مقالات وآراء سياسية

ما لهذا اتى بك الشعب يا سيادة رئيس الوزراء

د. محمد عثمان عبدالله الهندسة الميكانيكا – جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا

“القادة” الحقيقيون عندما يتحدثون لشعوبهم يستعرضون بكل فخر انجازاتهم (فوق العادة) التى صنعوها خلال فترة حكمهم ويكشفون عن خططهم الطموحة لاستشراف المستقبل ويتحملون مسئولية اخفاقاتهم بكل شجاعة ..

اما “الرؤساء” الحائرون فيقضونها في حكاوي وتمنيات خطابية مرسلة لإستدرارِ العواطف وكسبها .. وتضليل الشعب بوعود كاذبة لكسب الوقت واطالة عمر بقائهم في القصور ..

وتعليق مسئولية اخفاقاتهم دوما على اكتاف من سبقوهم حتى ان كان من سبقوهم باتوا جثث هامدة .. دغدغة الرؤساء لعواطف شعوبهم بالكلمات الرنانة الجوفاء لا يبني دولة ولا يرقي شعب ولا يصلح اقتصاد .. بل يدمر مستقبل شعوبهم ..

وهم يصفقون ويشكرون .. انا اعلم ان كثيرا من الناس لا يعجبهم الطعن في رئيس الوزراء (هذا) وذلك حتى تظل رؤسهم مدفونة بحلمها الوردي في الوحل … متمسكين بالوهم الكبير خشية من تكشف الحقيقة المُرة وخيبة الأمل ..

وهم مؤمنون في قرارة انفسهم ان هناك خلل في رمزهم (رئيسهم) المتوهم .. تردد قلمي اسابيع ولكنني اليوم سأفعل .. ليس كرها فيك ولكن لأنك ربان السفينة .. وكذلك لا يعنيني توجهك العقدي فانا لست مسيساً حتى لحظة كتابة هذه السطور .. لكن فاض الامر بي ..

عام مرَّ على توليك رئاسة الحكومة ولم نر اي مؤشر تغيير ايجابي في مسيرة السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. عام مضى ولا نعرف لك خطة او برنامج سياسي او اقتصادي تنموي متكامل يمكن ان يفتح نوافذ لمستقبل مشرق لهذا البلد ليَعْبُر من خلالها .. ولا رؤية اجتماعية جادة لتغير سلوك المواطن للافضل ..

عام مضى فشلت فيه من احداث اختراقات في الملفات الخارجية والعلاقات الدولية وقائمة الارهاب .. وبالتالى فشلت في استجلاب وتدفق الاستثمارات الخارجية ..

رغم التنازلات او الابتزاز الذي تعرضت له (على ما بدَا لنا) وتسديدك ملايين الدولارات (كاش داون) من عرق هذا الشعب الفقير في جريمة لم يرتكبها السودان اصلا … عام مضى ولم نسمع منك الا القليل من الجُمل العاطفية الرنانة المملة مع التكرار .. وترديد عبارات العبور الجوفاء او عبارة (دمار الثلاثون عاماً من حكم الكيزان) ..

نعم .. من المفترض انك تقود امر دولة وشعب لتعبر بهم لافاق المستقبل المشرقة … لكن يجب ان تصحى ايها “القائد” من احلام اليقظة والوهم .. فعبور الدول ليس كعبور كبري المسلمية سيدي .. فهو يحتاج لجهد وخطط مدروسة وعقول متقدة وعيون لا تنظر الا الى الامام والى الاعلى دوما .. ويحتاج الى قيادة رشيدة …

وفوق كل ذلك لابد ان يكون القلب ملِيء بالاخلاص وحب الوطن .. السيد رئيس الوزراء .. تمنينا ان تخرجوا الينا يوما (انت وطاقمك) وتقولوا لنا وجدنا الدولة منهارة على عمق كذا تحت الصفر وها نحن الان ارتفعنا بها بمقدار كذا وكذا .. انتظرناكم ان تخبرونا بانجازاتكم وخططكم بدلا من التباكي والشكوى ولعن الكيزان وفسادهم ..

*الكيزان اصبحوا جثة باردة فلا تخيفونا بهم بعد اليوم .. ارجوكم * فتذكيركم لنا بفشل الكيزان او لعنكم اياهم لا يعني نجاحكم انتم باي حال … ولا يرفع من قدركم شيئا … بل العكس يجعلكم اسرى لهم ولماضيهم .. لم نأت بكم لتشكوا إلينا .. بل اتينا بكم خبراء لنشكي نحن اليكم لتجدوا لنا حلولا لمشاكل وطننا المزمنة .. اتينا بك خبيرا لتُرسي لنا دعائم نهضة شعبنا ووطننا .. اتينا بك لتبني لنا وطنا يتساوى فيه الجميع .. لا ان ترسي لنا ثقافة التعينات العنصرية والجهوية في ادارة مؤسسات الدولة .. (كما يحدث حولنا الان .. ولي في هذا بيان وتبيان قريبا ) ..

لقد منحك هذا الشعب ثقته وصفق لك ظناً منه انك امله ومُخرجه من محنته التي يعاني منها .. لكن للاسف ..!! كل صباح جديد البلاد تنحدر الى الأسوأ .. سعر صرف العملة يتهاوى بصورة مذهلة .. اسعار السلع تتسارع في الارتفاع بطريقة مخيفة .. الجمارك ما زال يعتبر نوع من انوع الهمبتة المقننة .. اما وسائل النقل والمواصلات فحدث ولا حرج عن توفرها وتعريفتها .. ولن اتحدث عن صفوف الخبز وندرة الوقود واسعاره فذاك حديث مللنا منه .. مصانع متعطلة او تعمل بربع طاقتها لعدم توفر مدخلات الانتاج المستوردة لشح الدولار .. اسواق ممتلئة بالمنتجات الصينية الاكثر رداءة (وهي اكبر هدر للعملة الصعبة) .. وتلال الاوساخ المغززة تستقبل كل ضيف يحل بالبلاد (الا تخجلون من انفسكم قبل ضيوفكم) ..

حكومة عجزت عن نظافة شوارع مدنها لن تستطيع ابدا ان تبني وطناً او ان تجد احتراما !! .. ولا يحق لها ان تتحدث عن تنمية ومستقبل .. انت محظوظ ايها السيد الرئيس ان تحكم بلد مثل السودان يزخر بما يتمنى المرء من موارد طبيعية ، فقط يحتاج الى ادارة وارادة والتي للاسف لم نجدها فيك .. موارد من كل شئ .. معادن مختلف صنوفها … اراضي زراعية .. مياه نيلية وجوفية وثروات حيوانية متنوعة .. ثروات سياحية وتاريخية .. ثروة بشرية هائلة وعمالة رخيصة … وموقع جغرافي يسيل له لعاب الشعوب .. عاما مضى اضعفت فيه (بضعفك) الجانب المدني لصالح الجانب العسكري في الحكم …

حتى دان الامر كله لهم .. ولا شئ يمر الا بموافقتهم ورضاءهم … واصبحت انت اداة بيدهم … فاي فشل اكبر من هذا يا سيادة الرئيس !!.. انها والله حسرة تفطر القلب نصفين .. !! .. اما كان الأجدر ان يكون في مكانك هذا من هو اقدر منك حنكة واشد بأسا مع العسكر .. ام حلاوة السلطة أطعم من حلاوة الوطن سيدي .. !! ظننا عند توليكم الامر ان نرى في عهدكم انشاء مفوضيات مستقلة للتحول الاقتصادي والتنموي للتخطيط الاستراتيجي لمستقبل البلاد والعباد واخرى للتحول الاجتماعي والثقافي .. فخاب ظننا فيك وتكشفت محدودية قدراتك وبانت لنا خفاياك عن اخرها … وايقنا ان رؤيتك وطموحك لا يتجاوزا الكرسي الذي تجلس عليه .. بنيت كل خططك الاقتصادية على مؤتمر المانحين وروشتات البنك الدولي القاتلة للشعوب ولم تضع لنفسك خيارات بديلة وانت الاقتصادي الاممي المرموق ..

وها قد فشل ما كنت تطمح اليه من المؤتمر ومن قروض البنك الدولي .. وها هي الوزيرة خرجت الينا في صِحافة الأمس معلنة انها تبحث عن موارد جديدة (من الصفر) لترتق بها خلل الموازنة وربط الاجور .. عام مضى ولم تستطيع استرداد الشركات الاقتصادية العسكرية لولاية الحكومة المدنية .. عام مضى ولا نعرف شيئا عن صادرات الذهب .. ولا كم تبلغ كميته ولا من هو المستفيد الاول من عائداته .. عاما مضى ولم تستطيع ان تقدم فاسدا واحدا من النظام البائد للمحاكمة .. ولم تفكر في التحقيق في جرائم مذابح دارفور وكأن دارفور ليس جزء من هذا الوطن ..

عام مضى والتحقيق في جريمة فض الاعتصام يراوح مكانه .. والغموض والتضليل هما سيدا الموقف .. كنا نتوقع منكم ان تنظروا الى الامام وتسيروا على خطى زعماء العالم الناجحين لتستبينوا سبل النجاح والبناء والتنمية لا ان تلتفتوا للوراء تتباكون وتضيعون جل وقتكم تحدثوننا عن الدولة العميقة ومؤامراتها .. فعطلتم الدولة وانفسكم عن المسير .. واصبحتم تديرون الدولة بنفس عقلية النظام البائد .. وتتقفون اثره النعل بالنعل .. توقعنا انكم تعلمتم من تجاربكم مع نجاحات الدول التي استضافتكم سنين عددا .. ومن خيراتكم في المنظمات الدولية .. وانكم ستنقلون الينا تجاربهم معكم … وظننا انكم ستكونون قامات سامقة مثلهم عندما قُلِدتم مناصب الوزارة .. او على الاقل ستخاطبوننا باحترام بمثل ما يخاطب قادة تلك الدول شعوبهم .. دون تضليل او استخفاف بالعقول او تقديم اهانات للشعب ..

السيد رئيس الوزراء ، ان لم يك لديك نموذج ادارة خاص بك فلماذا لم تقتفِ اثر القادة الناجحين حول العالم و رجال الدولة الذين يحبون اوطانهم وشعوبهم للاستفادة من تجاربهم .. لماذا لم تسترجع اسلوب مهاتير في حكم ماليزيا او تستمع لقصة نجاح اردوغان تركيا او لخطابات رئيسة وزراء نيوزيلاندا .. ولم لم تنظر الى الطفرة التي انجزها رئيس وزراء رواندا ببلاده حين بناها برماد الموتى وجعلها بلد تنحني له الهامات العظام .. او لماذا لم تتمعن في مسيرة جارتنا اثيوبيا وكيف يقاتل رئيس وزراءها من اجل رفاهية شعبه بمشاريع التنمية العملاقة المتلاحقة .. ولم لم تطلع على تاريخ الشيخ زايد بن سلطان الرجل الأمي البسيط الذي اسس دولة الامارات العربية من رمال وعدم .. و كيف غفلت عن الاطّلاع على برامج رئيسا الوزراء السابقين للبرازيل وسنغافورة اللذان احدثا طفرات اقتصادية مشهودة لبلديهما .. او ان تتعلم من نجاحات امير دولة قطر الذي يتواضع له العالم احتراما .. ومؤكد انك لست في حاجة اليّ لاذكِّرك بمعجزة واسطورة كوريا الجنوبية وبقادتها العظام … تلك دول نهضت حديثا من لا شئ وبلا موراد ضخمة .. فقط بذكاء قادتها وحنكتهم وليس بذكاء شعوبها ..

نهضت ببرامج ودراسات وجهد واصرار … وارساء المؤسسية في العمل .. والمفارقة انه لم يحظى احد من قادة تلك الدول بحمل لقب خبير اممى كما حُظيت انت بحمله .. اقالتك لنصف وزارتك لن يغير شئ من ناحية الاداء ولن يؤدي الى نجاحات .. لعدة اسباب، اهمها: فشلك انت في اعداد برنامج او خطة او رؤية قومية واضحة المعالم يتحرك من خلالها الوزراء كوحدة متناسقة وفريق يكمِّل بعضه بعض .. ومن شاء التأكد من ذلك فليسأل الان اي مواطن بجواره او اي سياسي او اكاديمي عن ماذا يريد رئيس وزراءنا ان يفعل بالبلاد ؟؟ .. او الى اين يقودنا الان ..؟ … لن تجد اثنين منهم يتفقون في اجابة واحدة .. الا اذا كانت الاجابة “لا ادري” .. وذلك مؤشر لغياب البرنامج .. الاقالات نفسها كانت صادمة لكثير من ابناء الشعب لانها جاءت بغير المتوقع وبدون حيثيات اومسببات معلنة .. وكأنها تغيير لاعضاء عصابة وليس وزراء حكومة ثورة ..

سبب اخر هو ان ما تبقى من الوزراء الذين لم تشملهم الاقالة لم يُظهِروا اداء مميزاً بطموح الثورة يجعلك تحتفظ بهم للمرحلة المقبلة وهي المرحلة الاصعب من سابقتها بالنسبة لكم كحكومة في ظل شح موارد الدولة الذي لم تتحوط له ببرنامج طموح يؤدي الى تطويرها منذ توليك الامر … بُعدك عن الشعب وتقوقعك في القصر وعدم تفاعلك بقضاياهم الملحة منقصة اخرى .. فانت لا تطل عليهم الا احيانا نادرة بخطابات اشبه ما تكون بخطاب الوثبة الشهير .. ولا تختلف عنه الا في قِصَر طوله .. المضمون واحد .. خيال وتجهيل وعبارت فضفاضة .. واسمح لي ان اقول ان افتقادك للكارزما والحضور والحسم هو امر اخر مقلق للغاية في شان قيادتك دفة الامر بالبلاد .. المرحلة القادمة تتطلب رئيس نشط ذكي حاضر في اتخاذ القرار .. خبير بدهاليز الحكم وتعقيدات السياسة .. وليس رئيس باهت الاداء .. مهادن ضعيف الكسب امام العسكر .. بارد الانفعالات يوضع كواجهة (خبير في الامم المتحدة) لِيُدار من خلف الكواليس بواسطة قلة ممن بيدهم الامر ..

والاخطر من كل ذلك بدأت الان الحروب الاهلية تطل براسها في اقاليم السودان المختلفة .. واصابع اهل دارفور تشير نحو القصر الكبير .. وانت لم تحرك ساكنا .. !! والتلاسن والتكتلات الجهوية والعنصرية اصبحت شائعة في الاسافير وبالعلن .. وانت لم تحرك ساكنا ..!! وحدة البلد والشعب الان على المحك .. ولم يفتح الله لك ان تُسمِعنا كلمة واحدة في هذا الشأن .. لقد ضاقت الحياة بالناس ووصل بهم الحال ما لا يحتمل (والجوع كافر) .. ولا امل منظور في ظل روشتة البنك الدولي برفع الدعم .. اليس الاجدر بك ان تستقيل ليذهب معك بقية الطاقم جميعا .. خدمة للوطن والانسانية ..

بدلا من اقالة بعض وزراءك دون ذكر حيثيات .. هلا اقتديت بنظيرك الاثيوبي هيلي ماريام ديسالين .. باني نهضة اثيوبيا وكيف استقال وهو في اوج مجده .. عندما رَجَح في ظنه ان بلاده قد تنجرف نحو حرب اهلية ان لم يفعل .. فلماذا لا تفعل مثله وانت لم تصل مشارف المجد بعد .. افعلها لعل التاريخ يحفظها لك ..!! بدلاً من دفعك البلاد نحو الهاوية ..

عندما قال لك الشباب “شكرا” ربما قالوها مقدما (شيك على بياض) ظنا منهم انك ستكون على قدر ما ظنوا بك وانك لن تسئ استخدام هذا الشيك فتخذلهم .. ولكن .. للاسف …!! اما نحن فيجب الا نكون شعب يمجد الاشخاص .. بل علينا ان نكون شعب يمجد الانجازات .. شعب لا يمنح شكره مقدما لشخص مهما كان … ولا يمنح شكره الا لمن يستحقه وبعد ان يري بأم عينيه انجازاته ماثلة تحكي عن نفسها بنفسها حتى لا نصنع دكتاتورا يستغل غفلتنا ويضحك على غباءنا ..

نحن نتحدث عن مستقبل وطن وشعب يضيع امام اعيننا .. وعن ثورة تموت بهدؤ خنقا بايدي من ائتمناهم بها .. وعن آمال اطفال ويتامى وارامل تتسرب من بين أيدي رئيس وزراء اجمعت كل اعماله بعدم كفاءته للمنصب .. واتفَق كثير من الناس بفشله في ادارة الفترة الماضية … افما آن لقوى الحرية والتغير (حتى لا تندم في مقبل الايام) ان تبتعد من العواطف وتحكِّم العقل لتبحث عن قائد بديل لتشكيل حكومة المرحلة المقبلة .. خاصة ان حكومة السلام المرتقبة ستكون اكثر تعقيدا وتحديا واكبر حجما من ان يقودها رئيس الوزراء الحالي.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..