مقالات سياسية

المسئولية المدنية والجنائية للطبيب وللعاملين في المهن الصحية

عادل عبد الحميد ادم

المسئولية المدنية والجنائية للطبيب وللعاملين في المهن الصحية  في القانون الانجليزي وقانون حماية الاطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020م

اسقط قانون حماية الاطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة  2020م المسئولية  الجنائية تماما عن الأخطاء المهنية للطبيب وللمهن الصحية الأخرى ، وبموجبه  فأن الأعمال التي يباشرها الطبيب  والعاملين في المهن الصحية  باتت لا تخضع لأي مساءلة جنائية حتى لو ترتب عليها وفاة المريض بسبب الاهمال الجسيم كأن ينسى الطبيب مشرط أو مقص يخيطهما داخل بطن المريض فيتوفى.

كذلك قيد القانون سلطات المحكمة المدنية في الأثبات بالرأي الذي يبديه المجلس الطبي في الدعاوى المدنية المتعلقة بالخطأ الطبي.

لبيان خطل مذهب ونظرة  قانون حماية الاطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة  2020م وانعدام موضوعيته حيال المسئولية المدنية والجنائية للطبيب والعاملين في المهن الصحية نتناول جوانب من المسئولية المدنية والجنائية للطبيب وللعاملين في المهن الصحية  في القانون الانجليزي.

أولا: المسؤولية المدنية للطبيب في القانون الانجليزي:

1. المسئولية المدنية للطبيب في القانون الانجليزي تستند الى  Law of Tort ففي عام 1932 أحدثت قضية Donoghue v Stevenson المعروفة بقضية الحلزون الأسكتلندي (التي أصيبت فيها السيدة Donoghue بالتهاب المعدة والأمعاء من بيرة زنجبيل وجدت داخلها حلزون متحلل عائم في الزجاجة) نقطة تحول في جميع حالات الإصابة الشخصية  حيث أنشأ مجلس اللوردات فرقًا واضحًا بين العلاقات التعاقدية والإهمال. فقد أسست هذه القضية  مبدأ  (واجب الرعاية) فقد حدد اللورد أتكين أن هناك واجبًا عامًا لرعاية معقولة لتجنب الإصابة المحتملة لـ “الجار”.

2. في قضية Bolam v Friern (1957) والتي تتلخص في أن السيد Bolam كان  يخضع للعلاج الكهربائي    electro convulsive therapy  في مستشفى Friern  وتعرض أثناء العلاج لإصابات خطيرة  من بينها  كسور في الحوض ، فقام برفع دعوي للمطالبة بالتعويض.  ارست القضية ما يعرف بمقياس بولام (Bolam Test) في تحديد الإهمال الطبي “التصرف وفقًا للممارسة المقبولة على النحو المناسب من قبل هيئة مسؤولة من الرأي الطبي”
“act in accordance with practice accepted as proper by a responsible body of medical opinion”.

3. تتزايد الأخطاء الطبية  في المملكة المتحدة بقدر كبير ويستتبع ذلك  قيام المرضي المتضررين تقديم  دعاوى قضائية للمطالبة بالتعويض فقد أعلنت الخدمات الصحية الوطنية         (NHS) أنها دفعت أكثر من 1.63 مليار جنيه إسترليني كتعويض عن الإهمال الطبي في 2017/2018م.  هذه زيادة من 1.08 مليار جنيه استرليني عن 2016/2017 مع أكبر عدد من المطالبات القادمة من طب الطوارئ. وتواجه في هذا العام2020م  دفع 4.3 مليار جنيه استرليني كرسوم قانونية لتسوية المطالبات العالقة بالإهمال الإكلينيكي ، و باتت NHS  تتلقى كل عام أكثر من 10,000 مطالبة قضائية بالتعويض.

4.  لذلك أنشأت الحكومة مجموعة من الموارد الممولة مركزيًا لتغطية تكاليف أي مطالبات مرفوعة ضد NHS ويتم استخراج المساهمات من NHS Trusts لتغطية الدعاوى ضد الأطباء العامين وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الأولية.

5. من قضايا الإهمال الطبي حصلت فتاة بالغة من العمر 11 عامًا اصيبت بالشلل الدماغي الحركي بعد تعرضها لإصابة خطيرة في الدماغ عند الولادة على تعويضات تزيد عن 14 مليون جنيه إسترليني. نتيجة لفشل في الرعاية أثناء ولادتها في مستشفى لندن الملكي في مايو 2007م.

كانت والدة الفتاة قد ولدت في السابق بعملية قيصرية مما كان يحتم اخضاعها للتجربة والمراقبة قبل تقرير توليدها مهبليا  (VBAC ) لأن ذلك يحمل خطر تمزق الرحم المعزز ويؤثر على المولود. وبالفعل عانت الفتاة المولودة من نقص الأكسدة الجزئي المزمن  والاختناق في الدقائق الأخيرة من المخاض.

في محاكم العدل الملكية في لندن في 29 يناير 2019، وافقت قاضي شرفها والدن سميث على تسوية بقيمة 14.4 مليون جنيه إسترليني.

6. وقد تم اتهام NHS بمحاولة التستر على سوء الممارسة وحجب الأدلة عمدا لعرقلة   المحاكمات.  to cover up malpractice and deliberately withholding evidence to hamper such prosecutions كما أدى إنكار المسؤولية والمساومة بشأن التكاليف إلى رسوم قانونية عالية مثيرة للجدل كبدتها  NHS عن هذه الإجراءات.

وجدت مراجعة مكتب التدقيق الوطني أنه في غالبية المطالبات التي تقل عن 45000 جنيه إسترليني ، تجاوزت التكاليف القانونية والإدارية  المبلغ المحكوم به كتعويض  كما تبين أن 95 في المائة من القضايا تمت تسويتها خارج المحكمة.

ثانيًا: المسئولية الجنائية للطبيب وللعاملين في المهن الصحية في القانون الانجليزي:

في انكلترا المعيار القانوني لتهمة القتل غير العمد في سياق العلاج الطبي هو الإهمال الجسيم كما صيغ في قضية : R v Adomako [1994] 3 WLR 288
7. الدكتور Adomako ، طبيب تخدير  an anesthetist  أثناء تخديره لمريض في عملية  جراحة الشبكية  فشل في ملاحظة أن أنبوبًا قد تم إزاحته أثناء العملية مما أدى إلى حرمان المريض من الأكسجين. أصيب المريض بسكتة قلبية وتوفي. أدين الدكتور Adomako  بتهمة القتل غير العمد  للإهمال الطبي الجسيم gross negligence manslaughter واستأنف أمام مجلس اللوردات  شطب مجلس اللوردات طعنه وأيد الإدانة.

أورد الحكم أن الدكتور Adomako ، لم يلاحظ لأكثر من أربع دقائق أن الأنبوب الذي يوفر الأكسجين للمريض قد انقطع. وصف أحد خبراء الادعاء مستوى رعايته بأنه سيء ، وقال إن أي طبيب تخدير كفؤ كان يجب أن يلاحظ  بالانفصال الكامل للأنبوب في غضون 15 ثانية.

8. في يونيو 2019نشر المجلس الطبي العام  الإنجليزي (GMC) 29 توصية قامت بها لجنة استشارية مستقلة حول كيفية تطبيق القتل الخطأ والإهمال الجسيم والقتل العمد  gross negligence manslaughter and culpable homicide على الممارسة الطبية ،  أثر انتقادات واسعة النطاق لتعامل  GMC مع قضية  Hadiza Bawa-Garba التي تبنى  (GMC) بنفسه تقديمها للمحاكمة الجنائية.

وكشف التقرير أن حوالي 16 حالة  وفاة غير مرغوب فيها “untoward deaths”  يتم التحقيق فيها جنائيا سنويا ، يحال منها 6% حوالى إلى سلطة الاتهام  ، ورغم أنها نسبة قليلة إلا أنها تؤثر على العاملين في الوسط الصحي وتفقدهم الثقة.
اثنين من أهم التوصيات التي أوردها التقرير هي أنه  في حالة اخضاع  أي طبيب   لتحقيق جنائي ،فانه لا يجب أن يتم ذلك بمعزل عن دور  بيئة  العمل ، كذلك أوصى التقرير بدعم محسّن لأقارب المرضى ، الذين يجب أن يتم تعيين  أحد موظفي المستشفى لإبقائهم على اطلاع دائم بحالة مريضهم.

9 .  أدينت Dr Bawa-Garba بتهمة القتل الخطأ في عام 2015 بعد وفاة جاك أدكوك البالغ من العمر ست سنوات من تعفن الدم في مستشفى ليستر الملكي ، كان جاك أدكوك الذي كان يعاني من متلازمة داون وحالة قلب معروفة ، يعاني من الإسهال والقيء وصعوبة في التنفس.

أبرز الحكم جملة اخفاقات ارتكبتها Dr Bawa-Garba منها أن تشخيصها للمريض كان متسرعًا وغير مكتمل، وأنها بعد تلقي نتائج فحص الدم تجاهلت النتائج والأعراض السريرية الواضحة ,انها مع التدهور المستمر  في حالة المريض فشلت في إعادة تقييمها بشكل صحيح. كما تم انتقادها لفشلها في طلب المشورة من مستشار في أي مرحلة. وبعد ذلك أهملت اهمالا شديدا إذ أخطأت في الخلط بين جاك ومريض آخر عندما أوقفت أنعاشه، توفي جاك بشكل مأساوي أدينت  Dr Bawa-Garba بتهمة القتل الخطأ بسبب الإهمال الجسيم وحكم عليها في 14 ديسمبر 2015م بالسجن لمدة 24 شهرًا مع وقف التنفيذ.

استأنفت Dr Bawa-Garba الحكم، كما استأنف المجلس الطبي العام (GMC) القرار الصادر من محكمة (مجلس) خدمات الممارسين الطبيين MPTS برفض شطبها من السجل. ويبرر اصراره على شطبها من السجل بأن السماح لها بممارسة الطب بعد ادانتها بجريمة القتل الخطأ بسبب الإهمال الجسيم من شأنه أن يزعزع ثقة الجمهور في المهنة ككل.

10.  في فبراير 2015م صدر قانون العدالة الجنائية والمحاكم لعام 2015  (C JCA) وقد استحدث القانون  في مواجهة عامل الرعاية  a care worker  ويشمل  الأطباء والعاملين في المهن الصحية جريمتي سوء المعاملة والاهمال المتعمد المادة (20) وتعاقب عليهما بالسجن (5) سنوات أو الغرامة:

أ‌.     سوء المعاملة Ill-treatment وتشمل أي نوع من سوء معاملة المريض من قبل الطبيب أو الممرض.

ب‌.       الاهمال المتعمد willful neglect وهو الذي ينتهك فيه الطبيب واجبه القانوني نحو المريض.

11. كذلك استحدثت المادة (21) تجريم ومعاقبة مزود الخدمة care provider ويشمل المستشفيات والمرافق الصحية  بجريمتي سوء المعاملة والاهمال المتعمد.

ثالثًا: الخلاصة:

12. الملاحظة الأبرز هي أنه بينما يتم الإقرار في دول كالمملكة المتحدة بالأخطاء الطبية ويجرى العمل على أيجاد المعالجات الإدارية والقانونية وتبسيطها باعتماد اجراء التسويات مع ضحايا الاخطاء الطبية وذويهم ورصد ميزانيات كافية لذلك، وبينما يتم الإقرار بأنه يتعين عدم التسامح  مع القدر الجسيم من الإهمال الطبي وسوء معاملة المرضي بما يتنافى مع اساسيات مهنة الطب ويعرض الحياة للخطر الأمر الذي يحتم تجريم هذه الأفعال وتوقيع العقوبات عليها.

فانه في جانب قانون حماية الاطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020م يتم عكس ذلك بأسقاط المسئولية الجنائية تماما عن عمل الطبيب، واعتبار كل الأعمال التي يباشرها الطبيب أعمال مهنية تضفي عليها حصانة موضوعية كاملة شاملة تجعلها غير خاضعة للمساءلة الجنائية.

فضلاً عن ذلك فقد غل القانون يد المحكمة المدنية في الأثبات عند المطالبة بتعويض الضرر مدنيا والزم المحكمة المدنية التقيُّد بما يورده المجلس الطبي في إثبات الضرر من عدمه.

عادل عبد الحميد ادم – المحامي – المدعي العام العسكري الأسبق
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. الاطباء هم من يحددون الخطاء الطبي وليس المريض فالمريض مريض لجاء لهم والمتهم طبيب يحاسبه الاطباء

  2. يا رحالة دا ما موضوع عنقالة وكاك دا تخصص ما لكش فيه
    ويا أستاذنا عادل يبدو أنك توصلت إلى خلاصة خاطئة! ففي كل من بريانيا والسودان الذي نشأت قوانينه مستندة إلى المفاهيم القانونية الانجليزية وإلى اليوم ليست هناك إلا اختلافات بسيطة وفي مضمار التجريم والمسئولية التقصيرية التي أوضح مفهومها اللورد آتكن في قضية دونوهيو التي تفلت بذكرها. ومازال الحال متشابهاً في النموذجين الانجليزي والسوداني وهو أن القاي هو الذي يحدد إن كانت مسئولية الطبيب في قية معينة هي مسئولية مدنية أو جنائية أو جزائية وفق القانون الذي يجرم الفعل سواء كان القانون الجنائي العام أو قانون الصحة أو حماية الطبيب أو حماية المريض! إن القضاء في نهاية اليوم هو الذي يقرر المسئولية مع وجود التقارير الطبية ولعلك تعلم القاعدة التي تم إرساؤها في هذا المجال وهي أن تقرير سبب الوفاة أو الأذى هو مسألة قانون يحسمها القاضي وليس التقرير الطبي. وقانون حماية الأطباء لم يؤثر على هذه القاعدة من حيث أخذ رأي المجلس الطبي بشأن مسئولية الطبيب ولكن ذلك ليس بالأمر الحاسم فالقاضي هو الذي يستمع ويُقدِّر مجمل الظروف والملابسات التي لا تتاح للمجلس الطبي إلا إذا جلس في محكمة القاضي واتبع كافة إجراءات سماع الدعوى لبينات الطرفين، وبالطبع لا يجوز هذا. كذلك بالنسبة لمسئولية الطبيب.الجنائية فلم يتدخل فيها قانون حماية الأطباء ولا يوجد ما يمنع محاكمة الطبيب جنائياً إذا ثبت للنيابة تعمده في إلحاق الأذى بالمريض أو إحداث وفاته واذا كان هذا القانون قد تدخل بإضافة أخذ تقييم المجلس الطبي لسلوك الطبيب في الواقعة المحددة بواسطة القاضي فإنه لم يلزم القاضي بهذا التقييم وإلا كان الأولى أن ينص على تولي المجلس الطبي للمحاكمة بدلاً من القاضي الطبيعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق