مقالات سياسية

القومة للسودان (سدّاري)

د. محمد عبدالقادر سبيل

تشهد تقارير رسمية سابقة للحكومة السودانية المنصرمة أن نسبة السكان الذين هم تحت خط الفقر ( دولارين يوميا) بلغت 55% بينما ذهبت منظمات اممية ذات علاقة الى ان من يعيشون عند هذا المستوى من الفقر المدقع في بلادنا حوالى 75% من ابناء الشعب الكريم.

وتشهد الشواهد أن بدعة التفريط في حقوق المساكين والفقراء من جانب الدولة قد استنها عهد الانقاذ بفساده العتيد ومحسوبياته واستئثار منسوبيه بكل الفرص الامر الذي اسس لاهمال حقوق الضعفاء وكرس للاستباحة الاستثمارية حتى نتج عن ذلك ما عرف بظاهرة القطط السمان.

ولعل سيدنا علي رضي الله عنه هو من قال:
(ماجاع فقير الا بما متع به غني)
ولا يعني ذلك بالضرورة ان ينال الجميع الحصة نفسها ولكن الفروق بين شرائح المجتمع وطبقاته ينبغي ان تكون منطقية وعادلة وشتان ما بين العدالة والمساواة.

إن اسوأ مستوى لعدالة توزيع الدخل القومي يجب ان يضمن كفالة الحد الأدني من الكرامة والعيش على الكفاف للجميع دون تفرقة ثم بعد ذلك تتفاوت الشرائح والافراد في درجات الرفاه.

ولعل ادنى درجات حقوق المواطن عند حد الكفاف تتطلب توفير حاجاته الاساسية من علاج وأمن وغذاء وكساء ومسكن وعدل ومقعد تعليم مجاني ووسيلة نقل وفرصة عمل.

ماقيمة الحكومة وما الداعي اليها اذا لم توفر هذه المطلوبات لمواطنيها؟
هذا هو الحد الادنى المطلوب من اجل الحصول على حد الكفاف الذي يجعل الفقير يعيش بكرامة فلا يضطر لأن يقتل أو يسرق او يغش أو يبيع شرفه من اجل توفير هذه الاساسيات له ولأبنائه.

من هنا فقط تكتسب الحكومات مشروعيتها لضمان تحقيق هذا الشرط من خلال اعادة توزيع الدخل القومى على نحو عادل ومنطقي حتى يستقر المجتمع ويسلم من انتشار الجريمة والمخدرات والتمرد المسلح وبعد ذلك فلتتفاوت مكاسب و مستويات الناس الاجتماعية والاقتصادية من درجة فقير محترم الى أكبر رأسمالي وطني فلا بأس.

وبالنظر الى واقع المجتمع السوداني نجد ان دخل الفقير يتدنى بالمعايير العالمية الى الدرك الاسفل الذي يصل الى 0.70 دولارا ( تعادل 100 جنيه سوداني) في اليوم واحيانا اقل من ذلك وتحت عين بل وقرار الدولة الرسمي، اذ ان الحد الادنى للأجور في حدود 3000 جنيه شهريا وهو مبلغ لا يكاد يكفى لمجابهة بند واحد فقط من قائمة الحاجات الاساسية للأسرة متوسطة الحجم. الأمر الذي يعكس لامبالاة بل ظلم مبين يمارسه حكام البلاد ويؤكد عدم شعورهم بالمسؤولية البتة رغم ان معظمهم خرجوا من ثنايا تلك الشرائح الرازحة ماتزال تحت نير الفاقة المزرية التي نتحدث عنها.

هذا الواقع لا ينبغي السكوت عنه بعد الثورة قط.. كما لا ينبغي الاصطبار مدداً اكثر مما انصرم من اعمار العباد..
من هنا فإن انفاذ شعار ثورة ديسمبر (عدالة) خاصة على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي يصبح ضرورة ملحة لا يمكن التعامل معها ببرود اكاديمي لأن الجوع كافر والناس تموت يوميا.

ولذلك نقترح البدء بالخطوة الاولى المتمثلة في:
مصادرة نصف ثروات الاثرياء الذين اغتنوا غنى فاحشا من الموارد وفرص الاستثمار داخل السودان خلال عهد الانقاذ ممن يطلق عليهم القطط السمان( سواء احتفظوا بأموالهم تلك في الداخل او الخارج).. ونقصد بذوي الثراء الفاحش كل فرد جمع فأوعى ثروة خلال فترة الانقاذ في صور ممتلكات واستثمارات وارصدة واسهم وعقارات تزيد قيمتها الاجمالية عن ما يعادل مليون دولار امريكي سواء قام بتسجيل عقاراته وشركاته واسهمه وارصدته باسمه أو باسم اخرين على سبيل التمويه. وسواء احتفظ بثروته في السودان او خارجه..

هؤلاء جميعا يتم مصادرة 50% من ثرواتهم الزائدة عن المليون دولار ويطلب منهم استثمار ما تبقى لهم في وجوه الانتاج الواضحة والمجدية للاقتصاد الوطني.

وذلك لكونهم اثروا في ظروف قهرية وغير قانونية ساد فيها الفساد والمحسوبية ونهب ثروات الدولة وشراء الذمم والتحايل على العقوبات الاقتصادية الدولية بطرق غير قانونية.

ولعل ذلك منتهى العدل بل والتسامح مع (اثرياء الحرب) التي شنت ضد القانون والعدالة والحقوق الخاصة العامة.
وتلك خطوة اولى في مشوار العدالة الاجتماعية.

والشرط الاساسي في هذا الامر هو توفر عنصر الشفافية والرؤية الواضحة لدى الحكومة الانتقالية واعلان ذلك بالتفصيل امام الشعب دون تستر او كتمان يثير الريبة …من اجل توظيف هذه الاموال في برامج ومشاريع تحقق التنمية الشاملة والرخاء والاصلاح الاقتصادي وتحسين مستوى الخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة وازالة الغلاء بصورة ملموسة للمواطن في اقرب وقت وبجدول زمني محدد.

هكذا فقط تكون الثورة ثورة وتكون حكومتها حكومة مسؤولة ويتحقق شعار ..حرية سلام وعدالة.

د. محمد عبدالقادر سبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..