مقالات سياسية

نيرتتي: الصراع على الموارد الطبيعية المتناقصة

د. أحمد هاشم

الاعتصام البطولي في نيرتتي لنزع الحقوق من فك النظام الولائي الحاكم من أجل ملكية الأرض التي توارثت أباً عن كابر وفق كل القوانين الأرضية والسماوية، ما هو إلا نتاج للصراع القديم الدائر في دارفور وكردفان علي ملكية الموارد الطبيعية المتناقصة الذي بدأ إثر جفاف 1984.  شكل هذا الجفاف بداية النزوح الداخلي الهائل للبدو وماشية الرعي الانتشاري المتنفل من السافنا الفقيرة الي السافنا الغنية التي يسكنها المزارعون المستقرينفي خلال الثلاثة عقود الماضية تفاقم التنافس وادخلت سياسات الانقاذ معطيات جديدة أهمها إستبدال أهل الأرض الأصليين بمكونات عربية، وتم ذلك علي مراحل. أولاُ: مهدت حكومة الصادق المهدي (1985-89) للمليشيات بتكوين قوات المراحيل التي عاثت في الأرض فساداً ونهباً للماشية وكنت شاهد عيان أثناء عملي بجنوب كردفان ابان تلك الفترةثانياًالحرب الجهادية التي شنها نظام الانقاذ بجبال النوبة عام 1992 بهدف اخلاء الأرض من سكانها وتهجيرهم لشرق السودان. وثالثاً: حرب دارفور التي ما زالت نيرانها لم تنطفيْ وجراحها لم تلتئم.

الأسباب الحقيقة للصراع ليس فقط الجفاف الذي يضرب السودان من حين لآخر فحسب، بل أيضاً الزيادة الهائلة في أعداد البشر والماشية. تضاعف عدد السكان منذ الاستقلال خمس مرات (من 8 الي 40 مليون) وتضاعفت أعداد الماشية لأكثر من عشر مرات (من 10 الي 105 مليون).  وفي ذات الوقت تناقصت الأرض الزراعية والرعوية بمعدلات هائلة تبعاً لموجات الجفاف والزحف الصحراوي بالاضافة لفقدان مراعي جنوب السودان الخضراءيبلغ عدد سكان كردفان ودارفور نصف السودان (حوالي 20 مليون) ويعتمد أكثر من 90% منهم علي الزراعة وتربية الماشية بطرق بدائية لم تغشاها الثورة الزراعية الأولي ولا الثانية ولا الثالثة

حل مشكلة غرب السودان الشائكة والمعقدة يكمن في أحد خيارين: الأول تنظيم نسل البشر والماشية. والثاني ايجاد خيارات بديلة لزيادة الموارد الطبيعية المتناقصة. بالطبع نستطيع تنظيم نسل الماشية في الخيار الأول، لكن مع ذلك، لم تفلح كل الحكومات السابقة في تنفيذ الخيار الثاني نتيجة لعدم شمولية الإرادة السياسية واتباع الحلول المؤقتة الأمنية والأهلية (الجوديات). لأن المشكلة في جوهرها، بيئية وجغرافية وسكانية ويتطلب هذا سياسات يقودها العلم والمعرفة والبحث العلمي لزيادة رقعة الأرض والموارد لتستوعب الأعداد المتزايدة من البشر والماشية. 

ذكرنا في مقال سابق انه فى خلال السنوات الماضية توصل البحث العلمى إلى نتائج مهمة  يمكن تفعليها لزيادة الموارد الطبيعية مثلاَ: إكتشاف بحيرة دارفور العظمى، ونشرخارطة المياه الجوفية فى أفريقيا، وأطلس تربة أفريقيا، ومشروع جدار أفريقيا الأخضر العظيم، والمحاصيل المعدلة وراثياً لتحمل الجفاف، وإستحداث نظم الزراعة المائية (بدون تربة)، وإستغلال الطاقة الشمسية لتنفيذ مشاريع الصحراء

نركز هنا علي مبادرة حفر 1000 بئر لدارفور ودور المياه الجوفية التي يسبح فوقها غرب السودان والممتدة من النيل الأبيض شرقاً الي بحيرة تشاد غرباَ في نقل المنطقة للزراعة المرويةفى يوليو 2007 إلتقى د. فاروق الباز بالحكومة السودانية بعد إكتشاف مركز الإستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة بوسطن وجود بحيرة جوفية في الشمالى الغربى من دارفور وتسع حوالى 2530 كيلو متر مكعب من المياه. دعم الباحثون فى الكلية الجامعية لندن دراسة الباز بوضع خارطة لإحتياطيات المياه الجوفية فى أفريقيا (2012). أظهرت الدراسة بأن أفريقيا تحوي مياه جوفية تعادل 100 مرة المياه العذبة على السطح، وأن أكثر إحتياطات هذه المياه يوجد فى ليبيا، الجزائر، السودان، مصر وتشاد. كما أفصح د. الباز في لقاء تلفزيوني (رابط يوتيوب) أن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الناشطة فى دارفور راغبة في حفر 1000 بئر وإيصال المياه إلى مدينة الفاشر فى خلال ستة أشهرولكن للأسف قوبلت هذه المبادرة بالتبخيس وعدم المبالاة من الحكومة والإهمال من حركات الكفاح المسلح ومثقفى غرب السودان.

البحوث العلمية الحديثة أعلاه تؤكد على توفر عنصرين أساسيين لحل مستدام لمشاكل دارفور وكردفان هما الماء والأرض. توفر الماء يؤدى إلى الزراعة طول العام وتوفير المراعي والعلفإستصلاح أرض السافنا الفقيرة والصحراء يوفر فرص التوزيع العادل والملكية الحرة الفردية والجماعية للأرض، وبالتالى إزالة التنافس الشديد على الموارد الطبيعية المتناقصة التى أدت إلى إستمرار حروب الموارد.  سياسات التنمية المستدامة تقف على مفهومين أساسيين: مفهوم الإحتياجات الأساسية للمواطن فى غرب السودان (السلام، الأمن، ملكية الأرض، الغذاء، محاربة الفقر، الصحة، التعليم، السكن، وتوفير فرص العمل). ومفهوم القيود التى فرضتها الدولة (تأجيج وإستمرار النزاعات والحروب) وعدم قدرة البيئة على تلبية الإحتياجيات الحالية والمستفبلية للمزارعين وأصحاب الماشية والرعاة علي حد سواء.

في الختام ندعو حكومة الثورة المدنية وحركات الكفاح المسلح باحياء مبادرة حفر ألف بئر لدارفور (النهر الصناعي الليبي 1300 بئر) بل نطالب أيضاً بوضع خطة مستفبلية لحفر 20 ألف بئر في دارفور وكردفان وتحويل الزراعة المطرية لزراعة مروية واستصلاح الصحراء لتوسيع الأرض لاستبعاب الزيادة المستقبلية في أعداد البشر والماشية  واستقرار تربية الحيوان،  ونقل انسان المنطقة من البداوة والقبلية الي الحضارة والمدنية. 

د. أحمد هاشم/ أكاديمى وباحث مهتم بقضايا التنمية الريفية وفكر المستقبل
[email protected]
رابط مبادرة ألف بئر لدارفور وللمزيد من المقالات http://drahmedhashim.com/

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق