مقالات سياسية

جامعة الخرطوم تتراجع عن حياديتها الأكاديمية

زين العابدين صالح عبد الرحمن

ظلت جامعة الخرطوم تلعب دورا رائدا من الناحيتين الأكاديمية و السياسية، لذلك لم تغيب عن كل القضايا الوطنية، و كانت دائما تتخذ موقفا لا يجعلها تتلون بأي لون سياسي، لكي تظل صرحا أكاديميا يجد الأحترام من قبل الجميع في المجتمع السوداني. رغم إنها تعرضت في مسيرتها التاريخية لمحاولة التلوين السياسي أولها كان في سبعينات القرن الماضي عندما دخلتها دبابات أبو القاسم محمد إبراهيم غازيا بمساندة تيار سياسي أيديولوجي وسط ترحيب من قبل أكاديمين و طلاب منتمين أيديولوجيا، لكن الخلاف السياسي وسط التيار السياسي أنقذ الجامعة من مصير التسيس. و الثاني عندما خضعت الإنقاذ الجامعة للمراقبة المباشرة للسلطة السياسية في البلاد، و محاربة الأكاديمين غير المنتمين لها سياسيا، ثم تنفيذ سياسة التعريب التي أضعفت الجامعة أكاديميا، و تدهور التدريس داخل الجامعة التي كانت تعد من أفضل الجامعات في المنطقتين العربية و الأفريقية، و لكن ظلت رايات الإصلاح و التحديث للجامعة مرفوعة من قبل العديد من الأساتذة الحادبين علي الجامعة و رفع أسمها عاليا بين صروح العلم في العالم. و لكن سيظل الأيديولوجيين متربصين بالمؤسسات الأكاديمية.

لكن للأسف أن الجامعة تجر مرة أخرى أيضا أيديولوجيا، و الغريب أن يحدث هذا بعد ثورة كانت قد أعلنت شعاراتها ” الحرية – و السلام – و العدالة” و أي محفل أكاديمي، عندما يريد أن يكون جزءا من عملية إصلاح في المجتمع، أو المساهمة في عملية خروج البلاد من أزماتها السياسية، يصر أن تكون هذه المساهمة وفقا للمنهجية الأكاديمية مثل الدراسات و البحوث، دون الانزلاق إلي عملية استقطاب سياسي، و عدم استخدام أدوات الجامعة للنشاط السياسي. و في الجانب الأخر مطلوب من كل القوى السياسية أن تبتعد عن تلوين الصروح الأكاديمية القومية بألوان سياسية، و الغريب أن يجري ذلك تحت بصر إدارة الجامعة، و لماذا وافقت الجامعة أن تستخدم كزراع سياسي أيديولوجي..

عندما قدم حزب الأمة مذكرته لحلفائه في قوى الحرية و التغيير، و طالب أن يكون هناك مؤتمرا لعمل إصلاح في الحاضنة السياسية لسلطة الفترة الانتقالية، في ذلك التقي حزب الأمة بكل من رئيس المجلس السيادي و رئيس الوزراء لكي يباركوا هذه الخطوة و يشاركون فيها، و أيضا التقى بالقوى السياسية داخل قحت و خارجها. و في ظل الصراع السياسي بين القوى السياسية يمكن لأي قوى سياسية تخالف حزب الأمة في رؤيته السياسية أن تقدم مبادرتها، لكن أن تستغل الجامعة هذه هي الإشكالية. قدمت خلية حزبية داخل جامعة الخرطوم بقيادة الدكتور منتصر الطيب المعروف بإنتمائه الأيديولوجي بأقتراح لإدارة جامعة الخرطوم،أن تتقدم الجامعة بمبادرة بهدف خروج البلاد من أزماتها السياسية و نجاح الفترة الانتقالية، وافقت الجامعة علي المبادرة، و ذهب الدكتور منتصر و التقى بكل القوى السياسية في قحت و التقي خارجها بحزب المؤتمر الشعبي و الاتحادي الأصل و القوى السياسية التي كانت قد شاركت في حوار الوثبة و لكنها لم تشارك في هياكل سلطة النظام. و وجد منهم جميعا موافقة، كانت الخطوة استباقية لخطوة حزب الأمة. و كان المنظور من مؤسسة أكاديمية أن تطلب من كل القوى السياسية أن تقدم أوراق حول عدد من القضايا، و تسمع رؤيتها، إذا كانوا في السلطة أو خارج السلطة، باعتبار الدراسة الأكاديمية غير خاضعة للمواقف السياسية بل خاضعة لما يمليه عليه المنهج الأكاديمي، و السماع للجميع، لأن رؤى الأحزاب المختلفة تمثل المادة الخام التي تجرى الدراسة الأكاديمية عليها، أو أن تقدم الجامعة بحوث من أكاديميين و تطلب من القوى السياسية أن تأتي لكي تناقش هذه الأوراق، فالمنهج الذي يجب أن تحرص عليه الجامعة هو المنهج الأكاديمي، الذي يجعل الظاهرة بكلياتها خاضعة للدراسة،و يبني عليها افتراضاته. لكن للأسف ذلك لم يحصل، حتى أن هناك قوى سياسية داخل قحت لم تشارك، كان العمل السياسي أيديولوجي ليس له علاقة بالأكاديميات، و هذه ظاهرة سالبة جدا في مسار الجامعة. مثلا في جامعة الزعيم الأزهري عندما أرادت أن تسهم أكاديميا جاءت بعدد من الناشطين من التيارات المختلفة و سمعت منهم لكي تخضع مقولاتهم للدراسة دون أن تجعل الجامعة تتنازل عن شروطها الأكاديمية.

تمت دعوة القوات المسلحة من خلال التمثيل العسكري في مجلس السيادة، و عندما جاء ممثل القوات المسلحة رفض أي تدخل من القوى السياسية في عملية إعادة بناء المؤسسات النظامية حسب ما جاء في الوثيقة الدستورية. لكن كان هناك حضورا من إدارة الإعلام و الاستخبارات العسكرية لم تحرص علي الحوار بل كانت تسجل كل ما يقال. في الجانب الأخر تم اختيار عناصر باسم لجان المقاومة جزء من الخرطوم و أغلبيتهم من الأقاليم و هؤلاء كانت الأغلبية فيهم من العناصر المنتمية أيديولوجيا، و هؤلاء لم يشاركوا في الحوار. بل جهزت لهم قاعات يتم فيها ورش تدريبية لهؤلاء، و عندما سئل القائمين علي المبادرة، لماذا إقامت ورش لهؤلاء، قالوا هؤلاء لهم عداء مع القوات المسلحة و مطلوب أن تصحح آرائهم. كان الحضور من القوى السياسة ضعيف، ثم كان هناك حضورا لما يسمى بالرأسمالية المرشحة أن تكون بديلا لرأسمالية الإنقاذ، و هؤلاء هم كانوا الداعمين ماليا للمبادرة، أيضا كانت هناك ندوات سياسية في قاعات يحرص حضورها علي هؤلاء الذين جاءوا من الأقاليم. و في ندوة العدالة الانتقالية و كانت يتحدث فيها كمال الجزولي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي فجأة أنحرف عن العدالة الانتقالية و تحدث عن الاقتصاد، و قال أن الحالة الاقتصادية متردية سببها وزير المالية الذي ذهب، و الذي كان يعارض أهداف الثورة في عدم  خضوع الحكومة للبنك الدولي و صندوق النقد الدولي، و أين قال الثوار هذا؟ هذه رؤية لقوى سياسية أيديولوجية، و يحاولون أن يجعلوها خرجت من الثوار، لماذا بدلا عن لوي عنق الحقائق أن تقدم هذه القوى الأيديولوجية أطروحتها الاقتصادية لكي يتعرف عليها الناس، كان من الفروض أن يوضح لنا المتحدث لماذا الصين الشيوعية تبنت اقتصاد السوق عندما شرعت في نهضتها الاقتصادية؟ هل الشيوعيين الصينين لم يقرأوا الكتب الصفراء للماركسية قراءة جيدة؟ أم أكتشفوا أن تبنيها سوف يجعلهم لا يغادرون مربع دول العالم الثالث.

كان هناك حضورا كبيرا لشباب الحركات المسلحة من دارفور، و استطاعوا هؤلاء أن يقدموا أنموذجا طيبا للشباب المثقف الذي لا يتقبل أي رؤية دون تمحيصها و دراستها و التيقن منها، و قدموا أسئلة جديرة بالاحترام و التقدير داخل القاعات، تؤكد بالوعي الجديد للشباب، و ليس هم عرضة لأي قوى سياسية تحاول استقطابهم. عندما تحدث الجزولي و كان يدعمه في الحديث دكتور مضوى إبراهيم، سألوا سؤالا مهما. العدالة الانتقالية تتم بين منتصر و مهزوم أم من قبل قوتين متعادلتين مؤثرتين في المجتمع؟ عجز المتحدثان عن الإجابة. و المتابع السياسي يعرف عندما تمت العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا بين السكان الاصليين و البيض، بعد ما وافق البيض علي إنهاء نظام الأبرتايد، كانوا في ذالك الوقت يقبضون علي مفاصل السلطة، و قبل الزعيم ويلسون مانديلا المبادرة و سماها ” الحقيقة و التسامح” لذلك لم يحدث شرخ في المجتمع أو نزاع يؤدي للحرب، تمت العدالة الانتقالية بوعي من قبل المجموعتين. 

كانت قيادة المبادرة قد جهزت توصياتها و قراراتها باعتبارها مبادرة من مؤسسة أكاديمية يحترمها الجميع، رغم وراءها قوى أيديولوجية، و يقال هذه المبادرة شاركت فيها كل القوى السياسية في السلطة، إلي جانب لجان المقاومة، رغم أن أغلبية لجان المقاومة لا تعرف شيئا عن ورش العمل التي تمت داخل الجامعة، رغم أن المبادرة استغلت أسم الجامعة لكي تقدم رؤية حزبية، الأمر الذي يؤثر علي مؤسسة أكاديمية لها تاريخها و لها دورها الرائد في البناء الوطني، كان المطلوب أن تبتعد القوى السياسية جميعها من تلوين المؤسسات الأكاديمية و فقدها الاحترام المجتمعي المطلوب. نسأل الله حسن البصيرة. 

زين العابدين صالح عبد الرحمن
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. لان المبادرة مختلفة عن طرح ولد المهدي فلذلك السيد زين العابدين غير راضي عنها ومزعلاه جدا جدا وعملت ليه صداع مزمن كما صدعنا بمقالاته الباهتة والسطحية.

  2. انت عايز تقول شنو بالضبط؟
    ان الشيوعيين قاموا بهذه المبادرة وحصروها في عضويتهم وفي لجان المقاومة؟
    طيب كون شجاع وسم الاشياء بأسمائها.
    الامر التاني الدبابات لم تدخل جامعة الخرطوم في ١١ مارس ١٩٧١. لم نكن شهود فقط بل كنا قادة للطلبة ساعتئذ. وابو القاسم ونميري وما تبقى من اعضاء مجلس الثورة بعد ابعاد حمد الله وهاشم وبابكر، كانوا في عداء شديد مع التنظيم الايدلوجي الذي خانتك الشجاعة على ذكره. ١١ مارس جاءت بعد ١١ فبراير من نفس العام وهو اليوم الذي طالب فيه نميري الجماهير بمطاردة الشيوعيين في جحورهم واوكارهم. ان لم تكن واعيا وقتها فقط اقرأ التاريخ القريب فهو لم يترك شيء لم يذكره عن تلك الفترة

  3. ((سألوا سؤالا مهما. العدالة الانتقالية تتم بين منتصر و مهزوم أم من قبل قوتين متعادلتين مؤثرتين في المجتمع؟ عجز المتحدثان عن الإجابة)) !!!
    بالله الجزولي الرويبضة المتفيقه المتنطع غلبو يرد وفالقنا بالعدالة الانتقالية وروزناماته كأنه هو العبقرينو مكتشفها! البوديك تدخل حوش جامعة الخروم شنو؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..