خاطرة الانعتاق المؤقت من الحبس

جعفر عباس

استيقظت اليوم مبكرا بعد نومة استغرقت فقط عشر ساعات، وهي مدة قصيرة مقارنة بساعات نومي طوال الأربعة اشهر الماضية، وارتديت ملابسي ووقفت أمام المراية ووجدتها “طربانة”، وقلت: ما شاء الله ثم امتطيت سيارتي، وسعدت كثيرا لأنني اكتشفت انني ما زلت قادرا على قيادتها، وانها ما زالت قادرة على السير رغم انها كانت مشلولة الحركة طوال اكثر من 135 يوما، وتذكرت سيئة الذكر اول سيارة امتلكتها في حياتي، وكانت مجهولة المصدر والابوين بل وبصراحة بت حرام عديل، فلم تكن تتحرك الا بالدفع الرباعي أي بان يدفعها أربعة اشخاص، وكثيرا ما كان يحلو لها الاضراب عن العمل في منتصف الكباري، وكانت قليلة الحياء و”تتدخن” وهي تسير في الشوارع، وكانت رائحة الدخان الصادر عنها توحي بانها تستخدم حطب العُشر.

المهم غادرت البيت متوجها الى المكتب بعد تناول كوب من الشاي مع قطعة قرقوش، وبالمناسبة فإنني لا أتعاطى وجبة الفطور الصباحية قط إلا عندما أكون في السودان، فقد اعتدت على الفطور الجماعي في المكاتب والبيوت هناك، ولا أميل الى الأكل بمفردي (مثل الكلب)، وجني وجن السندويتشات كوجبة كاملة: تصبيرة؟ ممكن، ولكن ان اترك سندويتشا يقوم مقام وجبة كاملة؟ مستحيل؛ فإنا من معشر يتناولون الطعام بالأصابع، ولن انسى فضيحتي يوم ذهبت مع زملاء في الجامعة الى الفندق الكبير (قراند هوتيل الذي باعه الكيزان بتراب الفلوس) وطلبت قطعة لحم عريضة بمسمى اسكالوب، وغرزت فيها الشوكة وشرعت في ذبحها بالسكين بعد التكبير، فانزلقت وطارت وسقطت ارضا تحت اقدام شخص على طاولة مجاورة، وبما ان ذوقي في الطعام بلدي فإنني لا احب ما يسمى “النواشف” كثيرا، ووجبتي الأساسية هي الغداء وكانت في سودان ما قبل الكيزان مناسبة تجمع جميع افراد العائلة حول صينية، وعندي استعداد لتناول الرجلة المطبوخة بالعدس والشمار الأخضر ليل نهار لسنة كاملة.

المهم: توجهت الى المكتب واضعا كمامة على وجهي، ليس فقط خوفا من الكورونا ولكن خوفا على زميلاتي في العمل من الفتنة أيضا، وارتفعت معنوياتي عندما استنكر زملاء عمل غيابي لأكثر من أربعة اشهر، لأن حق الغياب مكفول فقط لمن هم فوق ال55 سنة (سنة يا أنا)، وأمضيت في المكتب 3 ساعات كاملة ثم احسست بالنعاس، وخوفا من فضيحة ان يضبطني زميل وانا نائم في المكتب لملمت اشيائي وعدت الى بيت الطاعة.

الإحساس بالنعاس نهارا وفي المكتب سبب لي ضيقا نفسيا، فليس من عادتي قط النوم نهارا، ثم ان النوم كان هو “شغلتي” الوحيدة طوال ال4 اشهر الماضية، وأعزو ذلك للتأثير النفسي للانحباس الكوروناوي، فعندما ترخِّم لمدة طويلة في البيت يصعب عليك التواؤم مع بيئة العمل، وكنت عازما استئناف العمل بروح شبابية ولكن رئيسي المباشر بعث الي برسالة نصية على الهاتف، وعندما جاءت إشارة وصولها وأنا في البيت قلت لبنتي: شوفي الرسالة من منو؟ فقرأت: لا داعي لحضورك الى العمل بانتظام رغم انك دون ال55، وعلى طول صاحت ام المعارك: قلنا ليك “إتْلَم” والزم البيت، قلت لها: حرام .. انا أكملت الحبس اللازم للعدة فقالت: لا عندك لسه كم يوم قبل ما تتم مدة الحبس.

(تذكرت الحلفاوي الذي لم يسمع بثورة ديسمبر وتساءل: وين يا جماعة عمر البشير مختفي من كم أسبوع؟ فقالوا له انه في كوبر في الحبس فصاح: لا حولي .. وداد مات؟)

هذه محاولة للونسة معكم كي ننسى قسوة المناخ السياسي والاقتصادي في بلادنا

جعفر عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق