مقالات سياسية

لا حاجة لمؤتمر اقتصادي، فقط الاقتصاد خارج السيطرة

د. محمد عبدالقادر سبيل

لماذا عجزت الحكومات المتعاقبة منذ عشر سنوات تقريبا عن التحكم في مسارات الاقتصاد الوطني السوداني..لماذا لا تستطيع الحكومة السيطرة على الارتفاع المتواصل لأسعار العملات الاجنبية مقابل عملتنا الوطنية رغم بذل السياسات النقدية المطلوبة من جانب بنك السودان ولماذا يتفاقم التضخم يوما بعد يوم برغم بذل السياسات المالية المتتالية من جانب وزارة المالية؟

لماذا نصدر الذهب والصمغ والمواشي والحبوب ولا نحصل على حصائل الصادرات الضخمة؟ ولماذا يتفاقم عجز ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامة؟

قطعا هناك فشل واضح من جانب الخبراء داخل وخارج وزارة المالية بل وتنتابهم الحيرة وفي الوقت ذاته نلحظ عدم اعتراف بالفشل وبالحيرة وتلك ازمة اخرى تضاف الى الازمة الاقتصادية.

فأين المشكلة وماهو المخرج من النفق المظلم؟
المشكلة في تشخيص الحالة المركبة وأول الخيط يتعين في أنه لا يوجد نظام فعال يدار به اداء قطاعات الاقتصاد وانشطته ووظائفه…

الحال يبدو كصاحب مزرعة يحرث بصورة علمية ويزرع افضل التقاوى المحسنة ويرش السماد ويطلق مياه الري من البئر في الوقت المناسب وبالكمية الكافية داخل مزرعة امتلات قنواتها الفرعية بالطين والاعشاب الطفيلية فتسربت المياه الى خارج حدود مزرعته او ذهبت هدرا الى الطرق والغابات المجاورة.

هنا مربط الفرس… صلاحية وفعالية شبكة القنوات التي تجعل المزارع يتحكم في شرايين واوردة واعصاب المزرعة ذات الارض الخصبة والغلة الضعيفة.

كذلك حال اقتصادنا الوطني يتلقى من جانب الخبراء مبادرات ورؤى وسياسات حصيفة وصحيحة ولكنها مثل علاج لا يشفي مريضا تشخيصه خاطئ في الاساس.

المشكلة يا جماعة الخير في عدم وجود نظام فعال يمكن وزير المالية من السيطرة على اطراف العملية برمتها… لا يوجد نظام مترابط ومنسجم يستجيب للاوامر والتوجيهات المركزية ويخضع للقوانين والمنطق والقرارات.

هنالك فوضى تسمح بأن يصدر التجار كل موارد السودان لأنفسهم فحسب بينما دولة الشعب فقيرة لا تكاد تجد ثمن الدواء للمرضى او القمح لإطعام اصحاب الحق في كل هذه الموارد ولا تستطيع توفير المواد البترولية لتشغيل الماكينات وادوات الانتاج وحركة المواطنين.. كل شيء يذهب الى المصدرين والاجانب وتجار العملة والشعب جائع ويئن والحكومة تتفرج بل وتحتار امام السؤال التقليدي الساذج: لماذا لا يستجيب اداء الاقتصاد الكلي لسياساتنا واجراءاتنا الفنية الصحيحة؟!.
لا يستجيب لأنك فرطت في القنوات وفي النظام الذي يجعلك تتحكم..

والحل؟
الحل في التحكم من جديد بالصادرات والواردات كلها تكون بيد الدولة من خلال تفعيل الشركات الحكومية ( شركة الاقطان وشركة الصمغ وشركة الحبوب وشركة الذهب والمعادن وشرمة اللخوم والمواشي الخ) هي وحدها تتولى التصدير للتجار والتنسيق معهم على ان يتم توريد الحصيلة كلها في بنك السودان ويتم سداد كل مستحقات المصدرين بالسعر الرسمي ولكن بعد رفعه بصورة واقعية ومنصفة للطرفين.

وفي جانب الواردات فإنه لا يتم استيراد اي سلعة من جانب التجار الا بواسطة شركات حكومية تلعب دور الوكيل عن التجار وتكون مسؤولة عن توفير العملة الصعبة من بنك السودان للمستوردين بالسعر الرسمي بعد تعديله.
وفي الوقت ذاته يتم حذف المئات من السلع غير الضرورية من قائمة الواردات.

هكذا فقط تعود الدولة بقوة للسيطرة على ادارة الاقتصاد القومي ويجف السوق الاسود للعملات وترتفع قيمة الجنيه وتنخفض معدلات التضخم/ الغلاء وتختفي صفوف الخبز والغاز والبنزين على الفور.

فهل هذه الوصفة صعبة او غير واقعية حتى ندعو الى مؤتمر اقتصادي كل ما سيفعله هو اضافة كم آخر من النظريات الرائعة والمبادرات الصحيحة والعلمية ولكنها جميعاً ستضخ الماء الى قنوات ري مغلقة ومكسورة ليتسرب الى خارج المزرعة الخصبة.
هاتوا هذه القنوات (قنوات السيطرة) الى العمل اولاً وبعدها طبقوا ما شئتم من نظريات اقتصادية لا تجد الآن البيئة الصالحة لتحقق غاياتها.

من ياترى الذي يمنع اتخاذ هذه الخطوات الناجعة ويتركنا هكذا في الوحل؟
هل هو صندوق النقد الدولي الذي يريد لنا الخير؟
هل هم اصحاب النفوذ والمصالح لا يسمحون لرئيس الوزراء ووزير المالية اتخاذ الطريق السهل والصحيح ؟ ام ماذا؟
فالطريق واضح ومتاح والنتائج مضمونة ولكن الحكومة تتنكبه عمداً باصرار عجيب وبصمت مريب … ليتني أفهم.

د. محمد عبدالقادر سبيل
الامارات

زر الذهاب إلى الأعلى