مقالات سياسية

نيرتتي – رحلة بين طيّات الجبال

إسماعيل عبد الله

 ألحياة رحلة بحث دائمة ودائبة عن كل ما هو مثير وجميل، جاشت بالخاطر ملامح تلك الطبيعة الناطقة التى لطالما تغنى بها المغنون وكتب عنها الأدباء والشعراء، لقد عزمنا كأخوة جمعت بيننا رابطة الزمالة والهم الواحد على أن نتوج عيد الأضحى من العام الخاتم للألفية الثانية برحلة إلى تلك الجغرافيا الساحرة، سافرنا من (نيالا) في يوم من أيام الخميس الذي يسترخص ويباع فيه القميص حوالي الرابعة عصراً، بعد الخروج من البوابة الغربية (دوماية) رأينا سهول منبسطة على مد البصر، يخترقها الطريق المسفلت فى انعراج تارة وارتفاع وهبوط تارات أخر، لاحت لنا على البعد أشجار الدليب التى تعانق بارتفاعها الشاهق سقف السماء، والرواكيب وبيوت القش، مررنا بها وتركناها خلفنا ونحن نتطلع الى المحطة التالية (بُلبُل)، تجاوزناها وبعد ساعة زمان أمسينا على مشارف المحطة الثانية (كاس)، اشترينا (عتودين) من سوق (كاس) المتميز بانخفاض أسعار الأنعام، كانت الشمس فى لحظات الغروب متوشحة بألوانها الذهبية، دلفنا داخل سوق المدينة لتناول الغداء، حط رحلنا بمطعم لأحدى النسوة بذلك السوق المكتظ والضاج بالأزدحام، مطعماً بسيطاً وأنيقاً كأناقة مالكته، وجبة من السلطة والخبز كانت زادنا الذى اتممنا به المشوار .

    غادرنا (كاس) الى المقصد المؤمل بعد أن أظلمت، ما حول الطريق ظلام دامس، لم نكن نجزم على رؤية ما حولنا سوى الطريق الممتد أمامنا، لانهمار الضوء المنبثق من مصابيح (اللاندروفر) المسرع، انبرى جلنا الى الحديث عما جادت به قريحته من تجليات، فالسكون الذى أحاط بنا إحاطة السوار بالمعصم دعا لذلك، غزا العربة هواء بارد برودة نسبية، نسيم يدغدغ الدواخل، أعلن الذين كانت لهم تجربة مع ذات الطقس عن وصولنا الى حضرة صاحب الجلالة ( جبل مرة)، ألطريق الذي بناه العم (دريج) يخترق الهضبة ويقسمها إلى نصفين، على جانبيه جدرانين متساويين فى الطول والارتفاع، خرجنا من تجويف الهضبة واستقبلتنا جبال من الفواكه وحاصرتنا من كل جانب، ضوء مصابيح السيارات المسلط على الفاكهة المرصوصة في شكل أهرامات، أحدث فيها مزيجاً رائعاً لمجموعة من الألوان المتفردة التي اكتست بها كرات هذه الفواكه المكومة كالتلال، أما اصطفاف السيارات والشاحنات  الكبير منها والصغير على جانبى الطريق، أكد على أننا في (طور) المركز التجاري لغرب جبل مرة، وإذا بسفينتنا ترسو وتحط رحلها، جلسنا حول إحدى مضيفات طور وأمامها براد للشاى، احتسينا شاياً (ساموطياً) ناقعاً، والتقطنا صورة للتذكار ملتفين حول أحد تجار الفاكهة، واصلنا المسير حتى ( نيرتتى) فتوجهنا إلى الأستراحة.

    فى صباح اليوم التالي (الجمعة) الثامنة صباحاً أستأنفنا رحلتنا متجهين شرقاً نشق عباب حدائق القريب فروت واليوسفي شرقى نيرتتى، الطريق المؤدى الى محطتنا الثالثة مغطى بالحجارة المبعثرة، مرتفعات ومنخفضات تفاجئك من وقت لآخر، ثم ارتفعنا رويدا رويدا، أدرك الجميع أنهم في أخطر مراحل الطريق ارتفاعا و وعورة عندما نظروا إلى الأسفل (أقصد إلى الوراء)، انطلقت العربة ترتجف وتترنح لما لاقته من عنت مقاومة الحجارة  إلى أن بانت لنا آثار قرية بيوتها من القصب والقش والصخور فدخلناها، إنّها (نلمى)، تابعنا سيرنا إلى الشلال الذى يقع شرق القرية مباشرة، حدائق البرتقال والقريب والمانجو ومزارع البصل والخضروات تضرب حولنا طوقاً لا فكاك منه.

    شلال (نلمى) مكانه منخفض، قبل أن تهبط إليه تسمع خرير المياه وجريانها بصوت يختلف عن كل الأصوات التى ولجت آذاننا منذ الميلاد، صوت يسري إليك به إحساس ممزوج بالدهشة والأرتياح عندما تسلك درباً من الدروب التى تتخلل مجرى الشلال، حدائق البرتقال والمانجو يتسرب من خلالها نسيم عليل يشعرك بصفاء ونقاء الروح فتنفرج الأسارير، خاصة إذا داعبك (الدعاش) المنداح من بين صفق الشجيرات المتباعدة هنا وهناك بخضرتها المبهرة لنظر الناظر، قضينا ما تبقى من ذلك النهار بتلك الدوحة الظليلة (نلمي)، نزلنا الى الحدائق وتخيرنا مكاناً، كل الأمكنة تمثل لوحات طبيعية غاية في الجمال الساحر والإبهار، استقر بنا المقام تحت وطأة إصرار تحالف ظلال أشجار المانجو، تفرقنا أيدي سبأ، كل منا راح إلى حال سبيله يتمتع بتأمل لوحات تلك الطبيعة الخلّابة، ويتدبر إبداعات الخالق وتجلياته، مشاهد خرافية زينتها ابتسامات النسوة الحاصدات للبصل من جداوله المحازية لعمق الشلال، ظلمة وكثافة الأشجار المصفوفة على مجرى الشلال لا يعرف آخرها إلا الأهالى، وصل بعضنا إلى دهاليز معتمة ومهيبة وعظمية، اندهاشات شلال (نلمى) فى أعماقه البعيدة يصعب وصفها، كتل من الاشجار المتنوعة والغريبة التى ارتوت بالماء الذلال، ومخابئ للطبيعة مرعبة تستوقفك من أبعد مسافة من شدة ظلمتها التى لا يستوعبها الخيال، نلمى بحلاوتها وطلاوتها وروعتها وجمالها الأخاذ، أخبرتنا أن حاجة الإنسان للهيام مع الطبيعة أقوى وأكبر من الحاجة إلى أى شئ آخر، قضينا أكثر من أربع ساعات  بشلال (نلمي)، في خضم طبيعته الصاحية التي عبرت عن نفسها تعبيراً صارخاً، عجزت عنه الكلمة وريشة الرسام و وتر المغني وصوت البلبل الغريد، لن تزول دهشة شلال نلمى عن وجدان من رآه ولن تمحى مادام حياً.

   المحطة الرابعة (مرتجلو)، الأشجار تكتسى بلون يميل للاصفرار أكثر منه للخضرة، قالوا لنا أن ذلك نتاج عدم وصول المياه إلى السفح فى الصيف، ضوء شمس الغروب على سيقان الأشجار يضفي عليها بعداً جمالياً استثنائياً، التقطت كاميرتنا صور للتذكار والتوثيق جعلنا الشلال خلفية لها، سلكنا طريقاً برياً اصطفت بموازاته شجيرات الصنوبر واعترضته عدة أودية وخيران في إنخفاضات وارتفاعات، إنّها (المزلقانات)، وصلنا (قلول) المحطة الأخيرة، تأسيس وتجهيز الأستراحات هو الأفضل، بها حدائق الليمون والبرتقال والمانجو والموز، المكان جدير بقضاء أطول وقت ممكن، وهو آخر محطة فى مشوار رحلتنا، كانت رحلة بين طيات الجبال.

    لقد شدا باسم هذه المحطات الحنينة المقصِّرة لمشاوير ورهق الأسفار، الراحل المقيم خليل اسماعيل صادحاً:(في نيرتتي وفي مرتجلو وفي قلول، أنا أحكي أيه وعن أيه أقول).

إسماعيل عبد الله
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..