السودان وتحدّيات النهوض

طـه داوود

  • خرجت أوربا من الحرب العالمية الثانية وقد تمكّن منها الإنهاك والدمار والفوضى. أزهقت آلة الحرب وقاذفات القنابل والبوارج الحربية والصواريخ أرواح ملايين البشر في أوربا وفي سائر أنحاء المعمورة. انتهت الحرب اللعينة مخلّفة وراءها ذكريات مرعبة وصور مؤلمة عن الموت وأهواله، وعن فظاعة البشر عندما يتحولون إلى وحوش كاسرة لا يهمها غير الانتصار على الطرف الآخر ولو على جماجم خمسين مليون إنسان!.

  • انهزمت ألمانيا النازية وتنفست الشعوب الأوربية الصعداء بعد تخلّصها من الاحتلال النازي. وضعت الحرب أوزارها، وانسحب الجنود بدباباتهم وأحذيتهم الثقيلة، وخرج الناس إلى الطرقات للتعبير عن الفرح، فبالرغم من الدمار الذي طال كل شيء بقيت شعلة الأمل متّقدة في قلوب الناس، وبقي عندهم الإصرار على العودة إلى حياتهم الطبيعية وإعادة بناء المدارس والمصانع والمسارح. فلا معنى لليأس واجترار الذكريات الأليمة والبقاء تحت الأنقاض.
  • بهذه المعاني استطاعت أوربا أن تنهض من جديد واستطاعت أن تخلق وحدتها الداخلية من خلال الاتحاد الأوربي، فتلاشت الحدود بين أكثر من ٢٧ دولة أوربية، وتحوّلت القطارات السريعة والطائرات والشاحنات من نقل الجنود والبنادق والمدافع والعتاد الحربي إبان سنوات الحرب إلى نقل ملايين البشر وملايين الأطنان من البضائع بين دول هذه الكتلة الاقتصادية الهائلة فازدهر الاقتصاد والتحمت الشعوب رغم تعدد اللغات.
  • مضت أوربا في برنامجها الوحدوي الطموح، فنجحت في عام 1999م في تأسيس اندماج اقتصادي بعملة نقدية واحدة وبنك مركزي واحد، فظهرت منطقة اليورو كثاني أكبر منظومة اقتصادية بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
  • نعم، نجحت دولة مثل ألمانيا في التداوي من مرارات الهزيمة والاستسلام لشروط الحلفاء القاسية، فنهضت من جديد ونجحت في استعادة وحدتها بعد نحو خمسين عاماً من التقسيم، لتصبح الاقتصاد الأكبر في أوربا.
  • هل في مقدورنا في السودان أن نعبُر وأن نسمو فوق جراحات الحروب والنزوح والأطعمة التي تلقيها علينا طائرات الأمم المتحدة؟  هل نستطيع تحويل السلبيات إلى إيجابيات والمهدِّدات إلى فرص؟
  • ألا نستطيع، على سبيل المثال، أن نأخذ ما يكفينا من الماء الزلال الذي تحمله هذه الأنهار أمام أبصارنا من أقصى حدودنا الجنوبية إلى أقصى حدودنا الشمالية وهي تمدّ لسانها لنا لعجزنا وفشلنا في أن نغرف مِن هذه المياه العذبة المجانية ما يروي نفوسنا وزروعنا ودوابنا! هلاّ تأملنا فيما تنفقه دول الخليج من مليارات الدولارات في إقامة محطّات ضخمة على شواطئ البحار لتحلية المياه المالحة، ثم نقلها عبر أنابيب عملاقة لمئات الأميال عبر صحاري جرداء لسقيا المدن الداخلية؟ بينما نحن عاجزون عن نقل مياهنا العذبة إلى المواطنين في بورتسودان والأبيّض والفاشِر! بل إنّ بعض الأحياء الطرفية بالعاصمة الخرطوم لم تصلها شبكة المياه والنيل يتهادى على مرمى حجر منها!

  كالعيس في البيـداء يقتلها الظمــا … والمــاء فوق ظهـورها محمـول

  • الأزمة في تقديري ليست أزمة موارد ولا أزمة إمكانيات ولا أزمة إنتاج. الأزمة هي أزمة إنسان. أي، عجز الإنسان السوداني عن  معرفة قدراته ودوره ومهامه تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه بلده.
  • أخبرني من أثق به من أبناء دارفور أنّ موسم جني محصول المانجو في منطقة كُتُم يتحوّل إلى نقمة بدلاً من أن يكون نعمة على المزارع  بسبب انعدام وسائل الترحيل وانعدام ثلاجات التبريد، فتصبح هذه الفاكهة الغنية والمطلوبة، علفاً للدواب،! وأكد لي هذا الرجل أن الحمير في هذا الموسم يصبح طعامها المانجو! فتراها وهي تغوص بقوائمها في أكوام المانجو مستمتعة بهذا الطعام الجديد، بعد أن عَجِزنا عن نقلها إلى موائدنا في المدن الأخرى، فضلاً عن عجزنا عن تعبئتها وتغليفها وشحنها إلى أسواق الدول المجاورة!
  • لماذا توجد في بلادنا ثروة حيوانية هائلة تقدّر بالملايين من رؤوس الأغنام والأبقار والإبل وهي تجوب سهول البطانة وسهول السافنا في كردفان ودارفور بينما أغلب السكان في المدن والقرى لا يستطيعون الحصول على كفايتهم من اللحوم والألبان بسبب أثمانها الباهظة! ونفس حالة العجز تنطبق على ثرواتنا الغابية والسمكية المهدرة، ويمتد الفشل إلى الصمغ العربي والتمور والفول السوداني وصناعة السكر…الخ.
  • وكما سبقت الإشارة، فإن الأزمة أزمة داخلية لا خارجية. أزمتنا سببها الفشل في تحقيق وحدتنا الداخلية، ولا أعني بذلك وحدة التراب، فهذه الوحدة قائمة على كافة المستويات من محلّيات إلى مُعتمَدِيات إلى مُحافَظات إلى وِلايات، وإنما أعني بذلك وحدتنا كمجتمع.
  • صحيح، الأوراق الثبوتية وشهادات الميلاد تمنحنا هذه الوحدة الشكلية، فكلنا سودانيون من هذا المنظور، ولكن ما ذا عن الجوهر والمضمون؟ ما هي مشاعرنا الحقيقية تجاه بعضنا البعض؟ هل  نلجأ إلى الاصطفاف القبلي عند الشدائد أم نلجأ إلى القانون؟
  • نحن الآن في أمس الحاجة إلى المكاشفة والمصارحة والمراجعة للكثير من الأساطير والخرافات والتصورات المتراكمة في تلافيف أدمغتنا عن أخينا المجاور لنا في المسكن والمسجد والمكتب والمزرعة والمدرسة.
  • نحن شركاء في كل الملاحم التاريخية والمجاهدات والتضحيات والبطولات التي قادت البلاد نحو الاستقلال والانعتاق من ظلام الاستعمار وجبروته، ومع ذلك، يلجأ أغلبنا إلى كهف القبيلة الضيّق عند الشدائد!
  • أنا لا أدعو إلى إلغاء القبيلة من قاموسنا، إذ لا يمكن تجاهل دور هذا النّسَق الاجتماعي في مختلف أوجه الحياة، وإنما أدعو إلى تنوير قلوبنا وعقولنا بما هو مطلوب منا كأفراد وكمجتمعات لتعزيز وحدتنا المجتمعية الهشة، وأن ندرك الدور الحقيقي للقبيلة في حياة المجتمع الإنساني، كما أشارت إليه الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عندالله اتقاكم)..
  • فالهدف من انتمائنا لقبائل مختلفة هو التعارُف لا التفاضُل، هو التعاوُن لا التناحُر، هو التآخي لا التفاخُر، هو التكامُل لا التحارُب.
  • أمّا عند الله، فإن المعيار، كما في الآية، هو التقوى، والتقوى لا تنحصر فقط في الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام، وإنما تمتدّ لتشمل كل أنشطتنا وعلاقاتنا ومعاملاتنا في هذه الحياة الدنيا، وكما نعلم، فإن الدنيا هي مَطيّة الآخرة ، ولن تستقيم أمورنا في الآخرة إلا إذا استقامت في الدنيا.
  • عليه، نحتاج إلى إيجاد صيغة لتفجير طاقاتنا وإمكانياتنا الذاتية وتوجيهها نحو أهدافنا الوطنية العليا في السلام والاستقرار والتنميـة.
  • مجتمعنا بمختلف انتماءاته وتوجهاته في أمس الحاجة إلى استكشاف مكامن القوة وإلى إبراز الخصائص والمشترَكات المُعزِّزة لمفهوم السودانوية المتناغِمة مع القِيم والثوابت والمحقِّقة للوحدة في التنوع.
  • هذا التنوع في السِّمات والسحنات واللغات هو مصدر قوة لا مصدر ضعف. ينبغي علينا الاعتزاز بهذه اللوحة الوطنية شديدة التنوع، وإبرازها للعالم أجمع بدلاً دفن الرؤوس في الرمال! 

قال الشاعر:- ضدان لمّا استُجمِعا حَسُنا … والضد يُظِهرُ حُسنَه الضد

  • إن جدلية الانتماء المزدوج (إن جاز التعبير) ما بين الوطن باتساعه وحياديته وشموليته وبين القبيلة بانكفائها واكتفائها وانحيازها، كان لها حضور قوي وقديم في ذهنية المستنيرين من أبناء الوطن من الخريجين والكتّاب والشعراء.
  • فعلى سبيل المثال، نجد أنّ شاعر الحقيبة إبراهيم العبادي الذي كتب أروع الأغاني للحاج محمد سرور، مثل (شوف مَحاسِن حُسن الطبيعة…تَلقَى هيبة وروعة وجلال) و (شموس عِفّة وبَدور دورِن…بَهِي الدنيا وزَهِي خُدورن) و(برضي ليك المَولَى الموالي… لَو تحول دون قَصدي العوالي)…وغيرها الكثير، نجد أن هذا الشاعر العظيم استبق الجميع في التنبيه إلى ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية بإعلاء شأن القيم المشتركة على حساب الانتماء القبلي الضيق، فعبّر عن كل ذلك بقوله:

جَعَلي ودنقلاوي وشايقي شِن فايداني… غيرْ خَلَقت خِلاف خَلّت أخوي عاداني
جعلــوا نَبَـأنا يســـري للبعيــد والدانــــي … يَكفِــي النّيل أبــونا، والجِّنِس سودانـي

  • علينا جميعاً السعي للخروج من جُلباب القبيلة بمعناها السلبي والعمل على تعزيز انتماءنا لما هو أشمل وأبقى وأفيد، ألا وهو الوطن.

      التحيــة..

طـه داوود
[email protected] Com
11/7/2020م

‫2 تعليقات

  1. يتحتم أن يصاحب حب الوطن والبغد عن القبلية والمحسوبية القيم والاخلاق العالية مثل احترام القوانين وتجريم المحسوبية والقابلية للمحاسبة لايا كان..والقناعة يان هذا يعود بالفائدة لك وللآخرين. مهم الابتعاد عن العقل الرعوى(النور حمد) وما يوصف بالمفتح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق