مقالات سياسية

الأحزاب .. وضياع فرص الإنتقال

محمد عبدالله ابراهيم

ان بلادنا ظلت تعاني منذ سنين طويلة من ازمات سياسية خانقة لم تستطيع ان تنفك عنها، وحيث تراكمت وتفاخمت إلا ان أضحت احدى العوامل المسببة للإنقسام في اواسط مجتمعاتنا السودانية، ومهدد اساسي في الحفاظ على ما تبقى من تراب الوطن بعد ان انفصل الجنوب، ويعد صناعة الازمات من اكثر السمات البارزة في تاريخ أحزابنا السياسية واحدى الإنجازات التي اورثوها للوطن عبر سياسات النخب التي تم فرضها وممارساتها في السودان رغم إختلافات وتناقضات واقع بلادنا التكويني.

وهؤلاء النخب سواء ان كانوا احزاب حاكمة او مشاركة في الحكم او معارضة يتحملون كآفة المسؤوليات تجاه الأضرار التي لحقت بشعبنا وبلادنا من جراء تلك السياسات التى لم تكترث في ان تضع ادنى اهتمام لمصالح بلادنا وشعبنا، وذلك لأن هذه الاحزاب ظلت طيلة تاريخها غير قادرة علي التغريد خارج نطاق الخلافات والصراعات السياسية العقيمة فيما بينها، وحيث نجد ان الأحزاب الحاكمة او المشاركة في الحكم يبذلون جهوداً جبارة وطاقات كبيرة مستغلين موارد وثروات البلاد ليس من إجل احداث التنمية والتطور ورفع معناة الشعب، وإنما من أجل تمكين أنفسهم في سدة الحكم والقضاء على المنافسين من السياسيين والاحزاب المعارضة.

كما ان معظم الجهود والطاقات التي تبذلها الاحزاب المعارضة ليست من أجل الدفاع عن قضايا الوطن وشعبه المتمثل في الحقوق والواجبات الدستورية ولا سيما في الحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة المتساوية والعيش الكريم، وإنما في الصراعات والخلافات الحزبية بينهما كأحزاب معارضة، وبين هذا وذاك نجد ان أزمات البلاد تفاخمت وضاق عيش المواطنيين وانعدمت مقومات حياته الاساسية، ولا يلبث ان تجد الأحزاب سوى تلك التى في الحكم او المعارضة كلا على حدى يتحدثون عن ازمات البلاد وأحوال حياة الناس دون خجل ودون ان يرف لهم جفن تجاه مواطن يموت جوعاً وآخر يموت لعدم توفر حق العلاج، وتجدهم ببالغ الأسف في الوسائل والمنصات الإعلامية يتمظهرون بالانحياز لقضايا المواطنيين والاهتمام لمعالجتها وتحسين ظروف المعيشة وأحوال البلاد، وهذا في الظاهر فقط، وفي باطن الأمر ما هي الا محاولات منهم لبيع الوهم والوعود الكاذبة للمواطن البسيط، ولا أحد منهم يضع أبسط الاهتمامات لقضايا الوطن واحوال المواطنيين، وإنما جميعهم يبحرون في بحراً من الخلافات والصراعات الحزبية الضيقة من اجل السلطة، فأحزاب السلطة تريد المحافظة علي السلطة بأي ثمن حتى اذا كانت ضد مصلحة الوطن، واحزاب المعارضة تريد الوصول الي السلطة باي ثمن حتى اذا كانت خصما على الوطن، وفي كلتا الحالتين الضائع هو الوطن والمتضرر هو المواطن، ولا يأبه احد في ان يأخذ العبرة من التاريخ، وسياسات النخب الحزبية لم تستطيع ان تقدم نماذج فكرية سياسية موضوعية وواقعية مستنبطة من الواقع المكون لبلادنا، ويخاطب جميع السودانيين ويكسب ودهم بالالتفاف حوله، وهذا بمثابة عجز وفشل سياسي أعاق بلادنا كثيرا في التقدم والتطور، فصراع الايدلوجيات واختلاف المشاريع السياسية هى أس المصائب في بلادنا، ولا يمكن عبوره إلا عن طريق خلق وإيجاد رؤى وبرامج وأفكار وأطرحات سياسية شاملة جديدة بعيدا عن منحنى الصراعات الايدلوجية والحزبية التي لم تدرك قيمة الوطن ولم تستطيع ان تقدم مصلحته على المصالح الحزبية الضيقة، وهذا هو السبب في عدم قدرة بلادنا على النهوض والقفز خارج دائرة الفشل السياسي والعجز في تحقيق الاستقرار الديمقراطي، وحيث اصبح الاختلافات والصراعات والتناحرات الحزبية صفات معتادة للاحزاب، والفشل والعجز صفات ملازمة للحكومات السودانية منذ فجر الاستقلال، حيث كان التنافس والصراع الحزبي حاضرا بين احزاب الأمة والاتحادي وحزب الشعب في اول حكومة بعد الاستقلال، ومن ثم اصبحت سنة متبعة وعادة موروثة للاحزاب منذ ذلك الحين الى يومنا هذا.

وعلى الرغم من الفرص العديدة التى صنعها جماهير الشعب السوداني من ثورات ادت الى تغيير حكومات في 64 و85 و2019، الا ان احزابنا لم تستفيد شيئا من دروس وعبر التاريخ على الرغم من تراكم الخبرات إلا انها تفتقر الى المشاريع والرؤى السياسية التى تمكنها في الإستفادة من المتغيرات السياسية واقتناص الفرص لتكوين وعى جمعي وتاريخي قادر على وضع مشروع وطني شامل يضم كآفة المكونات السياسية من اجل انتشال البلاد من براثن الازمات والصراعات الحزبية الضيقة الى رحاب المشاركة الجماعية والديمقراطية والعدالة والحرية والسلام، وبناء وطن يسودة السلام والعدالة والديمقراطية والمواطنة بلا تمييز، إلا انه وللأسف الشديد لا يزال الاختلاف والصراع الحزبي هو سيد المشهد، في ظل التخبط وغياب الرؤى والمشاريع السياسية الوطنية كما يحدث الآن على الرغم من ثورة ديسمبر التى تعتبر من اعظم الثورات في العالم، والتى اسقطت اعتى نظام شمولي فاشي مر على حكم بلادنا، إلا ان احزابنا لم تفهم الدرس ولم تعي في ان تكلف نفسها للتفكر حول مشاريعها واساليبها السياسية القديمة بقرض تطويرها وتبنى طرق وأساليب سياسية جديد، واعتقد ان هذا الخلل يكمن في بنية الاحزاب نفسها، وطبيعة سياساتها التى تقوم على تحقيق المنافع الشخصية والمصالح الحزب الضيقة على مصلحة الوطن غض النظر عن العواقب الوخيمة التى قد تحدث اضرار بالغة في داخل الوطن وبين مكوناته ولا يأبه في ان يتأثر منه المواطن البسيط، والمشهد ماثل امامنا الان، وللاسف نجد ان معظم هذه الاحزاب تتحدث عن الوطنية وترفع شعارات الثورة وتطالب بضرورة تحقيق اهدافها، وفي نفس الوقت تجد ان افعالها واعملها ضد الثورة نفسها، وتزيد التعقيد في عملية تحقيق اهداف الثورة والانتقال.

ختاما يحب أن نخاف على بلادنا من الإنهيار والتجزئة وان نحمى ثورتنا ليس من فلول النظام البائد ودولته العميقة وحدها، وأنما من هذه الاحزاب التى لا تمتلك رؤى ومشروع سياسي وتعمل ضد أي رؤية اومشروع سياسي آخر، فلابد ان يتم مواجهة هذه الاحزاب ومحاكمتها فكريا وسياسيا وتعريتها امام الجماهير، وان نحملها كآفة الاخطاء والازمات التى تضرر منها الوطن وعانى منها المواطن.

محمد عبدالله ابراهيم
[email protected]

تعليق واحد

  1. إن الأوطان يبنيها الوطنيون، ولا أحد سواهم !!!!!

    إن جميع النُحب علي الساحة، تحمل جينات، ليس من بينها جين الوطنية، علي الإطلاق !!!!! جميعهم يفهمون السياسة/المعارضة، علي أنها غدر وخيانة، دسائس ومكائد، إصطياد في الماء العكر، التخريب والحَفِر، بل إن من بين هذه الأحزاب، مَن يرتكبون جُرم الخيانة العظمي في حق الوطن ومواطنيه، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً، والعياذ باللّه !!!!!!!!!!

    لقد تفاءلنا خيراً بجيل الثورة الشامخة-جيل الوطنية، إلا أنه، وللأسف وللحسرة، فقد تصدت له نفس النُحب عديمة الوطنية، لعرقلة وصول الثورة العملاقة إلي غاياتها !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    #الثورة_محروسة، وإنها لبالغة مراميها، بحول اللّه، وبجسارة حُراسها الوطنيين، شاء من شاء، أو تآمر من تآمر !!!!!!!!!

    الرحمة والمغفرة والخلود للشهداء الشُجعان، العزة للشعب الأبي، وعاش السودان، أبد الدهر، بدون ديناصورات وكيزان !!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق