مقالات وآراء

“عبد الحي يوسف” يدعو لإسقاط الحكومة السودانية

أجاز مجلس السيادة السوداني الأسبوع الماضي حزمة تعديلات متنوعة على عدد من القوانين بغية إصلاح المنظومة العدلية والترقي بها لتتماشى مع المعايير العدلية الدولية, و كان من ضمن التعديلات إلغاء “حد الردة” وجرائم المعتقد والضمير وإلغاء عقوبة الجلد التعزيرية إضافة للسماح لغير المسلمين بالتعاطي والتعامل في الخمر فيما بينهم.

وكان من بين التعديلات أيضا منح الأم حق السفر مع أطفالها دون الحاجة للحصول على موافقة والدهم بجانب تجريم ممارسة ختان الإناث, كما شملت التعديلات إعادة صياغة وتعريف النص المتعلق بجريمة “الدعارة” وجعله أكثر إنضباطا من سابقه الذي كان فضفاضا وأدى للكثير من التجاوزات عند التطبيق.

فور صدور التعديلات شنت بعض المؤسسات الدينية ورموز التيار الإسلاموي هجمة واسعة ضد الحكومة الإنتقالية تتهمها بالسعي لمحاربة الشريعة وتشجيع الانحلال، وقد بلغت الهجمة أوجها في عدد من التغريدات كتبها من مقر إقامته في تركيا رجل الدين الموالي للنظام البائد، عبد الحي يوسف.

وصف يوسف في إحدى تغريداته الحكومة “بالفاجرة” قائلا إن إسقاطها أصبح “فريضة”: (العمل على اقتلاع هذه الحكومة الفاجرة هو فريضة الوقت وواجب كل قادر، فقد ضيعوا الدين والدنيا معا، وليس لبقائهم مبرر بعد أن فشلوا في إحراز أي إنجاز). وقال في أخرى: (حكومة غير منتخبة ولا مفوضة, بل هي حكومة لصوص متغلبة من حملة الجوازات الأجنبية سطت على الحكم بليل, بعد ما مارست الخداع والحيل).

لا شك أن هجمة أتباع النظام البائد المعادية للتعديلات لم تكن تهدف للنظر في الخطوة بموضوعية وإنما إتخذتها ذريعة لتهييج الشارع لإسقاط الحكومة، فاذا أخذنا على سبيل المثال قولهم أن الحكومة سمحت بممارسة الدعارة سنجده مجرد إدعاء لا علاقة له بالتعديل الذي طال المادة القانونية التي تتعلق بالموضوع.

المادة التي تم تعديلها كانت تنص على الآتي : (يعد مرتكبا جريمة ممارسة الدعارة من يوجد في محل للدعارة بحيث “يحتمل” أن يقوم بممارسة أفعال جنسية أو يكتسب من ممارستها ويعاقب بالجلد بما لا يتجاوز مائة جلدة أو بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاثه سنوات … ويقصد بمحل الدعارة  أي مكان معد لإجتماع رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية او صلات قربى وفي ظروف “يرجح” فيها حدوث ممارسات جنسية).

جاء تعديل المادة أعلاه كالآتي: (يعد مرتكبا جريمة ممارسة الدعارة من يوجد في محل الدعارة بقصد تقديم خدمة ذات طبيعة جنسية لآخر بمقابل أو بدونه مع عدم وجود أي علاقة شرعية تربط بينهما .. يقصد بمحل الدعارة أي مكان معد لممارسة الدعارة أو سبقت إدانة حائزيه ٱو تكررت الشكوى منه للجهات المختصة).

من الجلي أن القصد من تعديل المادة هو إحكام الصياغة بحيث لا تسمح بأن يتم إستغلالها من قبل السلطة وهو الأمر الذي أثبتته التجربة العملية حيث أن وجود كلمات مثل “يحتمل” و”يرجح” تعطي ممثل السلطة الحق في تفسير المادة بحسب هواه ورغبته الشخصية مما قد يؤدي لتجريم أشخاص أبرياء.

أما بخصوص إلغاء مادة “الردة” فمن الناحية القانونية تعتبر الخطوة صحيحة لأن تلك المادة تتعارض مع الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الإنتقالية والتي تنص بوضوح على أنه (لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الإحتفالات, وذلك وفقا لما يتطلبه القانون والنظام العام, ولا يكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس او شعائر لا يقبل بها طواعية).

أما من الناحية الدينية فلا يوجد إتفاق بين الفقهاء على حد الردة، فالقرآن لم يذكر أي عقوبة دنيوية تطبق على المرتد من الدين، ولم يثبت أن الرسول محمد أمر بقتل أحد لارتداده عن الإسلام، ويرى العديد من الفقهاء أن حساب المرتد يكون عند الله في الآخرة وليس من حق أي جهة محاسبته آنيا في الدنيا. فالقاعدة التشريعية الكلية في القرآن التي قررتها الآية (256) من سورة البقرة تقول “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”.

لقد أكد القرآن على حرية البشر في الاختيار بين الإيمان أو الكفر، وفى مقابل هذا فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتبين يوم الحساب حيث سيحاسبهم الله على اختيارهم، وهذا ما قررته الآية (29) من سورة الكهف: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

غير أن الأمر المهم في هذا الخصوص هو دعوة يوسف لإسقاط الحكومة لأنها بزعمه “غير منتخبة وغير مفوضة” وبالتالي فليس من حقها أن تجري تعديلات في القوانين, وهو ما يكشف تناقضا أساسيا يوضح بجلاء غرض الهجمة على التعديلات, فالكل يعلم أن النظام البائد الذي وضع القانون الجنائي لعام 1991 متضمنا حد الردة وجريمة الدعارة لم يكن نظاما منتخبا أو مفوضا من قبل الشعب بل جاء للسلطة عبر الإنقلاب العسكري, ومع ذلك إرتضى يوسف مساندته وتأييده !

ومن ناحية أخرى، فالعالم كله يشهد أن الحكومة الإنتقالية قد ولدت من رحم ثورة عظيمة شارك فيها ملايين السودانيين ومهروا شرعيتها بدماء مئات الشباب، ولا يوجد تفويض أكبر من هذا، ومع ذلك فإن الحكومة لم تخرق تفويضها بالسعي لإجازة دستور دائم للبلاد لأن ذلك خارج عن مهمتها ويجب أن يتم عبر توافق وطني وعن طريق جمعية تأسيسية منتخبة مما يعني أنها ملتزمة بالصلاحيات الممنوحة لها ومن ضمنها تعديل القوانين.

أما دعوة يوسف لإسقاط الحكومة، فتكشف عن بؤس التفكير وعدم المبدئية في المواقف إذ أن ذات الرجل كان داعما بشدة لنظام الإستبداد البائد الذي دمر البلاد وأشعل الحروب الأهلية وأفقر الشعب، وعندما كانت الجماهير تخرج للشوارع مطالبة بسقوط الطاغية الجنرال عمر البشير، كان هو يعتلي منبر المسجد و يقول   (ما ينبغي الخروج في المظاهرات وما تعبدنا الله بالمظاهرات، فالدعوة لمظاهرات في مثل هذه الظروف لا معنى أو هدف لها، إلا إثارة الفتن والدعوة إلى القلاقل) !

عدم المبدئية في المواقف يتجلى أيضا في حقيقة أن يوسف الذي هرب من السودان خوفا من الملاحقة القانونية إختار الإقامة في دولة تركيا مع عدد كبير من قيادات النظام البائد من الإسلامويين، ولكن المفارقة هى أن البلد التي إحتضنتهم تم تقنين الدعارة فيها بموجب قانون أعدته حكومة “حزب العدالة والتنمية” في عام 2004 وتقول الإحصاءات أن “تجارة الجنس” تدر على خزينة البلاد دخلاً قدره 4 مليارات دولار سنويا ومع ذلك لم يجرؤ الداعية الإسلامي الأممي على المطالبة بإسقاط حكومة إردوغان “الفاجرة”!

قد أضحى معروفا للكل أن النظام البائد كان يغدق على عبد الحي يوسف الأموال و المنح والعطايا، وهو الأمر الذي كشفت عن جزء يسير منه التسجيلات التي بثتها قناة “العربية” لمؤتمر “الحركة الإسلامية” وفيه حديث موثق للرجل الثاني في النظام البائد، علي عثمان محمد طه، يؤكد فيه أن 90 في المئة من تمويل فضائية “طيبة” المملوكة ليوسف يأتي من الحكومة البائدة، مما يوضح بجلاء أن السبب الحقيقي وراء دعوة الرجل لإسقاط الحكومة الإنتقالية هو ضياع الإمتيازات وليس الخوف على الدين.

‫5 تعليقات

  1. المتوتر بابكر فيضل
    وانت تعمل على افشال الحكومة باسلوبك العنيف المتوتر واستخدامك ليدك في حسم الخلافات الفكرية
    والسياسية!

  2. هذا الدعي لا يفقه أبجديات السياسة التي ولج بابها في السنوات الأخيرة. كلما تحدث في السياسة كلما إنكشف جهله بالعالم و تاريخه الحديث.

  3. فى الرد على هذا العبد الحى يوسف و امثاله من الكيزان و لصوص النظام الساقط .. يركز على ما ينتقدوه و ما يستهجنوه من تعديل للقوانين و غيره .. و لا يتم الانتباه الى اشياء اخرى تذكر فى كلامهم من امثال:
    ” الاستيلاء على السلطة بليل” .. كانما هم جاءوا الى السلطة عن طريق صندوق الانتخابات و لم ياتوا إليها بانقلاب على شرعية ..
    ” حكومة لصوص ” كان لجنة ازالة التمكين لم تكشف عن اكبر فساد تم عن طريق حكومة تدعى الحكم بشرع الله.
    ” حملة الجوازات الاجنبية ” كان ٧٥٪ وزراء الحكومة فى عهدهم لم يكونوا من حملة الجوازات الاجنبية.
    الناظر لافتراءاتهم و ادعاءاتهم و كذبهم .. كله ينطبق عليهم هم قبل غيرهم .. ” اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم؟” ..
    كما قال الراحل الاديب العالمى الطيب صالح .. من اين اتى هؤلاء؟

  4. عبد الحي داير علقة ساخنه لانو حرامي مجرم منافق حرامي سرق ٥ مليون ما بطبل للبشير عندو أكثر من ١٢ وظيفه

زر الذهاب إلى الأعلى