مقالات ثقافيةمقالات سياسية

سليل الفراديس بين ردهات مجلس الأمن ولسان شعرائه!

د. محمد سيد أحمد ساتي

النيل في السنوات الأخيرة تحول إلي ساحة صراع بعد ان كان ساحة نماء وعطاء. صارت تعقد من أجله الاجتماعات المطولة في الخرطوم وإديس أبابا والقاهرة وواشنطن. عقدت له في مجلس الأمن الدولي جلسات خاصة لفض الخلاف من حوله. النيل الذي كان ملهما للشعر والشعراء تحول إلي ساحة صراع دولي وقلق إقليمي. لقد تغزل فيه الشعراء عشقاً، رفعوا له الرؤوس إجلالاً كما يخاطبون الأب، وتسابقوا على تقريض جمائله على أولاده على امتداد الوادي الخصيب. لقد خلَّد النيلُ الشعراءَ الذين تغنوْا به أكثر ممَّا هم خلدوه. تدفق شاعر الصبابة والعشق الإلهي التجاني يوسف بشير في قصيدة تندفع في قافية لها صلابة خاصة، وجرس يرنّ بالرهبة والعظمة:

أنتَ يا نَيل يا سَليل الفَراديس
نَبيل مُوَفق في مَسابك
ملء أَوفاضك الجَلال فَمَرحى
بِالجَلال المَفيض مِن أَنسابك
حَضَنتك الأَملاك في جَنة الخُلد وَرقت عَلى وَضيء عبابك
وَأَمدت عَلَيك أَجنِحَة خَضرا ء وَأَضفَت ثِيابَها في رِحابك
فَتَحدرت في الزَمان وَأَفرَغَت
عَلى الشَرق جَنة مِن رِضابك
بَينَ أَحضانك العراض وَفي كَفيك تاريخه وَتَحت ثِيابك
مخرتك القُرون تَشمر عَن ساق بَعيد الخطى قَوي السَنابك
يَتوثبن في الضِفاف خِفافاً
ثُمَ يَركضنَ في مَمَر شِعابك
عَجب أَنتَ صاعِداً في مَراقيك لِعُمري أَو هابِطاً في اِنصِبابك
مجتلى قُوة وَمَسرَح أَفكار وَمَجلى عَجيبة كُل ما بِكَ
كَم نَبيل بِمَجد ماضيكَ مَأخوذ وَكَم ساجد عَلى اَعتابك!
كما نجد أمير الشعراء احمد شوقي وهو يبتهل بين يدي النيل:في قصيدته القافية الرائعة :
من أي عهدٍ في القرى تتدفقُ
وبأي كفٍ في المدائنِ تُغدقُ
ومن السماءِ نزلتَ أمْ فُجرتَ من
عليا الجنانِ جداولاً تترقرقُ
وبأي نولٍ أنتَ ناسجُ بردةٍ
للضفتينِ جديدُها لا يَخْلَقُ
تُسقي وتُطعمُ لا إناؤكَ ضائقُ
بالواردين ولا خِوانكَ يَنفَقُ
لو أنَّ مخلوقاً يُؤلَّهُ لم تكنْ
لسواك مرتبةُ الألوهةِ تُخلقُ
جعلوا الهوى لك والوقارَ عبادةً
إنَّ العبادةَ خشية وتعلقُ
وإليكَ بعد اللهِ يرجعُ تحته
ما جفَّ أو ما ماتَ أو ما يَنفَقُ
جعلوا الهوى لك والوقار عبادة
إنَّ العبادة خشية وتعلقُ
كما أن الشاعر المبدع محمد حسن إسماعيل والذي هامَ بالنيل متيماً بجماله وسحره وعطره قال فيه وهو يتأمل ضفتيه:

مسافرٌ زادهُ الخيالُ .. والسحرُ والعطرُ والظلالُ
ظمآنُ والكأسُ في يديه .. والحب والفن والجمالُ
شابتْ على أرضهِ الليالي .. وضيعتْ عمرَها الجبالُ
ولم يزلْ ينشدُ الديارا .. ويسألُ الليلَ والنهارا
والناسُ في حبهِ سكارى .. هاموا على أفقهِ الرحيبِ
آهٍ على سرِّكَ الرهيبِ .. وموجكَ التائهِ الغريبِ
يا نيلُ يا ساحرَ الغيوبِ
يا واهبَ الخلدِ للزمانِ .. ياساقيَ الحبِ والأغاني
هات اسقني و دعني أهيمُ .. كالطير في الجنانِ
ياليتني موجة فأحكي إلى …لياليكَ ما شجانى
و أغتدي للرياحِ جارا و أسكب النورَ للحيارى
فإنْ كواني الهوا وطارا ..كانت رياح الدجى طبيبي
آه على سرك الرهيب …وموجك التائه الغريب
يا نيل يا ساحر الغيوب.

سمعتُ في شطكَ الجميلِ .. ما قالتْ الريحُ للنخيلِ
يسبح الطيرُ أم يغني .. ويشرحُ الحبَ للخميلِ
وأَغْصُنٌ تلكَ أم صبايا .. شربنَ من خمرةِ الأصيلِ
وزورقٌ بالحنينِ سارا .. أم هذه فرحةٌ العذارى
يجري و تجري هواك نارا …حملت في سحرها نصيبي
و طفت حيران باللهيب .. فلم تدعنى بلا حبيب
آه على سرك الرهيب .. وموجك التائه الغريب
يا نيل يا ساحر الغيوب.

النيل، ليس كغيره من أنهار الدنيا، مياه تجرى في تراب حفرته بنعومة وقوة اندفاعها. النيل حياة تتجدد من دون توقف، وتاريخ يرتوي ويروي. ذاك ما نريد… حمي الله نيلنا من كل شر!

د. محمد سيد أحمد ساتي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..