أخبار مختارة

دراسة نقدية لبيان د. ابراهيم أحمد البدوي وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السابق

سيناريو الجحيم: خبير مؤسسات بيرتون وودز المهني فى متاهته

الفاضل الهاشمي

“لما تشوف أبو عُرُف لازم تلقى حمار الوادي” مثل سوداني

(1 من 4)

توطئة:

أصدر د. ابراهيم احمد البدوي بياناً صحفياً حول ملابسات مغادرته أو استقالته او إقالته بعبارات فضفاضة تسمح بكل هذه القراءات. نود هنا طرح تناول نقدي يفكك تناقضات خطاب نخبوي ينتمي الي ذات المدرسة الفكرية التي ينطلق منها ويتبناها كثير من المهنيين الأكاديميين الذين تبوأوا وظائف بمنظمات بريتون وودز والتزموا منهجها ومفاهيمها وفلسفتها وأطرها الفكرية النيولبرالية وترتيبات برامجها التي تطبق علي جميع دول العالم فى الجنوب وبعض دول الشمال الكوني وتحت وصفة جاهزة دون محاولة إستخدام الإرادة الوطنية المتاحة لإعادة انتاج الوصفة حتى تنسجم مع مطلوبات وطبيعة المتغيرات الإقتصادية والاجتماعية فى الدولة المحددة. نزعم أن هذا المنهج فى حد ذاته ، منهج نقل نص الوصفة بذبابته كما جاء فى المقولة الشعبية، نقل ينطوي علي حماس فكري وغشامة أكاديمية تدّعي الألمعية والذكاء. مع أن كثير من أكاديميي المدرسة النيوكلاسيكية فى الإقتصاد منذ مدرسة شيكاغو ومنهم من حاز على جائزة نوبل للإقتصاد (جوزف ستغليتز) الذي تصدى لقيادة البنك الدولي وصندوق النقد قد انتقد قصور منهج وممارسات وصفات البنك الدولي وصندوق النقد وتناقضاتها. لقد غيرت تجربة ستغليتز فى هذه المؤسسات رؤيته فى التنمية وسجل إحباطاته فى كتابه “العولمة ومخازيها المغضوب عليها” ، حيث رأي بأم عينيه الأثر البائس والمدمّر لسياسات العولمة التنموية (البنك والصندوق) فى دول الجنوب الكوني الفقيرة واقترح إعادة النظر الشاملة فى السياسات وإتفاقيات التجارة العالمية وأهمية النظر الي الأدلة العملية الماثلة والحطام الذي تسببت فيه تلك السياسات ؛ ومن ثم أقرّ، على ضوء عمله فى البيت الأبيض كأحد ثلاثة مستشارين للحكومة الأمريكية (مجلس المستشارين الإقتصاديين) والبنك الدولي ، أقرّ بأن القرارات والأفعال فى هذه المؤسسات تتخذ بدوافع آيدلوجية وسياسية، وأنها تُتخذ بحسبانها تتواءم فقط مع مصالح ومعتقدات وآراء من هم فى السلطة. تأسّف ستغليتز أن الأكاديميين الذين يكتبون التوصيات للوزراء يخترعونها حتي تتواءم مع هوي ومصالح القائمين على السلطة وبذلك تنفضح مهنية النخب الأكاديمية حين يلامسون السلطة وإمتيازاتها.

يعتقد ستيغليتز أن عائد ومحصلات النمو لا ولن يتم توزيعها بالتساوي على المواطنين ولن تنعكس على أسعار منخفضة للمستهلكين الا تحت شروط سياسات تنافسية متقنة ومحكمة ، وضرورة انسياب المعلومات بإتقان بين العامل والمخدم، الدائن والمديون، المؤمِن والمؤمَن عليه ؛ وهذه شروط نعلم يقيناً أنها لا تتوفّر فى الجنوب الكوني ، وخاصة الأفريقي.

يؤكّد ستغليتز أن سياسات صندوق النقد الدولي التي تنطلق من فرضية غابرة تزعم أن عمل الأسواق وحده يقود الى نتائج فعّالة ، فشل تماماً كونه استبعد التدخلات الحكومية المطلوبة فى الأسواق التي من شأنها أن تقود النمو الإقتصادي لمصلحة الجميع. كما عبّر عن أسفه إبان عمله على النفاق وعدم الشفافية فى توفير المعلومات للمواطن التي مارسها صندوق النقد الدولي والخزانة الأمريكية تجاه شرق آسيا إبان الأزمة المالية فى 1997 (راجع: رسالة مفتوحة ومباشرة إلى د٠عبدالله حمدوك رئيس مجلس الوزراء و د. إبراهيم البدوي وزير المالية، د. محمد محمود الطيب والفاضل الهاشمي، 6 ابريل 2020).

البدوي والغموض وعدم تحرّي الدقة فى الكتابة:

لا يتحري بيان البدوي الدقة والوضوح خوفاً من وطمعاً في مآلات واستهدافات خارج النص تتيه بالقارئ فى لجج الغموض. مثلاً لاحظ الزعم الخجول هنا حول متغير اقتصادي هو إعفاء الديون حيث يكتب أن برنامج صندوق النقد لمراقبة تنفيذ الاصلاحات والسياسات الاقتصادية الموسوم Staff Monitored Program: SMP “سيشكل قناة العبور لآفاق اعفاء ما يناهز 60 مليار دولاراً من الديون الخارجية واعادة تأهيل البلاد للاستفادة من منح التنمية الدولية، حيث يمكن لبلادنا وقتها الشروع في إنفاذ برنامجها الوطني للتنمية المستدامة ومكافحة الفقر وبناء السلام.” لاحظ أنك تتبع ترتيبات برنامج ذا شروط قاسية من رفع دعم وتخفيض عملة وتضخم ودعم نقدي مباشر تحت مسمى (Sudan Family Support Programme) تم تقديره بخمسة دولار فى الشهر!. بعد تنفيذ تلك الشروط ربما تصل الى “آفاق قناة عبور” وليس الى إعفاء ديون؛ دع عنك تأهيل تنموي ومكافحة فقر وتضخم يعيد توزيع الموارد والاستهلاك لصالح طبقات الأثرياء. وبذلك يكون البرنامج قد ساهم فى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء التي أثقلت كاهل جنوب وشمال العالم كما عبر عنها توماس بيكيتي الإقتصادي النيوكلاسيكي حامل جائزة نوبل فى الإقتصاد فاقترح مع غيره استخدام مصطلح القِسط (equity) وهو العدالة الإجتماعية الحقيقية (مقابل المساواة) وهو أهم من الدعم المباشر للمعوزين الذي قوامه خمسة دولارات فى الشهر كفتات من الصندوق. أما عندنا فى السودان فان الفجوة مرئية ومخجلة تراها فى المولات والعربات الفارهة. هذا واقع مذرٍ لا تجدِ معه مغامرات عشوائية غامضة.

فقدان نص البدوي للمصداقية حول إقالته او استقالته:

نلاحظ أن البدوي يتحاشي الوضوح. مرة يسمي أنه غادر بمحض ارادته حين كتب “دواعي وملابسات مغادرتي” ومرة أخري يسميها استقالة حين يرجو بلطف وتأدّب مصنوع “ألا نفهم أن إفادته تهدف لتسجيل موقف أو الغمز من قناة أيٍ كان بالرغم من التلميحات بأن قبول الاستقالة مرتبطٌ بتقييم للأداء، ولا أدري المعايير التي استند اليها.” وهنا يغمز ويلمز رغماً عنه ، بل يستغرب كيف تمت إقالته بدون تقييم ومعايير. ضمن هذه المطالبة المشروعة يضيق البدوي ذرعاً بغياب الشفافية والحوكمة حين يتعلق الأمر بحقوقه ، ولكن حينما يتعلق الأمر بمطالبة ثوار ديسمبر بالشفافية ومخاطبتهم شهرياً بما تم حول قضايا جوهرية تتعلق بالأمن والسلام وتوزيع السلع الاستراتيجية وملكية شركات الدولة للأمن والجيش والمليشيات يصمت البدوي ورئيس الوزراء نفسه دون مخاطبة الجماهير شهرياً حول هذه التحديات.

وفي حين يطالب البدوي ب”المعايير التي استند اليها” فى استقالته، سرعان مايتنازل عن ذلك بقوله “علي كل لا مشاحة فيما ذهبوا إليه فكلنا شركاء في الوطن وفي نصرة هذه الثورة المجيدة وإن إختلفت رؤانّا واجتهاداتنا”… تأمّل هذا التنازل الطوعي عن الشفافية بذريعة الشراكة والديمقراطية و”الثورة المجيدة” التي رفض الخضوع الى مطالب حاضنتها السياسية وطلب منها عدم التدخّل فى قرارته الإقتصادية!!.

البدوي يرفض مطلوبات حاضنة الثوة السياسية:

نتيجة لتفاقم الأزمة الاقتصادية، كونت الحكومة السودانية في 12 أبريل 2020 لجنة اقتصادية طارئة لقوي اعلان الحرية والتغيير يرأسها عضو مجلس السيادة محمد حمدان حميدتي وينوب عنه رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، لتنفيذ إصلاحات اقتصادية بصورة فورية (28 ابريل 2020 ، سودان تريبيون). قال عضو اللجنة الاقتصادية للائتلاف الحاكم، التيجاني حسين “تجاهل وزير المالية البدائل الاقتصادية المقترحة من اللجنة، التي إن نُفذت لانتهت أزمات الوقود والخبز وغاز الطبخ.” ثم أفاد بأن البدائل المقترحة تمثلت في تجريم التجنيب وإيقاف الإعفاءات الجمركية وإقامة بورصة للذهب وإعادة هيكلة النظام المصرفي وتنفيذ إصلاحات ضريبية وإعادة النظر في الشركات الحكومية وشركات الاتصال، إضافة إلى الاستفادة من الأموال التي تقوم لجنة إزالة التمكين باستردادها من أنصار الرئيس المعزول عمر البشير.” ثم أردف التجاني حسين إن البدائل الاقتصادية المقترحة، لو جرى تنفيذها آنذاك، لكان وضع الاقتصاد في البلاد مختلفًا، دون أن يكون هناك حاجة لإعادة النظر في الموازنة ؛ وأضاف أن وزير المالية ظل “يتجاهل اقتراح مبادرة المغتربين، ويصّر على التعامل بمنهج أدى لانهيار كبير في قيمة الجنيه.” وحمّل حسين وزير المالية نتيجة رفضه تنفيذ برنامج البدائل الاقتصادية مما أدى إلى تردي الوضع الاقتصادي، وأشار إلى أن الحكومة اضطرت لتكوين لجنة طارئة لتنفيذ هذه البدائل. واقترح الاستفادة من انهيار أسعار النفط عالميا، لتكوين مخزون نفطي بأسعار زهيدة يُلغى على أثره فكرة رفع الدعم الحكومي.” الجدير بالذكر ان هذه االبدائل طرحتها قوى الحرية والتغيير على وزير المالية في ديسمبر2019 ، أي قبل 4 شهور(28 ابريل 2020 ، سودان تريبيون).

الآن يدّعي البدوي براءة الذئب من دم بن يعقوب رغم أنه بالأمس القريب جداً تنّكر للأصوات السودانية فى اللجنة الافتصادية وقال “أنها لا تمثل الحرية والتغيير، وأن أفكارها بالية وعفا عليها الزمن. وأن الحاضنة السياسية لا يجب أن تتدخل في السياسة الاقتصادية.” ، ذات اللجنة التي تكونت بقرار من المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وجاء اختيار أعضائها من كل الكتل داخل الحاضنة السياسية وهي جسم اساسي من أجسام قوى الحرية والتغيير. ردت اللجنة الاقتصادية علي البدوي بأن أفكاره “هي البالية وهي التي عفا عليها الزمن ولا تتوافق مع متطلبات الواقع الراهن في السودان ولا تستجيب لمشكلاته، إذ انها أفكار مغلقة ومكررة ومحفوظة من لوح روشتة صندوق النقد الدولي البالية.” (السوداني ، 17 مايو 2020).

لعل من المناسب هنا أن أعيد وصف د. محمد محمود للبدوي فى قوله أن ”الشهادات الأكاديمية والخبرات العملية وحدها لاتكفي اذا انعدم الضمير والوازع الاخلاقي والحكمة والدراية واهم من ذلك التجرد والوطنية والارتباط بالشارع ومعاناة الجماهير وكل هذه الصفات من اهم مايميز اي وزير وخاصة وزير لوازرة المالية عقب ثورة شعبية تاريخية بكل المقاييس….. ثم أضاف “عدم صلة هذا الوزير بالثورة إطلاقا بل علي العكس اثبتت الأيام انه الأقرب لعناصر دولة التمكين” (محمد محمود الطيب ، ماذا يفعل وزير المالية!وما الهدف؟ ، الراكوبة ، فبراير 2020).

حينئذ تنكّر البدوي للتدخل السياسي ولكنه الآن يساومنا تغزّلاً وتلطفاً ب “الثورة المجيدة” ويزيدنا فى الشعر بيتاً ويتنبّر فخوراً أنه “صاحب مشروع اقتصادي عمل علي تطويره عن طريق الأبحاث الأكاديمية والسياسوية.” نجد أنفسنا هنا إزاء نموذج مثالي “طازج” يعكس ضلوع نخبنا المهنية الجديدة التي تدربت في المنظمات المالية والنقدية والتجارية النيولبرالية فى التناقض وعدم المبدئية حيث يرفض تدخل اللجنة سياسيا والآن فى البيان يزعم أنه سياسوي وليس أكاديمياً قحاً. يعتز البدوي فى بيانه الآن أنه شارك ، كمهني وأكاديمي وسياسي، فى ورشة إقتصادية لقوى “التجمع الوطني الديموقراطي” المعارض آنذاك في القاهرة ؛ ثم ساهم بورقة في مؤتمر قوى المعارضة السودانية في أغسطس 2011م بدار حزب الأمة القومي بأم درمان، بينما تعرضت ورقته الآخيرة الموسومة “حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب” كمرجعية لمنهج الثورة الاقتصادى في يناير 2019م لتطرح برنامجاً اقتصاديًا نهضوياً رأي أنه يلبي تطلعات ثورة ديسمبر المجيدة، مستلهماً شعار الثورة الأبرز “حرية سلام وعدالة”.

(2 من 4)

البدوي وبرنامج التحرر الإقتصادي النيولبرالي:

أكّدت تجارب إقلاع ونهوض حديثة فى الدول الأوروأسيوية والهند الصينية واليابان وأفريقيا إن نجاح تلك التجارب يعتمد علي متغيرات وعوامل اقتصاية وسياسية واجتماعية منها أهمية الارادة السياسية وإستغلال الموارد المحلية ودور العلوم والتكنلوجيا واحترام حكم القانون وحكمة الدولة فى التعامل الراشد الحكيم الذكي مع الأسواق المعولمة العائرة ومؤسساتها التجارية المصرفية التي يهيمن عليها رأس المال المالي. لذلك فإن الإعتماد علي الذات والرهان عليها أولاً أشد وطئاً وأقوم قيلا. يقتضي التعامل مع مؤسسات التمويل العالمية ومنظمة التجارة العالمية حسابات ربح وخسارة بالغة الدقة وضمن تلك الحسابات التمترس حول حق تنمية البنيات التحتية ورعاية رؤوس الاموال الإنسانية والسياسية وحق العمل وتنمية الموارد الطبيعية كما فعلت دولة الرفاه الراسمالية من قبل. كما أكدت تجارب تلك الشعوب مع صندوق النقد الدولي ان توقع نتائج إيجابية بعد تنفيذ شروطها القاسية بمثابة سراب بقيعة يحسبه الظمآن مسلوب الارادة ماءً سلسبيلا.

يعلم البدوي أن العقد الإجتماعي الذي يدعو له والذى لحمته وسداه مفهوم ومنهج السوق الحر الطليق الذي تبناه مرفوض من الحاضنة السياسية. ولحسن الحظ أن المؤسسات القنفذية الشوكية التي أمم شطرها البدوي صرحت أكثر من مرة أنها لن تمضِ فى قروضها ومايسمي بشراكتها حتي تؤوول ملكية شركات الأمن والجيش والمليشيا الى الدولة ، ذات الجيش السوداني الذي يقدر صرفه السنوي أكثر من 70% من ميزانية دولة استولي على شركاتها عنوةً وعنفاً وفاشيةً. ليت البدوي أعلن لنا بالشفافية التي يطلبها الآن موقفه من تلك الشركات.

يزعم البدوي أنه يتبني “وصفة سودانية تستهدي بمنهج علمى مدروس، وتستصحب عصارة التجارب الدولية الناجحة الملائمة للأوضاع السائدة في الإقتصاد السوداني، فضلاً عن أن برنامجاً كهذا يجب أن يحظى بدعم كافة أو معظم القوى الاجتماعية والسياسية بالبلاد وأيضاً بتعاون مجتمع التنمية الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق جاء اطار خطة نهضة السودان الاقتصادية: 2020-2030” برنامج تحدث عنه البدوي كثيراً في بدايات عهد الحكومة وحاول الترويج له حسب زعمه فى البيان. يزعم البدوي أن هذا البرنامج تمخضت عنه ثلاثة محاور أساسية:

اولاً: إصلاح تشوهات الاقتصاد الكلي المترتبة علي الدعم السلعي وتعدد أسعار الصرف وتسيد الأنشطة الطفيلية المرتبطة بالسوق الموازي للنقد الأجنبي.

ثانياً: إصلاح الإقتصاد الكلي لابد أن يأتي في إطار مشروع متين للعدالة الإجتماعية والانتاج والإصلاح المؤسسى: ترشيد دعم المحروقات يأ تي في إطار مشروع للانتقال من دعم السلع لدعم المواطن مباشرة: الهيكل الراتبي الجديد، هيئة التحول الرقمى ومشروع دعم الأسر.” المقدر ب 5 دولارات فى الشهر!. وطالب السياسوي الأكاديمي أن يتم اطلاق يده ليفعل كيفما يشاء فى برنامج تم تجريبه منذ السبعينات كما فعل وزراء العهد الفاشي البائد، كما يزعم أن “كفاءة ادارة الإقتصاد لا تتحقق فقط بالحوكمة الرشيدة والإصلاح المؤسسى، بل لابد أيضاً أن تستند الى تفويض كامل للصلاحيات.” !! يحلم البدوي بتفويض شامل كافي دون شروط أو قيود تتعلق بالعدالة الإجتماعية ومطلوبات الثوار، تفويض لوزارة المالية والتخطيط الإقتصادي “لتمكينها من تنسيق وقيادة عملية الاصلاح الاقتصادي.” بذريعة أن هناك “جزراً معزولة من الشركات والهيئات والصناديق في بعض الوزارات محمية بتشريعات تمكنها من الإستمرار في تجنيب الإيرادات وصرفها دون إشراف وزارة المالية ما أدى الى عدم تمكننا من ادارة السيولة وتوظيفها حسب أولويات وحاجات الاقتصاد السودانى.”

(لكن البدوي توقّف دون أن يسمي هذه الشركات. وحين أعلنت الحكومة الإنتقالية عشية مؤتمر الشركاء الأصدقاء إتضح أن تلك الشركات لاعلاقة لها بشركات الأمن والجيش والمليشيا. لو أعلن البدوي فى لقاءاته الصحفية العديدة ضرورة أيلولة تلك الشركات لوزارة المالية لملك القلوب التي ادعي أنه يعمل من أجل شعاراتها كما فعل من قبل د. محمد يوسف ابوحريرة وزير التجارة فى حكومة انتفاضة ابريل 1985 حين أوقف جشع تجار المواشي في عيد الاضحى واستورد الخرفان الاسترالية؛ ثم أردف علي ذلك الصنيع الثوري إستقامة لا تلين لها قناة حين قدّم مذكرة لمجلس الوزراء وجه فيها حزمة من الاتهامات لمبارك الفاضل الذي كان يشغل منصب وزير الصناعة ، ولقد ترخّص الامام الصادق المهدي أمام تلك الاتهامات مردداً كعادته عبارة سوقية غير لائقة فى حق ابوحريرة أن أبوحريرة (شمّ شطّه فعطس) ، ثم قام الصادق المهدي رئيس الوزراء حينئذ بعزل ذلك الرمز السوداني المميّز ، فتأمّل ! كان عزلاً وإقالة اعتبرها الجميع شرفاً كلّل هامة ابوحريرة لأبد الآبدين. ويواصل البدوي المحاور الثلاثة.

ثالثاً: البداية من حيث الرؤية والبرامج لابد أن تكون سودانية خالصة ولكن للخروج من حفرة عمقها ما يناهز 60 ملياراً من الدولارات لابد من البحث عن دعم الشركاء.” وعبارة “الشركاء” هى اسم الدلع الأيدولوجي الجديد للمانحين والقارضين ضمن اتفاقية برنامج ال SMP ، ذات البرنامج الذي جرّبه النظام البائد مع ذات المؤسسات التي منحت السودان هذه المليارات وأدخلته ذات الحفرة التي إتخذت كُنية مشروع الشركاء.

إضطر البدوي لاحقاً أن يبيع رهانه علي أن تكون الرؤي والبرامج سودانية خالصة وإنطوي بعيدا عن سياسويته المزعومة فى ذات البيان الذى نحن بصدد نقده ، فعدل عن مشروع العدالة الاجتماعية وشعار حرية سلام وعدالة الذي باع به رؤاه لفضاء الثوار وإنطوي الى ذات الانتلجنسيا المهنية الأكاديمية النرجسية التي تلحف عليه بالسؤال الذاتي العضوض؛ كان ذلك في قراءتي لنصه في البيان حين قال أن تباينات حدثت بينه وبين د. حمدوك رئيس مجلس الوزراء “في بعض القضايا الهامة” فاقتنع حينئذ أن “رأىْ الفني المتخصص لم يُحظى بالإحترام الذي يستحق.” !!

لعل البدوي سيردد بعد ثلاثة أعوام لو قدرت له الظروف الإستمرار فى الوزارة ذات الجملة الغامضة “لا شك أننا في وزراة المالية والحكومة بصفة عامة لم يحالفنا التوفيق في تحقيق الكثير من الأهداف المرجوة في اطار زمني قصير، ولكن بلا شك هناك انجازات كبيرة تحققت بفضل وضوح الرؤيا وقوة المنهج.” ذات الرؤيا الواضحة والمنهج القوي هو الذي دعا البدوي الى رفض أن تكون الرؤي واالبرامج سودانية خالصة وان يعطي تفويض شامل ليبارى جداد توافُق واشنطون (Washington Consensus) اللبرالي الجديد والجداد العُقالي السعودي الأماراتي وربما القطري.

إعجاب البدوي المفرط ببرنامج صنوق النقد الدولي لرقابة السياسات (SMP) جعله العروة الوثقي والعمود الفقري لذلك ردده ثمانية مراتٍ حسوما فى البيان كونه يراهن علي “تطابق معظم عناصر هذا البرنامج مع أولوياتنا الوطنية التي تم معالجتها في اطار قرارات لجنة الطوارئ الاقتصادية العليا.” ذات اللجنة التي اختلف معها ويزعم ضمن هذا الرهان “ان تنفيذ هذا البرنامج سينقل البلاد الى آفاق غير مسبوقة تنفض عنَا إصر تركة الانقاذ الاقتصادية الكارثية في خلال ستة الى ثمانية شهور فقط.” حيث يتُوقع الانضمام لمبادرة الدول قليلة الدخلHIPC التي ستخفض ديون السودان الى أقل من 15 مليار” ثم تسديد متأخرات الديون لمنظمات التمويل الدولية وإعادة الانضمام للجمعية الدولية للتنمية IDA وتقديم منحة سنوية بحوالى مليار دولار كدعم مباشر للموازنة. وأخيرا تدفق الاستثمارات المؤسسية – على سبيل المثال من قبل مؤسسة التمويل الدولية بالبنك الدولي وصندوق التنمية الأفريقي – التي عادة ما توفر التمويل لمشاريع التنمية الاستراتيجية وبذات الوقت تمكن الدول من استقطاب الإستثمار الخاص.” هذا كل ما فى جعبة البدوي الفنية المتخصصة الذى مكث فى الوزارة ستة شهور كاملة وهى المدة التي تكفيه لانجاز هذه الاستهدافات التي لم يكلمنا عن خسائرها فى حساب العدالة الاجتماعية التي ادعي انتمائه اليها ثم خاصم حاضنة ثوارها!!.

إنفراط الشخصنة والتلاوم العاطفي بين وزير المالية ورئيس الوزراء

أو

خواطر وزير المالية سيد قومه المتغابي ومثقل القلب

يقول البدوي أن الذي يجمعه برئيس الوزراء “علاقة شخصية ومهنية لما يربو علي ربع قرن من الزمان”. وكان ضمن ذلك السياق يثير القضايا االكبري التي سجلها هنا فى البيان ” كأفكار وهواجس في اطار التشاور”. يقول البدوي حين ورد الى مسامعي أن “هناك ترتيبات تجرى وراء الكواليس وبتكتم شديد للتفاهم مع شخص من داخل الوزارة وعلى دراية بمفاوضات SMP ليصبح وزيراً مكلفاً بديلاً عني عندما يأتي الوقت المعلوم” ، قال أنه لم ينزعج كونه قرأ “ماذا يريد الرئيس من حيثيات “عدم الفعل” الذي إتسم به موقفه وبناء عليه حزمت أمري بأنني لابد أن أغادر وأصِر علي ذلك. لكن الذي أحزنني أنني كنت أقارب هذه القضايا الهامة بصراحة وشفافية ولكن للأسف تم التعامل معي بأسلوب آخر”. هكذا انفرط العقد الفريد الشخصي والمهني الي “جلفقة وكرجاكة” كما يقول أهلنا فى الوسط وغرب دارفور، وتلاوم من عدم الفعل الذي اتسم به د. حمدوك كما يزعم.

لو كنت على مرمى حجر منكما أنت وحمدوك لجأرت بالشكوي كمواطن سوداني ضد غياب الصراحة والشفافية تجاه قضايا ثوار ديسمبر، وضد كثير من ممارسات إتسمت بالتلكؤ والبطء وتغييب الحاضنة السياسية فى كثير من أمهات الأمور، أو استخدام الخيار والفقوس فى التعامل مع تلك الحاضنة. كما أشدد علي ضجري من التساهل مع المكون العسكري الذي ظل ينتهك الوثيقة الدستورية فى قضيتيْ السلام ولجنة الطوارئ الاقتصادية ، وأدين بشدة غياب الصراحة والشفافية فى عدم طرح أيلولة شركات الأمن والجيش والمليشيات لوزارة المالية، علما بأن منصرفات هذه المؤسسات وإمتيازاتها ورواتبها مازالت عبئاً ثقيلاً على المواطن السوداني.

أنه ليحز فى النفس ويثقل عليها أن معظم النخب السودانية الحاكمة فى الحكومة الإنتقالية لم تولي قضية المصارحة والشفافية مع ثوار ديسمبر ما تستحق ، مما يطرح بجدية قضية الاستقامة والإلتزام الأخلاقي بسقف مطالب ثورة ديسمبر المجيدة التي رفعت شعار حرية سلام وعدالة ودفعت دماً غزيراً وعلى مراحل طويلة، كما الثورة الفرنسية، نحو إعادة إنتاج ومواصلة سيرورتها وصيروتها بوعي عميق كمقابل جدلي وجودي مضاد للدولة العميقة. أقول قولي هذا كوني أتأسي وأنا أقرأ إفادة البدوي وهو يمارس طريقة يخلّص فيها نفسه ويبرؤها ويطهرها من رجس تغييب الآخر (طلباً متأخراً للشفافية والحوكمة والصراحة والمصارحة) كونه فى الضفة الآخري من زمكان المسؤولية الأخلاقية وأوار المعركة. هاهو البدوي يسجل بعد فوات الآوان وبصوت خافت خجول إفادة “خلّص رقبتك وظهرك” حين كتب “كنت قد تقدمت بمقترح في الموقع (غير الرسمي) الخاص بأعضاء الحكومة في السابع والعشرين من يونيو، عبرت فيه بأ نه ” قد حان وقت المواجهة (كنت أقصد المصارحة) مع الشعب وايضاً وقت القرارات الصعبة”!!. هذا المهني التكنوقراط يقول بلسان عربي مبين أنه كتب قبل أسبوع من إقالته/استقالته يتوعّد بتهديد الشعب السوداني الذي قاد ثورة ديسمبر أنه آن أوان مواجهة الشعب ، هكذا والله ، لكنه استدرك أنه قصد مصارحة الشعب!!. خاف الله فينا ايها الدكتور.

لابد أن يأتي حينٌ من الدهر ، نراه قريباً، ستضع هذه الشعوب العظيمة صانعة الثورات منذ ثورات القبائل المعادية للاستعمار، مروراً بثورة تحالف نخب المدن مع عيال الأرقاء الموسومة بثورة اللواء الابيض ، ثم ثورة أكتوبر الأخضر وإنتفاضة إبريل وثورة ديسمبر وحتى يوم العباد هذا، سيأتي ذلك الحين الذي سيفرز فيه المنتجون الحقيقيون والبؤساء الجوعي أوعيتهم السياسية الإجتماعية من تحالف النخب الراسمالية الطفيلية والعسكرية والبروقراطية.

تأمّل أيها الثائر نصاً يعلي من شأن المتغابي: “بعد تقديم الإستقالات إجتمع السيد الرئيس مع الوزراء كلٌ على حده وعندما أتى دوري كنت على بينة من أمري تماماً وقررت أن يكون اللقاء ودياً وسلساً وذلك لأنني لم أكن أرغب في الحديث عما جرى من خلفي فذلك الظرف لعمري لايحتمل التلاوم وقررت أن أتغابى عما حدث تأسياً بقول أبى تمام:

ليَسَ الغبَيُّ بِسيّدٍ فى قومه … لكِن سيِدُ قوَمِهِ المتُغَابي

يا الهي !!! ماذا نفعل بسيد قومنا المتغابي الذي شطب ببيت شعر واحد كل نصه وخطابه وخطابته حول أمانة وإستقامة إستصحب معها حكيم القول “انَّا عَرَضْنا الأمانة علي السمَاوَاتِ وَالَأرْضِ وَالجِبَالِ فأَبَيَن أَن يْحمِلنَها وَأَشْفَقْنَ منْهاَ وحمَلها الْإنسَان إنه كانَ ظَلوُمًا جهولا” ، فأصبح بنصه متغابياً وظلوماً جهولا. لقد قرر صاحب المانفستو البدوي أن يكون اللقاء مع رئيس الوزراء ودياً وسلسا من باب تكتيك المتغابي. !

(3 من 4)

برنامج الصندوق الرقابي فى السودان SMP : سياسات جانب الطلب المعروفة

مراجعة الأدبيات حول صندوق النقد كمؤسسة مصرفية اقتصادية ذات نفوذ أيدولوجي (نقصد بالأيدلوجيا هنا كمفهوم وممارسة تعبر عن مصالح معينة ملموسة) منذ نشوء الصندوق ومن خلفه دول مانحة تدفع بقروضها واعاناتها لأسباب سياسية كوكبية معلومة ، مراجعة تلك الادبيات توضح بجلاء لا ريب فيه أن الصندوق يتعامل مع الشمال الكوني والجنوب معاً ، ولكنه يعصر كثيراً على دول الجنوب ، دون سياق تاريخي حول حصاد الجوع الكولونيالي ومابعد الكولونيالي وحصاد مابعد الحداثة المعولم. أنتجت الأزمة المالية التي اجتاحت العالم فى 2008 واقع اقتصادي جديد اضطرت معه دول منظومة الاتحاد الأوروبي التي تحتكم الي لوائح اليورو (اليونان، ايطاليا، البرتغال، اسبانيا وفرنسا) الى اللجوء الى صندوق النقد الدولي لمعالجة وادارة ازمة السيولة ، وتابع الجميع مقاومة جماهير أوروبا لتك السياسات. سنتناول هنا ملامح عابرة من مأزق تجربة جنوب الصحراء (تجارب انغولا ، موزمبيق، السودان، الصومال، غامبيا).

استخدم الصندوق منطقة جنوب الصحراء كحقل تجارب حيث غير استهدافه من “جهوده لترسيخ سياسات الاقتصاد الكلي السليمة” الى خطط تأمين تلك الدول ضد التقلبات المالية العالمية (كريستيان بروتش، تأجيج الطموح أو درء المخاطر، المؤسسات المالية العالمية فى عصر الأزمة، مايو 2011 ) التي فرضتها سطوة راس المال المالي العالمي على الأسواق. والسؤال هو لماذا تغامر نخبنا فى فرض أشباح إجماع واشنطن المشؤوم النيولبرالي قصير المدي والنظر الذي يفرض خيارات مستحيلة فى جانب اقتصاد الطلب المالي النقدي دون جانب الانتاج المادي فى ظروف ثورية قاسية ومعاناة مادية ورمزية ونفسية من إبادات ومجاعات وصراعات إثنية مخترعة دموية طويلة الأمد، حيث يوجد أكثر من 2 مليون سوداني نازح محلياً متأثرين بحرب دارفور ومليشيات اثنية تتربص بهم.

نسبة المنصرفات العسكرية فى السودان تعدّت 2% من الناتج القومي فى 2018 وفاقت 70 من الميزانية. تم إهدار عوائد النفط ، ثم لاحقاً الذهب الذي توزعت ملكية آباره بين المليشيا وشركات الأمن وحفنة من الراسماليين الطفيليين، كما تم بيع الأراضي السودانية (استلاب الأرض) لدول الخليج وقطر وتركيا والكويت والبحرين ومصر لدفع فاتورة الحروب والمليشيات وثراء دولة نخب لصوصية (رجال الأعمال الساسة) الطفيليين. هذا ما ورثته القوي الثورية السودانية (قوي المجتمع المدني السياسية والنقابية والشبابية والقوي النسوية) التي نظمت وقادت ثورة فريدة ورفعت شعارات واضحة حول حرية سلام وعدالة، وجدت هذه القوي نفسها أمام مؤسسات مجتمع دولي مزدحم بأجندة مالية وموازنات وأولويات متشعبة زاده طين جائحة كرونا بلة ، ومحلياً واقليمياً وازاء حروب ومرتزقة وأمراء حرب. ورثت هذه القوى قضايا السلام والتنمية وبنيات دولة هشة وانقسامات وسط القوي الثورية ، ومن يحلم ويعمل لوراثة النظام القديم داخل هذه القوي.

أنهى موظفو صندوق النقد فى السودان نهاية مهمتهم الأولية وأعلنوا عن إكتمال النتائج الأولوية لبعثتهم للسودان فى 23 يونيو 2020 ويزعم التصريح أن برنامج الرقابة (اس ام بى) المزمع تنفيذه يهدف الي: دعم مجهودات الحكومة الانتقالية الاصلاحية التي تعمل على استقرار الاقتصاد، تقوية شبكة السلامة الإجتماعية وتحسين الحوكمة والمناخ الاستثماري؛ كما أن الصندوق يعمل على دعم جهود السودان للوصول الى المانحين لاستقطاب التمويل المطلوب لدعم الاصلاحات. لقد طلب البدوي نيابة عن الحكومة السودانية إنفاذ البرنامج لمدة 12 شهراً لإستعادة إستقرار الاقتصاد الكلي، ووضع أساس لنمو قوي وشامل، استقطاب تمويل خارجي، تحقيق تقدم نحو تخفيف عبء الديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك) والتغلب على آثار جائحة الكرونا. ذكر رئيس البعثة أن البرنامج يهدف الى تضييق فجوة الاختلالات في الاقتصاد الكلي والحد من التشوهات الهيكلية، وأضاف ان عبء الديون غير محتمل كونه يساوي أكثر من 190% من الناتج القومي فى 2019 ومعظمه فى شكل متأخرات. أشار الى أن تخفيض عجز الميزان الداخلي والخارجي (الميزان التجاري وميزان المدفوعات) سيعمل على امتصاص التضخم ؛ وإصلاح الدعم عن الطاقة لزيادة الصرف على التعليم والصحة والبرنامج النقدي لدعم الأسر وتحدث عن السياسات النقدية والمالية وسعر الصرف (سياسات جانب الطلب) لتخفيض التضخم وتحسين تنافسية الاقتصاد خارجياً ومحاربة الفساد. كما اجتمعت البعثة مع ممثليين أسمتهم شركاء التنمية (كبار المستثمرين). (راجع موقع صندوق النقد الدولي 23 يونيو).

سياسات جانب العرض كما طرحها د. حمدوك رئيس مجلس الوزراء:

طرح رئيس الوزراء فى صفحته على الفيسبوك وجهة نظر مختلفة عما طرحه البدوي (وزير ماليته الذى كان ينفذ أجندة لشهور كان حمدوك على علم بها) قوامها سياسات جانب العرض وأن حكومته تعمل على تنشيط القطاع التعاوني لإحداث التغيير ومعالجة الغلاء وارتفاع الأسعار عبر برنامج سلعي، و برنامج أسواق البيع المخفض لتنشيط قطاع التعاونيات التي بدأت في خلق بعض التغيير ، وأن حكومته تركز على “رفع الإنتاجية و زيادة الإنتاج والاعتماد على مواردنا”. لكن الشواهد تشير الى غير ذلك كما سنرى.

موقف الحاضنة السياسية (قحت):

رفضت لجنة الخبراء الاقتصاديين لقوى الحرية والتغيير الموازنة المعدلة (فى بيان 22 يوليو 2020) التي طرحها البدوي واستعرضها مجلس الوزراء رغم أنها تتناقض مع تصريح وقناعة رئيس الوزراء الموثقة أعلاه!!. جاء فى رفض اللجنة للموازنة المعدلة أنها دعت الى تعويم العملة وسعر الصرف وتحرير سعر الوقود وذكرت أن هذه الحزمة “مجرد إجراءات مالية واقتصادية فيها تضييق علي الشعب وليست برنامجا تنمويا أو تعبويا للموارد والقدرات الكامنة في الاقتصاد السوداني.”

ذكرت اللجنة فى البيان أنه لم تتم مشاورتها حول الموازنة مما يمثل خروجاً علي اتفاق 28 ديسمبر 2019 وتجاوزا لمبدأ التشاور مع الحرية والتغيير، وهذه الكيفية تعني ان السلطة التنفيذية قررت تجاوز برنامج ورؤي الحرية والتغيير وفرض رؤيتها الخاصة وهذا ما يلغي جدوي المؤتمر الاقتصادي فى شهر سبتمبر القادم. وذكرت ان مجلس الوزراء لا يحق له تعديل الموازنة المجازة بقانون في 30 ديسمبر 2019 مالم يعدلها الجسم التشريعي. وطرحت اللجنة بديلا لبرنامج الصندوق يستند على تعبئة الموارد الكامنة في الاقتصاد الوطني قوامه النقاط التالية:

• تحقيق الولاية الكاملة لوزارة المالية على المال العام.

• تجريم التجنيب وتوريد كل الأموال المجنبة في خزانة وزارة المالية.

• إصلاح النظام الضريبي والجمركي وإلغاء الإعفاءات الضريببة والجمركية لغير الاستثمارات والقطاعات المنتجة وضم الشركات الحكومية والأمنية والعسكرية التي تهيمن على أهم الموارد بالعملتين المحلية والأجنبية لوزارة المالية.

• إقامة بورصة الذهب والصادرات الزراعية لضمان توريد حصائل الصادر في القنوات الرسمية وسيطرة الحكومة على صادرات الذهب وإعادة الشركات التي كانت تتولى الصادرات، كشركة الحبوب الزيتية وشركة الصمغ العربي والاقطان واللحوم والماشية وإقامة شركات المساهمة العامة.

• والاستجابة لمبادرة المغتربين بدعم البنك المركزي بالوديعة الدولارية والسعي لجذب مدخراتهم مما يؤدي لتحسين موقف البلاد في مجال العملات الحرة وبالتالي تقوية سعر صرف العملة الوطنية.

• ودعم الموسم الزراعي لزيادة الإنتاج والإنتاجية.

• و إصلاح وإعادة هيكلة القطاع المصرفي ودفعه للقيام بدوره في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

• وإنشاء التعاونيات على نطاق واسع لنقل السلع من المنتج للمستهلك مباشرة دون مرور بالوسطاء مما يساعد على تحديد الأسعار ومراقبتها وكبح جماح التضخم وتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل المواطنين.

تجربة غامبيا مع برنامج (SMP):

تمت المراجعة الأولى للبرنامج الرقابي فى غامبيا فى ابريل 2020 وطلبت تمديد تسهيلات إئتمانية أخري لمدة 39 شهرا (صندوق النقد، تقرير قُطري رقم 20/102 ، ابريل 2020). صدّق البنك على 47 مليون دولار(عبارة عن 56% من حصة غامبيا فى الصندوق) ضمن برنامج الصندوق المعروف الذي يستهدف ترتيبات جانب الطلب أهمها أن تكون غامبيا أكثر استعدادا لإمتصاص الصدمات الخارجية ، والسعي لتحقيق نمو أكبر وشامل ، وتقليل نقاط الضعف في الديون وتعزيز الإدارة المالية العامة ودعم تعبئة الإيرادات المحلية، ومقابلة احتياجات ميزان المدفوعات. شمل البرنامج تحسين الحوكمة والإدارة المالية للشركات المملوكة للدولة، وتقوية الإدارة الضريبية والإيرادات وتعديل سعر الفائدة فى السياسات النقدية وتعزيز النمو الشامل تحت قيادة القطاع الخاص. كانت غامبيا أسيرة هذا البرنامج منذ 2017 . يبرّر التقرير أن عدم انتظام سقوط الأمطار أدّي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 10 بالمائة كما ارتفع التضخم في عام 2019 وبلغ متوسطه 7.1 في المائة ، كما أن حصيلة المؤشرات فى بعض المتغيرات الاقتصادية بعد تطبيق برنامج الصندوق لا تثير إعجاب أحد ومنها: توقّع إنخفاض الدخل القومي من 6 مليار (2018) الى 5 مليار فى 2025 ، وسترتفع عائدات الميزانية من 12 الى 15 مليار (متوقع) فى ذات الفترة ، وسيرتفع الدين الخارجي من 757 مليون دولار أمريكي (2018) الى 979 مليون (2025)، أما متوسط دخل الفرد سيرتفع من 713 دولار أمريكي (2018) الى 1009 دولار فى 2015 (متوقع). رغم هذا الكرم الغامبي فى الإنقياد الأعمى لمدة 7 سنوات لم تمنح إعفاء لديونها وإنما تأجيلات خدمة الديون. جدير بالذكر أن غامبيا تمر بترتيبات عدالة إنتقالية وتستلم اعانات وقروض من الصندوق والبنك الدولي ومانحين أخر.

تجربة الصومال مع برنامج (SMP) : جنازة بحر أخرى

يتكرر نفس سيناريو الوعود فى خطاب الصندوق فى الصومال فى فبراير 2019 فى أول تقرير للبرنامج الرقابي فى الصومال (مدته 12 شهر تنتهى ابريل 2019) وهو تسوية متأخرات الديون وتخفيف عبئها فى إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك)، ولا حديث عن إعفائها. لقد بدأ البرنامج الرقابي فى مايو 2016. يركز برنامج الصندوق الرقابي علي توسيع القاعدة الضريبية وتطوير إطار السياسة الضريبية والقدرة الإدارية على تحصيل الضرائب وهي بالتأكيد ليست ضرائب يقع عبؤها علي القطاع الخاص ، الإنتاجي أم الإستهلاكي، وانما علي المنتج الصغير والمستهلكين من ذوى الدخل المحدود. يهتم البرنامج فى الصومال بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب من حيث اتباع لوائح مكافحة الإرهاب وتحديد ثغراتها. أما الهدف هو تخفيف عبء الديون وتسوية المتأخرات وليس إعفائها ضمن مبادرة هيبك ، استوقفتني جملة فى التقرير يحث فيها موظفو الصندوق السلطات الصومالية “على البدء في عملية تأمين الضمانات المالية اللازمة لتغطية تكاليف تخفيف عبء الديون على البلدان الفقيرة المثقلة بالديون وتسوية المتأخرات للمؤسسات المالية الدولية” (افريكان نيوز، 27 فيراير 2019). دعنا نتأمّل فقر هذه المؤشرات الاقتصادية بعد خمسة سنوات من المراقبة اللصيقة لمتغيرات جانب الطلب المالية حسب قراءة الصندوق: معدل نمو الانتاج المحلي الحقيقي لن يتغير وانما ينخفض بمعدل 10% أثناء فترة برنامج الصندوق من 2015 الى 2020 ، وأن متوسط دخل الفرد فى ذات الفترة سيزيد قليلا من 511 دولار أمريكي الى 555 دولار ، كما أن هذه الزيادة سيبتلعها معدل التضخم فى قطاع السلع الإستهلاكية الذي سيرتفع من فاصل 6 فى المية الي 3% . أما العجز فى الميزان التجاري سيرتفع من 45% من الناتج القومي الي 48% فى دولة صادراتها الأساسية هى الثروة الحيوانية. المصدر:

https://www.africanews.com/2019/02/27/imf-management-complete-the-first-review-under-the-staff-monitored-program-for-somalia//

(4 من 4)

حول مفهوم وممارسة البنك الدولي وصندوق النقد:

مفهوم وممارسة صندوق النقد الدولي حسب الصندوق والخبراء والأكاديميين والباحثين هو أن برامج الصندوق من تعديل وتكيف هيكلي تعني تحسين عجز ميزان المدفوعات بشكل عملي متاح عبر سياسات تغيير جوهرية. يتم تمويل هذا العجز المرتبط بالميزان التجاري (الحساب الجاري ، صادر/وارد) بواردات راس مال تتناغم مع نمو يمكّن الدولة المعيّنة من خدمة ديونها. هذا هو لب برنامج الصندوق لا أكل ولا شرب كما يقولون ؛ نمو وليس تنمية وخدمة ديون. كما لا نحتاج أن نؤكد أن الصندوق يشترط أحيانا فترات تعديل هيكلي أطول وطاقات أو جرعات أكبر من المساعدة فى شكل ديون تتخللها مساعدات وإعانات وبرامج ذات شروط قاسية على رأس المال الإنساني.

يعتبر السودان من الدول ذات قصور ومحدودية فى المرونة الإقتصادية وفى محدودية الاستجابة للحوافز السعرية فى المدى القصير، ومحدودية فى القدرة علي تخفيض الدخول والأجور الحقيقية كما يعاني من قلة حيلة المؤسسات الحكومية صانعة السياسات الإقتصادية من حيث ضعف فعاليتها الفنية والإدارية. ولقد توصل موظفو الصندوق أنفسهم الى أنه فى هذه الحالة فان الطريقة المثلي الى تحسين ميزان المدفوعات فى المدي القصير هو إتاحة بنية تحتية سلسة ومنظومة تسليف فعالة وتوفير مدخلات إنتاج بأسعار معقولة خاصة للمنتجين الزراعيين (نشاشيبي ، هيكل عرض لاصلاح سعر الصرف فى الدول النامية، تجربة السودان ، العدد الأول، المجلد 27 ، مارس 1980، سلسلة أوراق صندوق النقد). كان ذلك الحال قبل مجيئ حكومة الاسلام السياسي الفاشية اللصوصية الفاسدة المفسدة التي أحدث خراباً شاملا فى مؤسسات الدولة وفى قطاع خاص تجاري طفيلي لاعلاقة له بالإنتاج والإنتاجية. لقد توصل خيرة اقتصاديي السودان منذ ذلك الحين (لا داعي لذكرهم فهمو أعلي سقفاً من التبجيل على رأسهم د. على عبدالقادر) لتلك الخلاصات حول الصندوق. ان منهج المدي القصير والوجبات السريعة التي يتبناها الصندوق والبنك لا تتيح فضاء لنقاش منتج (كارل ولموث، سياسات صندوق النقد والبنك الدولي للتكيف الهيكلي: هل تتناغم وتتكامل او تتناقض بعضها؟ ، 1984، العدد 5، المجلد 19، إنتر إكونوميكس).

نعم هناك استثناءآت يمكن أن يتفق عليها المفاوض السوداني مع الصندوق يستمدها من الإرادة السياسية وليس من عبقرية وزير المالية والإقتصاد مفوّضاً واحداً لا سريك له كما طلب ذلك. دعنا نتناول سابقة التجربة الهندية والتي تمت تحت برنامج ترتيبات تسهيلات التمويل الممتدة لصندوق النقد. لقد التف المفاوض الهندي فى 1981 علي قوانين اللعبة وعلي قوانين التربيزة كما يقولون. إتسمت الترتيبات التي أرادتها الهند بغلبة عناصر سياسات جانب العرض لتحسين إختناقات البنية التحتية، حيث لم يكن الدافع وراء القرض حلحلة مشاكل ميزان المدفوعات بل السماح لبرنامج توسعي على أساس تدابير جانب العرض. تعتبر تلك التجربة سابقة بالنسبة للدول الصناعية فى علاقتها بالصندوق وذات بعد رؤيوي واستراتيجي فى آن يجب إعتباره من المفاوض السوداني الذي يحمل تفويض صادر من العقل الجمعي السوداني الثائر، تفويض جوهره أفق طويل المدي مرتبط بالتنمية وليس النمو. لقد توصلت دراسة حديثة شملت 22 دولة من أكثر دول العالم اعتمادا على قروض واعانات البنك الدولي (15 من هذه الدول أفريقية) أن ودائع نخب العالم الثالث التي تودع فى الملاذات البحرية (اوف شور) الآمنة ذات القوانين التي تحيط حسابات العملاء بالسرية وحماية أصولهم (سويسرا، لكسمبورغ، جزر الكيمان وسنغافورا) ، توصلت الدراسة الى أن ودائع هؤلاء النخب السياسية والاقتصادية ومحاسيبهم (عندنا هم الساسة-رجال الأعمال) تزداد مع زيادة تحويلات الاعانات لتلك الدول من البنك الدولي ؛ وبالتحديد فان الدولة التي تبلغ نسبة الإعانة 1% من ناتجها القومي كشفت الدراسة أن أصول وودائع نخبها فى الملاذات المالية الآمنة تزداد بنسبة 3 فاصل 4 فى المائة مقارنة بتحويلات الدول التي لا تستلم إعانات البنك الدولي !!. (جورغان جويل اندرسون، نيل جوهانسن، روب ريجكرس “استحواذ النخبة على المساعدات الخارجية، أدلة من حسابات مصرفية خارجية”، مجموعة البنك الدولي، ورقة بحوث السياسات رقم 9150، فبراير 2020).

رغم أن البنك والصندوق ينسقان معاً معظم مراحل ترتيبات البرامج وأن هناك اجراءات واضحة للتعاون بينهما فى مراحل تخطيط وتنفيذ البرامج ، كا أن هناك مشاريع لابد للبنك من مراجعة طبيعتها الاستثمارية، إلا أن حساسيات وتوترات وتناقضات تنشأ بينهما فيما يخص سياسات سعر الصرف من حيث التوقيت ومستوي التغيرات المطلوبة فى سعر الصرف التي يعول عليها الصندوق كثيرا ، بالإضافة الى تكاليف سياسات تحفيز الصادر من مكافآت وعلاوات تزيد عجز الميزانية وتتناقض مع استهدافات الإدخار العام.

هناك تناقض أكثر انفجارية فى مجال المالية العامة (ايرادات ومنصرفات فدرالية) ، فى صميم موضوعة الإقتصاد السياسي، حيث يهتم الصندوق بقطع الدعم لتخفيض عجز الميزانية، أما البنك فيهتم ، أبعد من أنف الصندوق قليلاً، بفعالية توزيع الموارد؛ شكراً للبنك هنا حيث يتطابق مع احد مطالب ثوار ديسمبر(لا لا للغلاء). مصدر هذا التوتر هو تركيز الصندوق على جانب الطلب ، أما البنك يتم بجانب العرض لتمويل قطاع النقل والتسليف والموارد الحقيقية (كارل ولموث، سياسات صندوق النقد والبنك الدولي للتكيف الهيكلي: هل تتناغم وتتكامل او تتناقض بعضها؟ ، 1984، العدد 5، المجلد 19، إنتر إكونوميكس). دعنا نتناول مثال يوضّح رهاب الصندوق فى رقابته اللصيقة على متغير النقد. تأمّل أن البنك جلب عملة أجنبية لتمويل مشروع خط سكة حديد؛ هذا الفعل يثير حفيظة الصندوق كونه يؤثر على متغير جانب الطلب. هكذا تظل الدولة تحت رحمة مراقبة لصيقة، لدرجة الرهاب، فى اختيار حزمة متغيرات مثالية تتكون من سقوف تسليف معينة وسعر صرف محدد (الصندوق) تتزامن وتتسق وتتناغم مع مستوي معين من منصرفات القطاع العام واستثماراته (البنك) ، بحيث تكون الحزمة مقبولة ومستدامة سياسياً حسب توازن القوة ومصالح الشركات الطفيلية من جانب ومصالح ثوار ديسمبر فى سياق سلام اجتماعي له مستحقاته وعدالة اجتماعية وحريات أساسية تسمح للثوار مفاوضة هذه التغيرات حتي لايدفعون عبئها الباهظ من ضرائب مباشرة وغير مباشرة وأسعار الضروريات وتعليم وصحة للفقراء.

لابد للنخب أن تستصحب معها معادلات حواضن سياسية واقتصادية واجتماعية ومطلوبات تقتضي حساسية وأنسنة وثورية فى توزيع أعباء التنمية حسب مطلوبات البنية السياسية التي تحدد مستوي التفويض (المانديت) لهذه المؤسسات وليس تفويضاً شاملاً كما حدد البدوي. لابد لشروط التعاون الدولي النقدي والمالي أن يكون منسجماً ومتناسقاً مع مطلوبات ثورة ديسمبر وأولوياتها الاقتصادية والسياسية وأن لا يهدد التغييرات الإقتصادية الاجتماعية السياسية التي أريقت فى طلبها الدماء. ان تكلفة تدابير ضبط الطلب لا تطاق من قبل شرائح عانت مافيه الكفاية من الحرمان والذل. ماذا نفعل بقطاع صادر فعّال أصبح إنتاجه غير مطلوب عالميا إزاء الإنتاج الزراعي الكبير والسياسات الحمائية واتفاقيات التجارة العالمية في الشمال الكوني وظلت عوائده غير ذات بال؟. سياسات البنك والصندوق غير مستدامة وغير ممكنة ولا تهيئ الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي والسياسي. المطلوب الآن أن نبحث كيف يستفيد الجنوب الكوني من إمكانيات البنك الدولي البحثية حول متغيرات الإقتصاد الكلي والصغير ذات الصلة بالمرونة أو عدمها للتكيف المفروض علي بنيات: التجارة الخارجية، القطاع العام، بنية الميزانية والمنظومة المالية والتسليفية والنظام الإداري. تلك معلومات يفتقرها الجنوب والأجدى أن نتدبّر السبيل اليها.

إن تصميم برامج التكيف التي تعتمد علي تقليل التكلفة لبلدان ذات قدرة تكيّف منخفضة يجعل من الإستحالة بمكان تطبيقه. لقد أثبتت دراسات صندوق النقد نفسها أن الدول شبه الصناعية ذات قدرات أعلي لتطبيق تلك البرامج وليس الدول النامية. والمضحك أن الصندوق وهو يعلم مسبقاً استحالة شروطه درج علي إطلاق تعميمات زائفة وسطحية فى تقريراته الختامية من شاكلة:

من أسباب فشل التكيف هى إنزلاقات فى التنفيذ أهمها ظهور تطورات غير متوقعة.

التزام سياسي غير كاف لتدابير التكيف.

قيود فى البنية التحتية الإدارية.

أهدافنا الموضوعة كانت مفرطة في التفاؤل والانحرافات.

النقص في صافي تدفقات المساعدة الإنمائية

(دى لاروسيي ، برامج التكيّف المدعومة من الصندوق: منطقها، أهدافها ونتائجها على ضوء التجارب الأخيرة ، صندوق النقد الدولي ، واشنطون، 1984).

اذن من حق دول الجنوب أن تتساءل عن المنطلقات الفكرية والايدلوجية التي تقف عليها برامج التكيف الهيكلي ، والقوي المنتجة التي ستجني ثمار هذا التعديل والتوازن فى المدي المتوسط والطويل. نحن بصدد نمو يترك شروخاً عميقة فى توزيع الثروات والدخول والسلطات وتنمية لا علاقة لها بمراعاة توزيع موارد للنهوض والإقلاع والتنمية وليس النمو الذي أكدت بحوث الجميع بما فيهم توماس بيكيتي أحد اللبراليين الجدد الذي رأي منكر منهج وفلسفة النمو وفجوة دخول وثروات معاصرة مخيفة عرضها السماوات والارض.

أفق إقتصادي علي مقاس طموح حرية سلام وعدالة:

لو شاء لنا الخيال والأفق الواسع أن نرجو لاحقاً مساعدة عالمية خارج شروط الصندوق ، هو أن نصوغ مشروعين أو ثلاثة مثلاً قميص عامر نخيطه على مقاس شروط قروض البنك التي تركّز على قضايا السياسات المتعلقة بإستثمار القطاع العام وسياساته، والاصلاح المؤسسي ونباصر شروطه حول السياسات التجارية ثم سياسة الأسعار والحوافز تلك شروط متوسطة المدي تضمن اصلاحات سياسية وتغيير مؤسسي يتراوح بين 5 الى 7 أعوام. مثلا مشاريع تتناغم مع آثار سد النهضة تلزم السودان و اثيوبيا ذات علاقة بتنمية زراعية وصناعات تحويلية زراعية حول مجري النيل الأزرق لغاية حلفا، أو مشاريع بنية تحتية فى مشروع الجزيرة او دارفور او كردفان أو شرق السودان ، على أن نربط تلك الجهود بارادة سياسية تقنع العالم بإستعادة كل ودائع الساسة رجال الأعمال فى النظام البائد فى البنوك العالمية فى سويسرا وسنغافورا والملاذات المالية الآمنة. لو كانت شروط البنك في تلك المشاريع تلزمنا بتغيير أسعار الطاقة مثلا فى المنطقة يمكننا التفاوض مع الآثار التنموية لتلك الأسعار بحيث لا تتضرر إستراتيجيات التنمية الأخري. للإستفادة من تلك القدرات العالمية يجب أن تكون خططنا الوطنية التنموية حول اقتصادنا الهيكلي (خطط خمسية او عشرية) فعالة وشفافة ومنتجة وواضحة المعالم وهذا لن يتحقق بدون استلهام الارادة السياسية وبشفافية لا تقبل الغتغتة والدسديس حتي لا تعود تقاليد اللصوصية مرة أخري.

عيننا جميعاً نحو إحياء مؤسسات قطاع عام وقطاع تعاوني يلبي حوجة أمة ظلت تتضوّر ، وفى ذات اللحظة نتفاوض فى اصلاح منظومة السياسات الضريبية والمنصرف الحكومي وأسعار الفائدة واسعار مدخلات الانتاج ، ثم نتفاوض مع حوافز قطاع خاص منتج وجاد وفعّال. علينا أن نوضح رؤيتنا واستراتيجتنا الوطنية الديمقراطية الاقتصادية السياسية ، وان نرسّخ قناعة أن أهل المصلحة هم المنتجين الحقيقيين ، مستلهمين شعارات ثورة ديسمبر حقيقة وليس مجازاً وغشاً. واقع الحال السوداني يقول أن انهيار منظومة أسعار مدخلات الانتاج فى القطاعات الزراعية والرعوية أدت الى هجرات واسعة نحو المدن ونحو قطاع تعدين الذهب التقليدي مثلا وأن اصلاح السياسات الهيكلية والتحفيزية فى هذا القطاع تشكّل أولوية محلية قصوي، وليس استيراد بضائع استهلاكية لمولات المدن وآخر صيحات العربات لأن هؤلاء تنتظرهم ضرائب باهظة يعود عائدها الى قطاعات منتجة فى الأرياف. نحن ازاء أولوية اصلاح مؤسسات القطاع العام ولجم التطفل فى القطاع التجاري من شركات الجيش والأمن وشركات كبار التجار فى السلع الاستراتيجية. هذه أولوية استراتيجية قصوي تقتضي مرحلة ثورية أخري حاسمة وحتمية. لا بد من وضوح فكري وأيدلوجي ثاقب هو أن مؤسسات بريتون وودز التي نتعامل معها ليست أجسام فوق أرضية خيرية خيّرة تتحرك خارج فضاء المصالح والمنافع الخاصة بحسابات ومعادلات ربح وخسارة كاملة وشفافة.

فيما يخص تجربة السودان قبل الحكم البائد دعنا نلخص تجربتنا مع البنك والصندوق. سوء سجل علاقة السودان بصندوق النقد يقول بوضوح أن حوجتنا للإصلاح الانتاجي الحقيقي والاصلاح المؤسسي فى القطاع العام والتعاوني والخاص على المدي المتوسط ضرورية للغاية قبل الهرولة الخفيفة ولفيفة نحو برامج صندوق النقد الدولي التي تستهدف الاستقرار المالي فى المدي القصير. ربما يمكن التفاوض مع البنك الدولي ومبادرات افريقية اقليمية أخري حول برامج اعادة تأهيل لهذا القطاع الزراعي أو الصناعي أو ذلك المشروع المحدد ، وليس حول فضاء الأسعار (سعر الصرف وتعويمه وعرض النقود) والأسواق الموازية ورفع الدعم ، وانما حول اصلاح البنيات الأساسية التي تؤثر على القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية (كارل ولموث، سياسات صندوق النقد والبنك الدولي للتكيف الهيكلي: هل تتناغم وتتكامل او تتناقض بعضها؟ ، 1984، العدد 5، المجلد 19، إنتر إكونوميكس). أما سوقنا كالبهائم نحو فخ منظومات ادارة الديون القديمة المتجددة واستخدامتها وأن نستدين لخدمة سداد ديون قديمة وأسعار فائدتها فلا.

الفاضل الهاشمي
[email protected]

‫3 تعليقات

  1. دكتور البدوي استقال أو أجبر على الاستقالة لا فرق…خلونا نشوف البرنامج البديل الذي قدمه صاحب التعقيب أو اصحابه …رغم ما يظهر من التعقيب على رسالة البدوي أنه مكتوب بواسطة مجموعة تمثل رأيا سياسيا وليس اقتصادي.. والدليل اللغة الخشنة التي كتب بها ومحاولة ربطه بحزب سياسي نفي ترشيحه لتولي وزارة المالية أصلا.. …ورونا برنامجكم فالدكتور البدوي ذهب لحال سبيله وقد سمعت أنه قد تم تعيينه موظفا مرموقا في البنك الدولي بعد أن ترك الوزارة..

  2. اهو كلام وخلاص،عندما ياتي التنفيذ كلهم يتبنوا نفس السياسات.قارنوا كلام حمدوك اللذي اتت به قوي الحريه والتغيير في بدايه تبنيه المنصب من انه سيتفاوض مع المؤسسات الماليه الدوليه وفق شروطه هو وليس وفق شروطها هي ،وسياسه الاعتماد علي الموارد الذاتيه وليس المنح والعطايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق