حوار مع الروائي والناقد عيسى الحلو .. إن الانسان قد ينهزم ولكنه لا ينكسر أو قد ينكسر ولكنه لا ينهزم

 

كوفيد ١٩…الإلياذة والاودسة والعصر….

عيسى الحلو فى حوار الحوارات

_العالم يتأرجح فوق مراجيح اللامسمى واللامعقول واختفاء الاجابات على الاسئلة فى أفق مجهول.

_من المتوقع ان تتضعضع سلطة اليمين السياسي الشعبي وتحل محلها سلطة اليسار فى اوروبا وأمريكا.

_الشرق الاوسط زهد فى مراوغات الحماية الامريكية المدفوعة الثمن

_كوفيد تتحول من كارثة انسانية لتعيد رسم العالم من جديد

_ستنتهى سلطة المؤلف علي النص الروائي وترتفع سلطة المتلقي

_نص الناقد سيكون نصا ابداعيا ينافس نص المبدع الروائي

الأستاذ عيسى الحلو، يسبق معاصريه من كل الأجيال في تجربته الابداعية، وقيادته للتغيير والتنوير بروح السارد المفكر، مع انسانية زادت بالمعرفة جمالية فنية مصحوبا، بثقافة راقية في دروب الحياة، وليس غريبا أن ينعكس ذلك على كتابته ورؤيته الفكرية للمجتمع والناس. خبر دروب السرد، وطرائق الكتابة، واختط لنفسه منهجية جمالية سردية في الشكل والمضمون.. هذا الحوار اجده غير كل الحوارات السابقة، الإنسان وجائحة كورونا، الكتابة والنقد، الكتاب والمعرفة، جيله وجيلى وكل الاجيال، وكان الانسان هاجسه الأول ومحور كل كلمة نطق الحوار بها.. جلسنا وفوق الرؤوس كورونا، عالجناه بالعزل الصحى، وعبر الوسائط الحديثة كان الحوار، كانت الساعة واختها، يمران سريعا، وبعد انتهاء الحوار، استمعت له، كانت الدهشة اكبر، والروعة، لذلك قررت أن يشاركني القارئ العزيز، تلك اللحظات التى لاتتكرر إلا باسترجاع الشريط.. إلى الحوار..

حوار ؛محمدَ نجيب محمد علي.

1/كوفيد 19 … الألياذة والاودسة والعصر ؟
-كوفيد الذى أصاب العالم ككارثة مفاجئة من أقصاه لأدناه حيث وضع الإنسان والكون أمام المجهول ,ووأجه الإنسان مصيره كاملاً فجأة وأصبح أمام هذا المصير فتجسد الموت وتحول من اللامرئى إلى المرئى . وهكذا وأجه الانسان لأول مرة الموت الذى أخذ يمشي بصحبته في الطرقات

2/كيف تنظرلهذه الكارثة ؟
هى تراجيديا عصرنا الحديث وهنا نقف لنقارن الأحداث الدرامية الكبيرة طوال العصور القديمة والحديثة لنجد ان الكارثة هنا فى عصرنا هذا اشد وطأة وثقلا حينما صدم انسان هذا العصر وشلت قدراته تماما، لقد واجه هذا الانسان الحرب العالمية الثانية التي دمرت قرى آمنة في اليابان (هيروشيما) و(نجزاكي) الي جانب كوارث النازية في اوربا , هذه الحرب التي شنت علي دول غرب اوروبا وشرقها وصورت محرقة الهولوكست في رواية الساعة الخامسة والعشرون للروماني غسطنطين جورجيو وصلت افريقيا حتى سواحل البحر المتوسط حيث جالت وصالت جيوش روميل كانت الالياذة والاودسة جزءا من رؤية انسانية شاملة لاحزان الانسان وافراحه ومعبرة عن كينونته ومصيره, هكذا كانت تتدفق الثقافة الإنسانية من الفكر الاغريقي القديم والروماني وصولا الى العصور الوسطى التى اوصلت هذه الثقاقة الى طرفها الاخر مكونة الثقافة الاوربية المعاصرة ثم جاء عصر التحول الثقافى الكبير فى القرن السابع عشر الميلادى وكانت اوروبا فى هذا الوقت قدعرفت فكرا جديدا واكتشفت العلم التجريبي وصدق الانسان فى العصر انه داخل هذه المختبرات يستطيع ان يجد كل الاجابات للاسئلة الصعبة التي تدور فى هذا الفضاء واغترت الدول الكبرى الغنية التي اخترعت القاطرة والاسلحة الثقيلة والذرية والهيدروجينية واخترعت الاستعمار السياسي والسيطرة على الدول الصغيرة فى العالم الثالث. وأَخذ العالم الثالث وهو مبهور بما انجزه عصر العلوم والانوار حين نهضت الولايات الامريكية المتحدة ومعها رصيفتها اوروبا لتدير شئون كل العالم فى سيطرة اقرب ما تكون الى البلطجة وفيما بعد اخذت امريكا تفرض على فلسطين ظلما حينما تأخذ الاراضي وتعطيها لاسرائيل وهاهي اللحظة الحاسمة التى دخلت فيها كوفيد 19 الى هذا المشهد وبذا استطاع هذا الفضاء العجيب ان يصور محنة الانسان المحاصر وان يختلط المشهد بما اسمته امريكا بمفاجاة العصر(صفقة القرن) التي تداخلت وتكاتفت فيها قوي التدمير وهكذا اشتركت كل عناصر الكارثة الطبيعية البيئية بالمخططات السياسية وبانحراف الفكر السياسي والخيال الثقافي بقصص وحكايات تشبه قصص الخيال العلمي وهكذا اخذ العالم يتارجح فوق مراجيح اللامسمي واللامعقول واختفت الاجابات علي الاسئلة في أفق المجهول

3/ماهي المتغييرات التي أحدثها كوفيد 19؟
أول مظاهر هذه التحولات أن يجد الإنسان نفسه فى وسط الحيرة والشك حيث لا يجد إجابات على أسئلته الوجودية التى يطرحها هذا الواقع الجديد وهو نفس الواقع الذى حدث بعد الحرب العالمية الثانية حيث وجد الإنسان فى ذلك الوقت أنه فى غربة كاملة مقتلعا من جذوره ومعزول من أقرانه البشر وأن العلم والثقافة وكل ذلك الرصيد الفكري والحضارى الإنساني المنجز قد إنهار فى غمضة عين حيث فرضت كوفيد علي الإنسان أن يكون معزولا ومتوحدا فى بيته ،وصنعت المسافات الوجدانية والعاطفية ،وسجنته داخل عزلته واحتار العلم ذات الحيرة أمام مختبراته العلمية ولم يستطع أن يكتشف شفاءا لهذا الداء وهكذا فقد الناس التماسك الذى شمل الحضارة الانسانية والثقافية وانهارالترابط المنطقي بين الاشياء فى كل العالم ,, وظهرت مظاهر وبوادرسلبيات هذا العصر وأطل الرق و الإضهاد العنصرى مجددا وتأجج فى الولايات الامريكية المتحدة التي كانت رمزا للديمقراطية والحرية والإخاء الإنساني ومن ثم ظهرت هناك بوادر لتفاعلات كل هذه الظواهر, فمن المتوقع والحال هكذا أن تتحول كل الدول المتقدمة علميا وحضاريا فى هذا العصر وتتجه من الرأسمالية الى الإشتراكية وكانت ظاهرة الرق في امريكا هي التي ولدت الحرب الاهلية كما صورها الفيلم السينمائي (ذهب مع الريح) الذي كتبته مارجريت ميشيل وفي رواية الزنجية الامريكية توني ميرسون(رواية الفردوس) مصورة جذور هذا النزاع , ومن من المتوقع والحال هكذا ان تتضعضع سلطة اليمين السياسي الشعبوي وتحل محلها سلطة اليسار في اوربا وامريكا .

4- ماهي التحولات الفكرية المتوقعة اقليميا وعالميا ،
و ماذا عن الكيانات الكبرى روسيا امريكا الاتحاد الاوروبي الصين؟

التحولات الفكرية العميقة التي ستؤدي بالضرورة إلى تغيرات سياسية واجتماعية هائلة تقتلع كل جذور الفترات الحضارية والثقافية السابقة إذ سينحسر التيار الثقافي التقليدي مما يؤدى إلى اختفاء ظاهرة الإرهاب الفكري كما نشهده على الساحتين الإقليمية والعالمية إذ سينحسر سلطة اليمين السياسي والإبداعي والاجتماعي وهذا ما بدأ واضحا فى المعسكرات السياسية والثقافية داخل الاقطاب الكبرى إذ نفضت اوروبا يدها من التضامن الأمريكي وهنالك شرخ واضح بين اوروبا وامريكا مما ضيع نفوذ الحلف الاطلسي العسكري وهذا يظهر فى الازمة على شواطيء البحر الابيض المتوسط ما بين تدخلات تركيا فى الشأن الليبي.وهنالك التضعضع الدرامي الظاهر داخل كواليس السياسة فى موسكو ومحاولات بوتين لاستمرارية الخط البرقماتي المساوم وغير المبدئي مما غير فى الاستراتيجيات السياسية الماركسية فى كل انحاء العالم مما جعل التنافس بين القطبين الكبيرين سابقا واشنطن وموسكو تنافسا يقرب الى التصالحات ونوايا تقسيم النفوذ الزعامي بينهما أما الجانب الذى يتأكد فى كل يوم فهو انحسار المد اليميني الشعبوي الذى جاء بدونالد ترامب لأعلى سلطة سياسية فى العالم حتى اعتزلت امريكا عرشها الذى تدعيه فى حماية الديمقراطية فى العالم ،ويشهد حراك الحريات الفئوية والطبقية والأيدلوجية تطاحنا حادا فى امريكا ومؤسساتها الدستورية التي جاءت من نضال القومية الامريكية إبان تأسيسها منذ الحرب الأمريكية الأهلية وهاهى امريكا الديمقراطية تحاول أن تلملم وحدتها التى أخذت فى التفتت وأن تبني دولة وامبراطورية الحلم الأمريكى الذى ظهر أول ما ظهر فى رواية( جاتسبي العظيم) للروائى الامريكى (سكوت فتزجيرالد) أما فرنسا فإنها تتجه إلى اليسار الشيوعي بخطى ثابته ،و شرقنا الأوسط الذى كان يعتمد على امريكا كمظلة دفاع من تحرشات إيران فقد ذهد من مراوغات الحماية الأمريكية المدفوعة الثمن ودول الشرق الاوسط الآن رغم تخبط سياساتها الخارجية ما بين أقصى اليمين إلى الوسط فسوف ياتي حتما تيار سياسي وثقافى جديد لترتيب شئون المنطقة وعلى رأسها الوقوف ضد توسع اسرائيل فى أراضي العرب وضمها إلى تل ابيب كما فعلت بالقدس فالمشروع القديم معرض للسقوط حتما إذ أن هذا الوضع العربي سيتقدم كثيرا فى مناهضة هذه المخططات الرجعية ، أما ما يهمنا هنا إلى جانب كل هذه التوقعات هو وطننا السودان الذى أرى أنه يجتهد بحماسة ودأب لحلحلة هذه الخيوط القديمة والحديثة المتداخلة والتي تهدد بإنغلاق الخطوط على نفسها وإقامة سد حديدي منيع بين الخرطوم والمستقبل الزاهر الذى ينتظرها ,وأرى أن الخرطوم الآن مؤهلة لأن تحل العقدة الثقافية والحضارية القديمة والتي عاقتها طوال هذه المدة بين تقلبها مع الديمقراطية تارة ومع الدكتاتوربة تارة أخرى. أرى أن ما يسمي بدائرة محاربة التمكين قد وضعت يدها على الخلل الاساسي حينما تعمل على ارجاع المال العام إلى خزينة الدولة وأن تؤسس المناصب الإدارية القيادية بشكل سياسي علمي وبذا يبتعد السودان عن الفقر والجهالة والمرض والعوز أمام طلب المعونة والإستجداء من دول الجوار وإيقاف تدخلاتها فى الشأن السياسي الوطني . أما فى الشرق الأقصى والأدني ستنتهى إرتباطات إقتصادية وسياسية مع القوى الرجعية فى العالم وتنضم إلى الموكب الإنساني الطلائعي العظيم ،أما الصين فهي الآن قد وضعت على المحك على الأقل أن تخترع معادلة جديدة إلى الإئتلاف ما بين الماركسية والديمقراطية وما بين قيادة العالم قيادة إقتصادية إسترباحيةإلى قيادة تراعى المصالح الإقتصادية الدولية والعالمية المتبادلة والمتوازنة وأن تترك المسار البرغماتي الأمريكي .إن العالم يسير الآن نحو التغيير الكامل فكل معسكر سياسي وثقافى يتأمل الخروج من مازق كوفيد 19 فرب ضارة نافعة فهاهي كوفيد تتحول من كارثة انسانية تراجيدية لتفكيك كل الأطر الإقتصادية والسياسية والثقافية والإجتماعية لتعيد رسم العالم من جديد .أما امريكا اللاتينية فهي مسرح الآن لكل تفاصيل هذه التغيرات كما تظهر فى كل من البرازيل وفنزويلا وكولمبيا حيث التحرر من النفوذ الامريكي تارة والسوفيتي تارة أخرى مما يذكرك باجواء أوائل أزمة خليج الخنازير وقوة دولة كوبا ايام كاسترو .

5/كيف يؤثر كل هذا على الثقافة والاجتماع ؟
إجتماعيا قد خلق كوفيد 19 الآن عزلة بين الأنا والآخر وخوفا من أن يكون الآخر ناقلا للفيروس ،فاصبح الصديق يفر من صديقه وقريبه فتباعد الناس وتخندق كل فى فرديته وذاتيته مما يهدد القيم الجماعية فى التواصل والاخذ والعطاء وبمثل ما غيرت الحرب العالمية الثانية الاداب والفنون شكلا ومضمونا اتوقع أن يحدث هذا فى انحاء العالم كله بعد كرونا. أما علي الثقافة فستظهر النصوص الفكرية والابداعية الجديدة التي لاتعتمد علي مرجعية تقليدية فالافلام السينمائية السودانية القصيريه التي فازت في كل انحاء العالم الآن في مهرجان اسوان وكان وقرطاج السينمائي ,كلها افلام من العالم الثالث والنقطة المهمة هي ان النص المبدع لايعتمد علي شهرة صاحبه بل علي كفاءة النص

6/ كيف نقارن بماحدث بعد الحرب العالمية الثانية وما تحدثه الآن كرونا في العالم في مجال الأدب والثقافة ؟
بعد الحرب الثانية ظهرت تيارات فلسفية وأدبية تؤسس للحرية الفردية والجماعية وكتب سارتر وقت ذاك ثلاثيته الروائية( دروب الحرية) وهي تتكون من ثلاثة أجزاء (سن الرشد) و(الحزن العميق) و(وقف التنفيذ) وكان وقت ذاك سارترمتضامنا مع الحزب الشيوعي السوفيتي ،وكتب همنجواي (غدا ستشرق الشمس ثانية) و(وداعا للسلاح)، وكتب الامريكي دوس باتوس (ثلاثية الولايات الامريكية المتحدة) وكتب الانجليزى لورنس داريل (رباعية الاسكندرية )وكتب التايلاندى مايكل اوندتاجي (المريض الانجليزى) وكلها كانت تتكلم عن الحرب وكيف أنها سحقت الحريات الفردية والجماعية ،وكان الايطالى البرتو مورافيا يكتب روايات ذات مفردات فلسفية مثل (السأم )و(الاحتقار) وهى تدور عن المعاني السلبية التي خلقتها الحرب الثانية، لهذا أتوقع أن الفنون والآداب التي ستاتي بعد الكرونا ستاتى في موجات عارمة فى الشكل والمضمون ،وسيجتهد العالم فى النهوض من كبوته هذه لينتج فنا وأدبا جديدا أنتجته هذه اللحظة التاريخية الحضارية الكارثية .
إن الحياة لا يمكن ان تفرز وجها واحدا طوال الوقت فهناك المعني (ومعني المعني) وستبرز اتجاهات نقدية جديدة تعتمد على الفكر الفلسفي أساسا وعلى آفاق العلوم التجريبية ،هي نفس الفترة القديمة فى العشرينات من هذا القرن حيث ظهرت المدرسة الشكلانية الروسية بقيادة شوفلفسكى وباختين وياكبسون حيث تم التوفيق بين الشكلانية والواقعية الاشتراكية الروسية فالتئم المذهب ووحد بين المضمون والشكل وظهرت المدرسة الشعرية في النثر الروائي كما ظهرت السردية الشعرية ،كل هذا وظهرت الإسلوبيةو السيمائية بدلا عن البلاغة القديمة .إن العالم يتغير بدرجة إنحراف واسعة وكل هذا ستولد عنه مظاهر جديدة وافكار جديدة وإبداع جديد جمالى وسياسي وعلمي.

7/ وكيف ستكون الرواية .. هل بذات ماهي عليه الآن ؟
فى الرواية ستكون هنالك انقلابات واسعة ستنتهي مشكلة المفاضلة بين الشكل والمضمون سيلتحمان من جديد وتنتهي سلطة المؤلف على النص الروائي ،وسترتفع سلطة المتلقى والناقد حيث سيوجد كما ذكرت بوادر النقد الجديد هنالك ،نص الناقد سيكون نصا إبداعيا ينافس نص المبدع الروائي ويسمي هذا النص الجديد ب(الميتا نقد )كما هو عند رولاند بارت وياكبسون وباختبن وتودو روف وصلاح فضل وهاشم ميرغني وهكذا سيتغير كل المشهد الذى بدأ ببدايات هذا القرن

وماذا عن القصة القصيرة وانت قلت بموتها ؟
قبل أيام سمعت حوارا مع القاص المجيد بشري الفاضل بمناسبة فوزه بجائزة كين الافريقية ،هو يرفض هذه الفكرة تماما فكرة موت القصة القصيرة ويقول ما معناه أن مؤشر الحساسية الجمالية يتجه نحو الرواية حيث هناك إنفجار روائي كما يقول بشرى،و فى رأيى أن كلام بشرى هذا كلام وصفي وليس تحليلي .عندى أن تحليل هذه المسالة يقول إن المشكلات التي أتى بها عصرنا هذا هي مشكلات تحتاج إلى سرد رؤيوي يشمل نسقه الدرامي تفاصيل كثيرة ومشاهد متنوعة ومتناقضة, والحيز السردى القصصي في القصة القصيرة لا يحتمل هذه التفاصيل ثم أن كاتب القصة القصيرة تحولت أزمته من أزمة عابرة كما هي عند شيخوف إلى أزمة روائية واسعة، وعندى أن هذا هو السبب الذى قتل محاولات الرواية الجديدة والتي تسمي بالرواية المضادة فى فرنسا لأنها لم تستطع أن تميز بين الحيز الحدثي نسبةً إلى الحدث فى الرواية والحدث فى القصة القصيرة ،هي بالضبط نفس الأزمة التي حولت الشعر العربي القديم من الشكل العمودى إلى التفعيلى أوالي قصيدة النثر
إن العصر يخترع المبدعين الذين يعبرون عن نبضه ولهذا فأنا مازلت أستمر بالقول بأن إبراهيم عوض تبادل مع عصره الموقف الإبداعي, فالعصر إختاره كمطرب وهو إختار أن يعبر عن هذا العصر ومن هنا تاتي اهميته انه يعبر عن التاريخ ودائما الفنان الجيد هو الذى تتعادل خياراته الإبداعية مع خيارات عصره
8/ هل بالضرورة أن تكون للكاتب موهبة ؟
أنا دائما أفهم الموهبة ليست معطاه هى مكتسبة ،ومن ثم فإنني أري أن كل الناس مبدعين ولكن المسالة مسالة إختيار. أين تريد أن تقف مبدعا أم متلقيا ؟الموهبة تكتسب من التجربة والقراءة والتعلم والحوار بين الطرفين المختلف والمؤتلف ,الموهبة تحتاج ايضا الي واقع ثقافي متقدم وحرية سياسية واسعة وصدق أخلاقي عالي
9/الفلسفة تطغي على كتاباتك الروائية ؟
تعريف الروائي هو ما يسرد أو ما يحكي ليست المسألة مسألة اختيار المضمون إنما الرواية هي إختيار الشكل الذى تحكي به المضمون فقد يكون المضمون فلسفيا كما هو عند مورفيا او ميلان كونديرا وقد يكون رمزيا عند همنجوي فى( العجوز والبحر) وقد يكون فلسفيا صافيا كما هو عند سارتر في( الغثيان) التي اخذت جائزة نوبل, الذين يروجون لسيادة المضمون فى الرواية هم أصحاب الموقف الجمالي المتأخر وكما سبق أن ذكرت لك كانت هنالك معركة حامية في الثقافة الروسية المعاصرة بين الشكلانيين الروس وبين الواقعية الاشتراكية هي موقف سياسي يريد استثمار العالم التجريبي وقتذاك للنهوض باقتصاديات الدولة ولكن الشكلانيين الروس كما سبق وأن أشرت فهم كانوا يركزون على المدرسة الشعرية ويرون ان هنالك لغتان اللغة الاولي هي التي تحمل خطابا وهدفها الأول توصيل هذا الخطاب أما المدرسة الثانية هي الشكلية الشعرية التي نريد أن توصل حالة جمالية فقط ولكنها
قد تستخدم اشارات واقعية ولهذا انا احيلك وارجعك الى كتاب (الدرجة الصفر) للكتابة لرولاند بارت حيث تجد فصلا كاملا لما يسمي بالكتابة البيضاء وهنالك الكتاب الثاني مختارات من اعمال باختين, انا اقول لك فى النهاية أن هنالك تيارات واتجاهات للكتابة ظهرت مع بداية هذا القرن وهى تواصل الزحف وفق الوقائع التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية, الكتابة مثل الظل وهي تحت الشمس لاتقف عند مكان واحد فهي متحولة ومتغيرة عالمياً, الكتاب الذين يتخذون من الفلسفة موضوعا ابداعيا سارتر والبير كامو والبرتو مورافيا وهم ثلاثتهم يحللون افكارا فلسفية وهناك فى امريكا اللاتينية بورخيس الذى يكتب نصوصا سردية اوشعرية فلسفية وكما سبق ان قلت النص الجيد هو الذى يلبس فيه المضمون شكلا جيدا والشكل الجميل هو الذى يعبر عن المضمون بشكل جميل وكما قال الروائي الفرنسى جستاف فلوبير إن الرواية هي فن صناعة الشكل ونفس القول قاله الشاعر الفرنسي ملارميه أن الشعر هو قدرة الكلمة على الانزياح و يقصد بالانزياح الاداء الشعرى وليس مطابقة الدال والمدلول واختيار الكلمة ذات الابعاد المتعددة في الاشارة الي المعني

10/وكيف سيكون الشعر وهوالآن انحسر وتقدمت الرواية ؟
سيعود الشعر بقوة فبمثل ما أن الأزمنة القادمة ستأتي بالأفكار فهي أيضا ستاتي بالعواطف والمشاعر الإنسانية ستاتي بالتواصل بين الأنا والآخر, سياسيا وفكريا وعاطفيا وجماليا هي لحظة تستطيع أن تقول أنها لحظة شاعرة لأبعاد الكون ومسافات الحزن والفرح وأشواق الإنسان الحارة للحياة العميقة سوف تحلق فوق رؤسنا القصائد والأغاني والأماني والفكر السديد هذا هو الزمن القادم الذى سيتجاوز تراجيديا كوفيد والعنصريةو الفكر التقليدي وكل قبح العالم .هكذا سيبني الإنسان الجديد العالم الجديد ولعلك حضرت مشهد الموكب السوداني العظيم فى 30 يونيو الان
11/ ولماذا كان تراجع الشعر ؟
تراجع الشعر أتي لسيادة الفلسفة البراغماتية النفعية التي لا تفعل فعلا إلا تقبض ثمنه وهي ثقافة استهلاكية من الطراز الاول . فالشعر ليس مزاج هذا العصر الاستهلاكي .

12/ ماذا عن حرية المؤلف وحرية المتلقي ؟
لكل كاتب رؤية للعالم فانت لا تستطيع ان تحدد وأن تجبر الكاتب أن يرى العالم كما تره انت, النص لا يخضع الى حرية المؤلف المطلقة حرية المؤلف تستمد من الثقافة القومية وتقاليدها والثقافة الانسانية العالمية الى جانب موقف المؤلف الرؤيوى الذاتي ونفس الحقوق يتمتع بها المتلقى ولذا فأن حرية المؤلف وحرية المتلقى هما فى حالة حوار, فحرية المؤلف لا تتأكد الا بحرية المتلقى , كان الجدل القديم يدور من هو سيد النص؟ هل هو المؤلف؟ هل هو المتلقي؟ هل هو المرجع الثقافي العام(النصية)؟… السيادة هنا مشتركة بين هذه القوي الثلاث

13/ هل لديك صورة افتراضية عن الابداع العالمي والسوداني والعربي القادم وفق هذه التغيرات التى تحدث ؟

الصورة التقريبية والافتراضية هو أن أول خطوة سيتبعها الابداع الجديد هي مرتبطة بلا شك بموقفه من التقاليد الثقافية . فهو سيفعل كما فعلت المدرسة التفكيكية فى النقد, سيقوم بفض الشراكة وسينفض يده من موقف التناص مع هذه التقاليد التي تمنعه من التجديد بوصفه اشتباك الفكر والابداع مع اللحظات القادمة وبالتالى فاننا سنجد نصوصا ابداعية في كافة الاجناس المبدعة تتميز بالمغامرة حيث يؤكد كل فنان هنا انسلاخه عن جدوده المبدعين السابقين ومن ثم سنجد نصوصا يمكن ان نطلق عليها البنصية وهي تبعد عن التناص بمعناه انه فكر تقليدي سنجد فنونا ابداعية وادبية متمردة تمتاز بالاختلاف(النص المختلف) وهى ترمي بنفسها فى المستقبل .
فى الفترة القادمة ستتساوى حركة كل الفنون والاداب فى سياقها الداخلي هذا ولكنها سترتبط بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية الخاصة بكل بلد فى ارتباطاته الثقافية القومية ومن ثم تنشأ علاقة جديدة بين الفكر الاقليمي القومي والفكر العالمي الانساني والذى يمثل حوار الثقافات

14/ كيف تقرأ قصة المستقبل وماذا عن المشهد الآن ؟

– طيوف أوصور القصة الجديدة التي أرى أنها ستكتب فى المستقبل أستمدها من قصص قصيرة لبعض كتاب القصة القصيرة الرائعين هناك بشرى الفاضل و(البنت التي طارت عصافيرها )والتي عاملها النقد بانها رمز لإغتيال الحرية فى عهد نميرى هذا ربما يكون تفسيرا نقديا لمضمون القصة ولكن ما يذهل فى هذه القصة هو شكلها فقد إختار بشرى تكنيكا قصصيا يعرف بالكتابة البيضاء حيث الراوى يكون محايدا في السرد فلا تنم له نامة, كأنما النص يكتب نفسه بنفسه فليست هناك سلطات لإدارة النص من قبل المؤلف فالسلطة كلها فى يد المتلقى, حرية المتلقى هنا تفكك الأنساق الداخلية للنص وتربطها بالنسق الخارجي، اللغة تكاد تكون شعرية شفافة ومن عجب أنها تفتقر الى الذاتية ولكن بشرى بوصفه دارسا للأدب الروسي أظن أن هذه التأثيرات قد جاءته من قصة( موت موظف) لقوقول, أما القصة الثانية فهي قصة( الأبقار تموت واقفة )للقاص المبدع صاحب الموهبة الكبيرة محجوب الشعراني الذى إكتشفه الشاعر الكبير النور عثمان ابكر فى صفحته الثقافية فى الرأي العام فى أوائل السبعينات وهو يمتاز باستخدام الإندياح اللغوى فيقرب شكل القصة إلى قصيدة النثر من حيث تركيز الفكرة واللغة وهناك القاص عبد الحميد البرنس وهو الآن مهاجر فى كندا وقد كتب قصة (الغرفة الأخرى) وهي تحكي عن بطل غائب عن الحيز القصصي بشكل تام فهو يتكلم عن الغياب وليس عن الحضور وهذه تكاد تكون بدايات التفلسف فى السرد القصصي السوداني وهي خاصية تجدها عند الإيطالي البيرت مورافيا والتشيكي ميلاند كونديرا وتجدها عند مارجريت دوراس الفرنسية وتجدها في القصص القصيرة عند نجيب محفوظ (دنيا الله )(بيت سىء السمعة) أما الصويم فله قصة بديعة إستخدم فيها حرفية قصصية عالية إذ استخدم التبئير من (بؤرة) حيث ترتكز عدسة التصوير وتصور الشخصية من الداخل وتنتقل الكاميرا من شخصية إلى شخصية فى عدد لا يقل من الأربعة أو الثلاثة شخصيات ويديرها ببراعة والقصة بعنوان (أنا وهو وهي وهي الاخرى )وهذا المنهج ركز عليه الناقد الفرنسي البنيوى جيرار جينيت وهي قصة تمتاز بتكنيك متقدم للغاية وهذا التكنيك قد إستخدم فى قصة (ماذا فعلت الوردة) في مختارات من الادب السوداني لعلى المك , كذلك آن الصافى مجتهدة فى كتابة نص متماسك يستشرف آفاق لغة جديدة وهى مغامرة من الطراز الاول ولا تخضع لسلطة التقليد كما لو كانت تكتب نفسها بنفسها فهي في القصة تستحوذعلى مقعدين مقعد المؤلف ومقعد المتلقى فهي تحاول أن تتحدث إلى نفسها بصوت عال, أما الدكتورة لمياء شمت فهي بحكم أنها أكاديمية وأستاذة جامعية مدربة حرفيا على التفكير الأكاديمي الممنهج وجمع مادة الكتابة وفحصها وتركيبها ومن ثم فهي مشغولة بالتقاط الحدث اليومي المتحرك المشحون بالدلالات الشعرية وهي كاتبة مجيدة لاشك

15/كبف ترى الكتابات الروائية المستقبلية ؟وكان ابراهيم اسحق قد ذكر فى حوار معه ان الرواية القادمة ستكون قصيرة ولكن واسيني الاعرج اعترض على ذلك ما رأيك ؟

هنالك روايات نشرت فى الاونة الاخيرة فى الخرطوم وهي روايات أهم ملاحظاتي عليها أنها كتبت وفق دراية وخبرة فى اختراع شكل روائي جديد وهذه خطوة الى الامام ثم هنالك خطوة اخرى تقرب الرواية الى النص المبدع الذى تدرس مادته الخام وذلك خضوعا لمخطط روائي مسبق وبذا تتحول الكتابة الى مصطلح تقني وعلمي دقيق وتتجاوز العمل غير المخطط له الذى غالبا ما يقع فى الفوضى وقد ذكرت مرارا أن عيب الرواية السودانية الفني أنها تعتمد على النص الروائى الشفاهي اما الرواية الجيدة فهي تعتمد على النص الروائى المكتوب ولهذا تجد ان الكاتب الروائي احمدحسب الله الحاج قد ابدع رواية هائلة تجاوزت ذلك الخلل الابداعي فرواية (فشودة) تعتمد على مادة روائية محققة . ومدروسة وذلك على صعيد المضمون كذلك فعل الدكتور عمر فضل الله فى روايته (تشريقة المغربي) فهي رواية تاريخية لكنها تروى فى خيال سردي سلس فهاتان الروايتان تؤسسان للخروج من الكتابة العفوية إلى الكتابة العلمية الابداعية المحكمة أما أمير تاج السر فيجب أن نحييه على استمراريته وكفاءته في تأسيس الكتابة الحرفية الروائية وكذلك يفعل المبدع الفنان بركة ساكن في انه يؤسس لرواية سودانية عالمية ويتوازن فى خياراته لمضامينه الروائية التي تعرف العالم على السودان وكذلك يجتهد عماد الدين البليك وجمال محجوب فهذه طلائع روايات المستقبل فى ظني ان مايراد باعلاء شأن الرواية الضخمة فى عدد صفحاتها وتقليل شأن الرواية بسبب قلة صفحاتها هذا مقياس فني غير دقيق وهو قياس يعتمد بالكم وليس بالكيف هنالك الرواية ذات الصفحات القليلة والتي تسمى نوفيلا .و هنالك كتاب بارعين جدا فى هذا النوع من الكتابة . البير كامو كتب الغريب فى صفحات قليلة ونال نوبل, سارتر كتب الغثيان ونال نوبل وهي فى صفحات قليلة همنجواى كتب العجوز والبحر ونال نوبل ومارقريت دوراس كتبت هيروشيما حبيبتي رواية هزت الضمير العالمي وهى رواية نوفيلا
هنرى ملفل الامريكي كتب موفيديك وهي رواية ضخمة ولكنها عادية حمور كتب اشواق الدرويش وهي نوفيلا ايضا ولكنها رواية عظيمة .الفن لا يقاس بالكم ولكنه بالإتقان وبالجمال وبالقدرة الابداعية الهائلة. أنظر إلى بشرى الفاضل فى تعيسة أيضا هي نوفيلا , اعتقد ان زمن الرواية القادم هو للرواية الصغيرة وذلك بسبب سرعة ايقاع الزمن المعاصر ولطبيعة القراءة, اذ ان هنالك ثلاث عناصر تتحكم في البناء الروائي, المؤلف , والمتلقى, والناقد أيهما الأهم وصاحب السيطرة الحقيقية على النص!! انا اعتقد ان السلطة الحقيقية هنا هي عند المتلقى ويقول النقاد التفكيكيون ان هنالك خطوط منها خط مهم فى كتابة النص يسمونه اللغة الاستبدالية حيث يقوم المتلقى بملء الفجوات فى النص واستبدال بعض المفردات اللغوية التي يضعها المؤلف داخل النص بمفردات بديلة فالنص يقوم هنا علي ابداع موازي وهذه الجهود التي يقوم بها المتلقي. وواسيني يعتمد على الرواية الضخمة وهو يعتمد على قيمة المجهود العضلى اذكر فى الستينات سألني محاور صحفى قال لى ايهما اسهل كتابة الرواية ام القصة القصيرة فقلت له الصعوبة واحدة فى كل الجنسين الرواية والقصة ولكن صعوبة الرواية لانها تحتاج الى مجهود عضلى اكبر فى الكتابة فتصدي لي استاذنا الكبير الزبير على وقال لى لا يا عيسي انك تقول كلاما خاطئا فالجهد في النوعين هو جهد ابداعي فقلت له هذا ما اريد ان اقوله بالضبط وهانا اردده مرة ثانية لاستاذنا الكبير واسيني الاعرج

16/وماذا عن الشعر ؟
– أما الشعر فهناك ديوان (نداء الأجنحة) لنجيب محمد على حيث يحلق الشعر مرتفعا الى أعالى الأعالى ثم منخفضا فى حركة إنسيابية حتي ليكاد يصطدم بالأرض وفجأة يتخطى دوائر الخطر وفى النهاية يصطاد هذا الصقر فريسته الثمينة ،نجيب هو كما قال وردذ ويرث انه يأخذ من قاموس اللغة العامة ويصنع معني المعني في لغة هي لغة الشعب التي تصور الحقائق من كل جوانبها وليست لغة الخاصة التي تغسل اقدامها من التراب ومن لمسات الأرض ،نجيب يعطيك لغة دافئة ،لغة حية، القصيدة عند نجيب هي محاولات إكتشاف لغة شعرية جديدة . الياس فتح الرحمن في مخطوطته التي تحت الطبع وهي بعنوان (قصائد تقطف في اوانها ) وهو شعر يمثل الإيقاع الحضارى والسياسي والإجتماعي في الفترة التي نحياها الآن وهنالك فتوحات فى تجديد البنية الشعرية حيث النص السردي الشعري, أما محجوب كبلو فى ديوانه (سكرتير الحقول) فهو مدهش حقيقة حيث تكثيف اللغة وتكثيف الفكرة وتغريبها وكسر الإلفة بين المتلقى والنص وهناك محفوظ بشري في قصيدته الرائعة (الطريق) حيث تشتبك الاقدام حين تمشي بالمكان والزمان والمسافة والخيال والافكار, إنها شعر يربط بين الكينونة والصيرورة هذا شعر رائع .

17/ وكيف سيكون النقد الادبي والفني فى الثقافة العربية فى وسط هذه التحولات ؟

-هنالك مشكلة أو معضلة تعرض لها النقاد الكبار فى كل من المشرق والمغرب العربيين وهي هل يستطيع النقد العربي المعاصر التخلص من النقد الأوروبي المستورد الذى لم تنتجه الثقافة العربية التقليدية او الحديثة؟؟ وهؤلاء النقاد يعتبرون أن فكر الحداثة ونقدها مستخلص من الفلسفة الغربية وبالتالى فهو لا ينفع وعلى النقاد العرب أن يخترعوا نقدا مستخلصا من المتن الثقافي العربي ومن دورات الواقع لهذه الثقافة وفى ظني أن هذا شطط إن لم نقل أنها الشيفونية بعينها والتمركز حول الذات فهم من جانب آخر يدعون لحوار الثقافات ويستشهدون بأن الثقافة العربية فى عصورها المزدهرة وصلت الأندلس وشاركت في بناء الثقافة الأوربية المعاصرة هذا الموقف يمنع التبادل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والحضاري ولا يساعد فى التنمية الإقتصادية فى كل من آسيا وافريقيا وبلدان العالم النامي الأخرى و في امريكا اللاتينبة وافريقيا وفي آسيا في شرقها الأوسط والأدني والأقصى فهم يريدون إذا عزلة لا تماس فيها بين الحضارات

18/كل هذا الذى تتكلم فيه يحتاج الى قدرات نقدية عالية ؟

النقاد الكبار يتركزون منذ نصف قرن تقريبا في العواصم الثقافية العربية الكبرى تونس والمغرب والجزائر والعراق ولبنان ومصر هناك شكرى عياد ومحمود أمين العالم وصلاح فضل وعز الدين إسماعيل وجابر عصفور في القاهرة وغالى شكرى ورجاء النقاش..,
فى العراق هنالك غالب هلسا ومحي الدين صابر وجبرا ابراهيم جبرا …وفى لبنان أدونيس وخالد السعيد…وفى الجزائر عبد الملك مرتاض والدكتور حسين الخمرى.. وهناك فى المغرب الكاتب الطاهر بن جلون االذى يزاول النقد احيانا ومحمد بنيس.. وكلهم يتبعون تيارات نقد الحداثة, وفى السودان هنالك هاشم ميرغني الذى يكتب الميتانقد حيث تكون الدراسة النقدية هي إبداع كامل وهى فى ذات حدها نص إبداعي وهناك مصطفى الصاوى وهو صاحب مهنية أكاديمية عالية وصبر عقلي ووجداني علي الكشف للنص في وتأن ودقة وهناك مجذوب عيدروس الذى يتمتع بمعرفة تاريخية واسعة للإبداع في محصلته القومية التي تجمع كل الجهات والإتجاهات والمدارس هنالك ناقد علينا أن نحترم جهده عز الدين ميرغني الذى له قدرة على المتابعة المستمرة الدؤوبة وهو لا يحصر نفسه في الأسماء اللامعة فهو يطارد الإنتاج النصى الأدبي أينما كان وكيفما كان فهو له قدرة على إشاعة التنوير, أما صلاح سر الختم فهو محاط علما بموضوعه وهو ناقد عميق التحليل واسع الرؤيا بلا ضوضاء أوصخب أما الدكتور محمد المهدي بشرى فهو صادق جدا مع قراءاته للنصوص وهو يعبر حقيقة عن المضمون والشكل الذى أوصله له النص قد تتفق معه او قد تختلف ولكن من الثابت أن له الحق في التعبير عن رايه كيفما كان واينما كان
اما الناقد الذى تحترم عمله وجهده حتى وإن اختلفت معه فهو الناقد عجب الفيا أما عامر محمد حسين فهو يجدد نصه باستمرار وهو صادق جدا فى قراءاته ولا يجامل مطلقا وأرى أنه يجتهد ويطور من ادائه باستمرار ,وهناك الدكتور عبدالرحمن عبدالماجد الحبوب وهو من اهم النقاد الاكاديميين الجدد وهو يعلمك الانضباط الموضوعي في النظر الي النص كما يعلمك احترام الحوارالمتبادل بين النص وناقده فيعطيك الكثير من المعرفة بل يعطيك كل مفاتيح النص وهو يبشر دائما بالكتابة الجديدة, اما الناقد الدكتور احمدالصادق فهو يؤكد دائما علي النقد الشكلاني في حواره مع النقد البنيوي حيث يلتقي ياكبسون وباختين وبارت وهوصاحب العقل النقدي الجميل

19/ ماذا تقول عن الشعب السوداني والطاقة الثورية؟

– اذا اخذنا بقول المفكر الياباني فرنسيس فوكو ياما فى كتابه( نهاية التاريخ) لا اظن أن دورات التاريخ تتوقف الا إذا قامت القيامة فآمال الانسان وطموحاته تستمر مازالت الحياة مستمرة . من كان منا يظن أن سلطة الانقاذ المغروسة فى لحم الشعب السوداني حتى عظمه يمكن ان تقتلع هكذا بين يوم وليلة, وهذه معجزة الشعب السوداني الذى كان يواجه القهر دائما بصدور مفتوحة وسواعد مشرعة وفكر وضاء, ومشاعر خفاقة انها لحظة الكينونة التي تطارد لحظة ميلادها فى التاريخ, ان هذا الشعب شعب عظيم وهاهو الآن يكافح الكورونا وكل عوامل التخذيل ومحاولات إيقاف دوران دورات التاريخ إلى الأمام

20/ كبف تنظر إلى دور حمدوك في النهضة السياسية والحوار الثقافي الحضاري العالمي الان؟
-هذا الرجل حقيقي جدا بسيط ومتواضع كقطعة الكسرة بالبصل والماء والشطة والملح والزيت تكسب قوتها من قدح كبير من الخشب وسط قبيلة تمثل السودان كله وهو اصيل جدا قد لا تكون لديه خبرة واسعة فى ادارة شئون الحكم ولكنه عبقريه حقيقيه فى ادارة الحوار السياسي علي النطاق العالمي, له حضور ودراية وتجربة وعلم اكاديمي متخصص في الاقتصاد, اقتصاد الدولة وارتباطه بالتجارة الخارجية وهو مقنع جدا حيث استطاع في سلاسة أن ينجز فعلا سياسيا متعلقا بوضع السودان وصورته الاقتصادية والسياسية المشكوك فيها لمدة ثلاثين عاما وان يعيد الثقة للمظان السياسية والثقافية والاقتصادية والدبلوماسية العالمية وان يربط كل هذا من خلال علاقات متوازنة بين عواصم الدول العالمية والخرطوم ,هذا الرجل يستحق احترامنا ومحبتنا له

21/ماذا تقول عن المواقع الثقافية في نطاق الصحافة الالكترونية فى السودان ؟

– حلت هذه المواقع فى يسر وبراعة وتمكن حرفى ومهني محل الملاحق الثقافية في الصحافة الورقية فالذين يديرونها هم اصلا يخبرون العمل الثقافي والعمل الصحافي لهم نضوج فكرى وفني عميق بالثقافة السودانية وارتباطاتها بالثقافة العربية والافريقية ويلمون بالحراك الثقافي والادبي العالمي ويستطيعون ان يلتقطوا القضايا الفكرية والثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية محليا واقليميا وعالميا وهم فوق هذا وذاك يمثلون منصات اتصال ثقافى بالمنصات الثقافية الدولية والعالمية ومن ثم فهم ينقلون الثقافة السودانية واحوال السودان الي العالم الخارجي فيما يمثل هذا حوارا ثقافيا مهما ومطلوبا ولكن على هذه المنصات ان تراعي هذه المهمة الاخيرة التي ذكرنا وهي التوصيل الثقافي الخارجى وان تراعي قارئها الافتراضي خارج الحدود فهو ذو كفاءة عالية فى التلقي وان تحاول رفع كفاءة القارىء غير الكفء محليا حتي يتوازن الاداء التحريرى بين المادة ومستواها الادائي والفكري لكي يتوازن الانتاج والاستهلاك

22/ وما قولك فى دور النشر فى السودان ؟

– كانت هنالك مقولة مستهلكة قديمة تقول أن بيروت والقاهرة تطبعان وتنشران والخرطوم تقرأ بمعني أن الخرطوم مستهلكة للثقافة وليست منتجة لها والآن انقلب الوضع تماما أصبحت لنا دور نشر منها مدارك ومدارات والمصورات والاكاديمية ودار النشر بجامعة الخرطوم, وكلها تجتهد في تقديم الكتاب السوداني ولكن الدار التي اشهد لها بلا أدني تحيزات هي مدارك جودة فى الإخراج والطباعة والورق وإختيار النص وإستقطاب الأقلام الكبيرة فأغلب الكتب المهمة طوال هذه العشرة سنوات الأخيرة كانت من نصيب مدارك ولها شهرة فى سوق الكتاب العربي مما يمكنها توصيل الكتاب السوداني إلى الخارج هنالك بالحق جهود فى مدارات والمصورات وانخفاض في نشاط الاكاديمية وبلا شك أن هذه الدور تبذل جهدا فوق طاقتها فالكتاب السوداني بلا أسواق لأنه بدأ متأخرا وإحتكار السوق لدور النشر الكبري فى المشرق والمغرب العربي والاسماء اللامعة من النقاد والمبدعين يتمركزون فى الجزائر والدار البيضاء وتونس والقاهرة وبيروت وكانت قبل سنوات تحتل بغداد مركزا كبيرا فى صناعة الكتاب, لابد للدولة السودانية الإهتمام بهذه الدور و الإعفاء الضريبي وتوفير المواد الصناعية الأولية والتوسع فى إعطاء حرية التعبير لأن هذه الدور تعمل داخل نسق التنمية الإجتماعية فى مواقعها المختلفة مدنياَ وحكومياَ

23/وقولك عن ملكية الصحف فى الفترتين الإنتقالية والديمقراطية؟

– ملكية الصحف اولاً يحددها قانونياً الشكل السياسي للدولة أهي دولة شمولية دكتاتورية أم هي ديمقراطية تعددية ؟ فى أيام الحكم الشمولى عبود- نميرى و البشير كانت ملكية الصحف تؤول الى الدولة إما بالتأميم (نميرى) او بالتبعية (للحزب الحاكم عمر البشير)، وأيام (عبود) كانت هنالك صحف لا تفوق الثلاث أو الإثنين تابعة للمجلس العسكرى
فى النظام الديمقراطي ليس للدولة أن تمتلك صحيفة إنما ملكية الصحف تمثل منابر سياسية وفكرية للأحزاب المكونة للحكومة وعلي الحكومة الإشراف على هذه الصحف لكي لا يكون هنالك مساس بالنسيج الإجتماعي فالوضع هنا هو إدارة الفكر العام مابين الإختلاف والإئتلاف وبذا تكون هذه الصحف منابر للرأي والرأي الاخر فى حوار يوصل إلى الإتفاق القومي العام ما يمثل حرية التعبير الفردية والجماعية ويعبر عن تماسك الدولة واستقرارها

24/أخيرا لنتحدث عن المسابقات الأدبية كيف تراها ودورها ؟
اتصور ان أداء مركز عبد الكريم ميرغني في جهوده لاحياء ذكري الطيب صالح تنقصه قدرة الحركة التي يحد من حيويتها المنع المستمر فى عهد الانقاذ مما أحبط الجهات الفاعلة فى المركز فى تجويد برامجها ووضع استراتيجيات أكثر شمولا وتركيزا للإشعاع الثقافي المرجو, لقد إرتبطت الجماهير المتعطشة للثقافة بمركز عبد الكريم ميرغني لموقفه السياسي والثقافي التقدمي أما مركز الطيب صالح( زين) كان يحتاج إلى مراجعات فى استراتيجياته وبرامجه وتجديدها وفق مستجدات الحياة الثقافية وينقصه التركيز على الإبداع السوداني ولكنه قدم طوال هذه العشرة سنوات جهوداً جديرة بالتحية لكل العاملين فيه تحياتنا وشكرنا ونرجو أن يستمر بذات الحماسة والدقة وإعتبار الثقافات العربية الأخرى فى انحاء العالم العربي, وأن يرتبط الإنتاج الثقافي السوداني بالإنتاج العربي حينما يوصل ويربط الثقافة السودانية ونشرها فى العواصم العربية بمثل ما يقدم ثقافات العواصم العربية فى الخرطوم.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق