نيرتتى حبيبتى .. ذكريات و تداعيات

د. الياس الغائب

كان ذلك فى العام 1993م حين كان الطيب محمد خير (سيخة) والياً لدارفور و محمد الحسن الأمين (نقطة نظام) نائباً له، و حين قرر صندوق دعم الطلاب تسيير قوافل طلابية من الجامعة الوليدة الوحيدة فى تلك المنطقة إلى جميع محليات ومدن وقرى الولاية؛ تنفيذًا لخطة نظام الإنقاذ المحكمة حينئذً لصياغة الإنسان السودانى حسب أيدلوجيتهم وفهمهم الخاص للإسلام ومسح و طمس كل ما يتصل بالمنطقة من هوية ..

قام الصندوق القومى لدعم الطلاب على فلسفة العزل التام بين الجامعة والطلاب و بين الأكاديميات و الحياة الإحتماعية. حيث حصر دور الجامعة على العمل الأكاديمي فقط و ترك لنفسه أمر سكن الطلاب و إعاشتهم وترحيلهم؛ حتى يتسنى للقائمين عليه التحكم فىهم، ويا بخت من كان النقيبُ خاله .. إذا كنت من أصحاب الولاء المطلق والإلتزام أو كنت من المؤلفة قلوبهم أو لك حظوة عند من له نفوذ وسلطان فأنت من أهل الرعاية والإهتمام وإلّا فمصيرك الإهمال وعلى الدنيا السلام ..

على الأستاذ المحاضر أن يدخل القاعة فى موعد الدرس ويبدأ درسه بمن وجد من الطلاب حتى و لو كان طالباً واحداً فقط. يعطى الدرس للموجودين و لا يسأل عن الغياب بسبب الترحيل وإلّا يعتبر معارض و معوّق وطابور خامس ..

رأينا نحن مجموعة من الأساتذة أن ننتهز فترة غياب الطلاب مع قوافلهم المختلفة و أن نقوم برحلة إلى جبل مرة؛ للتعرف على الجبل و للوقوف على حقيقة هذه القوافل، وقد كان. تحركنا فى عربة صالون لاندكروزر ذات دفع رباعى و غادرنا الفاشر فى طريقنا إلى جبل مرة ..

كنت أحلم برؤية جبل مرة منذ أمدٍ بعيد منذ أن كنت تلميذاً بمدرسة (أبوزيد) الأميرية الوسطى وناظرها المُعلّم الجليل حسن الأسطى ونوّارة معلميها أستاذ اللغة الإنجليزية محمد أحمد أبو كلابيش، ولم يكن حلماً مستحيلاً؛ وذلك لأننى كنت من ركاب قطار الغرب ( قطر نيالا كما نسميه) الدائمين. أتخذه أربع مرات فى السنة ذهاباً و إياباً لمدة أربع سنوات، فى بداية العام الدراسى و فى العطلة الصغيرة عطلت نصف السنة و فى نهاية العام، آتيه من الدلنج و أنتظره فى محطة الدبيبات قادماً من الخرطوم .

مررنا بنيالا البحير، كاس ثم نيرتتى. الطريق الوحيد الذى وجد حظاً من الأسفلت هو طريق نيالا – كاس – زالنجى، أما الطريق الذى يربط بين أكبر مدينتين فى الإقليم الفاشر ونيالا لم يكن مسفلتاً و لكنّه معبد بعض الشىء، و لقد قامت دراسات عدة بأهمية الإهتمام بهذا الطريق وسفلتته إلّا أن إهتمام الطيب سيخة و حكومته كان مختلفاً كان مطارًا دولياً فى الفاشر ، إنارة الخلاوى بالكهرباء، إقامة محطة إرسال تلفزيوني فى قمة جبل مرة لغزو دول غرب أفريقيا و لنشر الفكر الأخوانى بالإضافة إلى طريق الغرب وخلوها مستورة ..

نيرتتى، من أحلى و أجمل ما رأيت، أرض بكر عذراء خصبة، طبيعة ساحرة، مياه صافية رائقة عذبة و تنوع بيئى فريد، حيوانات، طيور .. حتى الحشرات هنا وديعة و مسالمة مثل الفراشات لن تجد ما يخيفك منها .. و يا سلام على الفراشات فى ألوانها الزاهية و هى تتنقل من زهره إلى زهرة فى غابة من الأشجار الكثيفة الوارفة و الشجيرات الصغيرة. أما الإنسان ملح الأرض فهو رقيق وديع بسيط مطبوع على سجيته و طبيعته لا تكّلف و لا تجمل ..

أقام الطيب سيخة مؤتمراً للولاة فى نيرتتى، دعا له جميع ولاة السودان القديم و بنى لهم منتجعاً سياحياً بالمواد المحلية فى هذه المدينة السياحية الساحرة و أثثه فجمع فيه بين البساطة و الحداثة وجلب له كل وسائل الترفيه و الراحة فكان أبهة فى الجمال و الروعة. لكن يا للخسارة ..! أهمل هذا المنتجع الجميل بمجرد أن غادره الولاة و نهبت بعض ممتلكاته وتركت بعض كراسيه و مناضده فى وضع مزرىء متراكمة فوق بعضها البعض وبنى فيها العنكبوت بيوته و الطيور أوكارها. وضاع الجمال والمال و بقى الإنسان المغلوب على أمره ملموماً محسوراً ..

و لكن إلى متى يبقى إنسان نيرتتى هكذا ؟ إلى الأبد ؟ كلا ..!! نفض الذل و الهوان وانتفض مارداً رافضاً للحرب و الدمار والتهميش وبأسلوب حضارى راقً، إكتسبه من ثورة ديسمبر 2018م. التحية لديسمبر وثوارها و شهدائها و مفقوديها؛ لما قدمته من وعى لمناطق لم تشهد المعرفة فى حياتها منذ أن دخلت المعرفة السودان مع كتشنر فى أواخر 1884م، و إنحصرت فى شريطها النيلى و زحفت مع خط السكك الحديدية وحرم منها باقى السودان. إلى وقت قريب كان فى دارفور السلطان كلّها مدرسة ثانوية واحدة هى الفاشر الثانوية ..

و الآن وبفضل ثورة ديسمبر دخلت المعرفة السودان كلّه و عمّ الوعى. حالم من يظن بعد اليوم أنه يمكن أن يغش أو يخدع البسطاء ، لقد ذهب زمن الفهلوة، ذهب ذلك الزمان بناسه و سماسرته ومن بقى منهم لا حول له ولا قوة وسوف تذهب أيضاً غير مأسوف عليها المعارضة بالوكالة و المعارضة من على البعد. و يبقى المناضل الثورى الأصيل، المناضل الذى يبقى وسط أهله و أحبابه يأكل معهم و يمشى بينهم فى الأسواق، يجوع إذا جاعوا و يعطش إذا عطشوا ويمرض إذا مرضوا و يموت إذا ماتوا. كيف تفكرون يا هؤلاء ؟؟ أيعقل أن تنتظرون حتى تندلع الثورة و تنتصر و يعتصم الثوار و يموت فيها من يموت و يحيا فيها من يحيى ثم تأتون !؟ ألم يكن الثوار فى ميدان الإعتصام فى حاجة إلى من يشد أزرهم و يحميهم ؟

كيف تتحدث باسم الغلابة و المهمشين و المحرومين و أنت لا تساكنهم ولا تجالسهم و لا تعاشرهم و لا تتكوّى بنيرانهم و لا تحس معاناتهم ؟؟ من الذى منحك هذا الحق و أنت بعيد عنهم كل هذا البعد ؟ ألأنّك أكثر فهماً و وعياً ؟ ألأنّك أفضل من يعبّر عن مشاكلهم ؟ أم لأنهم جهلاء و لم يجدوا حظاً من التعليم ؟ و من قال لك إن الحكمة لا تجرى على ألسنة الجهلاء .. ألم تسمع برجال الإدارة الأهلية القدامى ؟ ألم تسمع بالنظّار والعمد و الشيوخ و الشراتى و المكوك و الملوك و السلاطين ؟ أيقبل عقلا أو منطقاً أن تسكن فى بحرى و تترشح فى ساق النعام أو تسكن فى دريملاند وتترشح فى الشيخ أبوزيد ؟ لقد ولّى زمن خج الصناديق و إعطاء أصواتكم فى الإنتخابات لمن يطلبها أو يشتريها .. أعطوها فقط لمن يقيم بينكم و يحس بنبضكم وتختارونه أنتم بإرادتكم. و لا تنسوا أن الوزراء مجرد موظفين لديكم ليس إلٌا. أنتم الساسيّون و أنتم أهل الحل و الربط. المجد لثورة ديسمبر و للثوار الشرفاء من لقى حتفه و من ينتظر ..

ماذا وجدنا فى نيرتتى ؟ وجدنا الطلاب ذكوراً و إناثاً فرادى و جماعات فى ذلك المنتجع المهجور فى تلكم البقعة النائية.. آى والله ..! يسهرون و يتغنون هى لله هى لله. لم نستطع أن نصمد بقينا ليلتين لم نهنأ فيها بنوم من كثرة الضجيج على الرغم من ساحرية المكان وغادرنا و تركناهم يعيدون صياغة الإنسان كما يحلو لهم …

الياس الغائب … كوبنهاجن
[email protected]

تعليق واحد

  1. القال ليك منو ما في غير الفاشر الثانوية لعهد قريب … الكلام دة ناجرو من راسك . في دارفور الثانوية ونيالا والجنينة من زمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق