهد أنا نفس ما شهد محمد!! وإلا فإن البعيد، يقول على الله ما لا يعلم، وذلك أكبر الكبائر: “وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون” وغنى عن البيان، أن الشاهد الذى لا يعلم الوقائع ليست بشهادته عبرة فى محاكم الدنيا، دع عنك موازين الحق والعرفان، وكل من لم يعلم أنه لا إله إلا الله ثم يقول لا إله إلا الله فقد زور الشهادة، لأنه يقول ما لايعلم، وقد ورد ذلك صراحة فى قوله: “فأجتنبوا الرجس من الأوثان وأجتنبوا قول الزور .. حنفاء لله غير مشركين” حنفاء يعنى مائلين نحو الله كل لحظة، هؤلاء هم الشهود، وإلا فلا!!)..”.. (الصالون).. زعمه بأن قول لا إله إلا الله دون علم، قول زور، هو تجني، واساءة، لا لزوم لها للمعصوم، فهو قد قال: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، وهو لا يأمر بقول الزور.. والعلم يبدأ بالايمان، ولا مجال للقفز الى العلم دون الايمان.. وفي قول(لا إله إلا الله)، نحن نعلم بما علمنا المعصوم، فلا يوجد اختلاف نوع بين الايمان والعلم.. ثم إن بدرالدين زعم أن مقام المعصوم في التفسير، والتفسير من عند البشر، فما معنى القول بأنه علينا أن نشهد كما شهد المعصوم.. الأمر الطبيعي، حسب منطلقاته هو، أن يقول أن نشهد كما شهد الله: ” شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ “، وقد رأينا أن البداية تتم برؤية الله!! هو يتخبط ولا يدري ما يقول.

خالد الحاج عبدالمحمود
رفاعة في 30/6/2020م

تعليق واحد

  1. سمع الصحابة القرآن من فم محمد بصوت محمد و لغة محمد و كتبوه لما سمعوه او الملاهم اياه محمد ……لم يسمع الصحابة القرآن من جبريل ولم يروه ولكن صدقوا محمد عندما قال لهم ..هذا الكلام سمعه من جبريل…..وهذه هي النقطة المهمة في موضوع الوحي…لا أحد رأى جبريل بعينه وسمعه يلقي القرآن على محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق