مقالات وآراء

دولة السودان مسيرة الشقاء وصناعة الامل

بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة السودانية قد تكون الوحيدة التي لم تفارقها حالة المرحلة الحرجة، فقد ظلت عالقة في هذه المرحلة طوال تاريخها الحديث، وما عداها هو الاستثناء. وهو ما جعل حالة اللااستقرار هي السائدة، ويبدو ان المواطن السوداني كيَّف نفسه علي ذلك. وللمفارقة اصبح يستبطن النفور من حالة الاستقرار، خصوصا اذا ما ارتبط ذلك بالانضباط والالتزام. واحتمال ضبابية وعي الدولة لمكونات في اصلها غير دولتية، جعل مشاكلنا المرتبطة بالدولة اكثر استعصاء علي الحل، وهذا حال لم تكن الوصفات العلاجية المقدمة هي نفسها مصدر لاشكالات اكثر تعقيدا. وكأن الدولة كائن غريب غير مرحب به في الداخل، او لم تستسغه اجسامنا المضادة. وعموما الدوران في هذه الحلقة المفرقة (دولة يُتعاطي معها بغير ادواتها ولغتها ووظيفتها) كانت هي السمة الغالبة لمسيرتنا الشاقة منذ الاستقلال، والتي راكمت في نهاية المطاف كوارث اكبر من طاقة اهلها علي حلها. ومن هنا انفتح المجال امام تدويل القضايا الداخلية، والتدخلات الاقليمية لتشكيل مصير البلاد، وهذا ناهيك عن نقصان البلاد من اطرافها، ورحيل جزءٍ عزيزٍ منها، وما زال الحبل علي الجرار.
والاسوأ ان تشويش فكرة الدولة لدي النخب التي تسلطت علي قيادة البلاد، احدث فوضي او عدم ضبط للمفاهيم والوظائف، ونتج عن ذلك، التداخل بين الخاص والعام، المناطقي والقومي، الوسيلة والغاية، السلطة والتسلط…الخ. وكمثال بسيط، عندما يذكر مصطلح المصلحة العامة، فكلٌ ينصرف الي تاويِّله وبما يناسب مصلحته الخاصة، وعلي ضوء هذا التاويل يمارس دوره بالاساليب التي تروقه. وكذلك عندما نتحدث عن مشروع وطني، فهو اقرب للحديث عن العنقاء، لدرجة تحوله الي شئ اسطوري، الكل يتحدث عنه، من غير بروز ملامح واضحة، وهموم او قضايا مشتركة، وقابلية للتطبيق، وقدرة علي اقناع الغالبية بجدواه والمساهمة فيه بطريقة ايجابية. ليتحول من مشروع ينتمي لافق الحداثة (عقلانية/واقعية)، الي مجرد احلام طوباويةّ! اي عوض ان يتنزل في شكل برامج وخطط عملية، تحول الي حالة هروب رومنسية.
ورغم ان ثورة شباب ديسمبر شكلت انعطافة حقيقية في طريقة المقاومة ونزع الحقوق، إلا انها اصطدمت في النهاية بذات العقبات التي اقعدت الدولة السودانية وحرمتها فرص التشكل والنضوج. وهي العلاقة الملتبسة بين المكونات العسكرية والمدنية، بين الدولة والحكومة، وبين الايديولوجيا والفضاء العام. وبصفة عامة، بين الدولة كمنظومة تنتمي لحقل الحداثة بكافة اشتراطاتها، وبين موانع تواجدها كبنية تقليدية متجذرة في المجتمع من ناحية، وما اصاب مؤسساتها الموروثة منذ الاستقلال من تدهور مريع، لتصيِّر الي شئ اشبه بالاطلال، من ناحية مقابلة. اي كأن ما تقوم به الثورات السودانية هو كشف الغطاء عن حالة الفساد والاستبداد والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها انظمة الطغيان التسلطية، ولكن التقدم اكثر من ذلك، مما تعد به الثورات، ظل دائما رهين حالة وقف التنفيذ! والحال، انه كلما تاخرت انجاز الوعود، ازداد تصلب كل طرف بموقفه، والحفاظ علي مكتسباته الخاصة، التي كما سلف يصر علي الباسها قناع المصلحة العامة.
ومن سوء حظ البلاد، ان استيلاء الجبهة الاسلاموية علي السلطة، بتصوراتها الطفولية، وجهلها بتقاليد ادارة الدولة، واستعلاءها علي مكوناتها، ونهب مواردها، واستخفافها بتعقيدات قضاياها الموروثة منذ الاستغلال، عمل علي احداث قطيعة كاملة، مع مجمل الجهود والمحاولات والتجارب التي سبقتها، للامساك بقضية بناء الدولة السودانية. اي تم التحول من وضعية تلمس الطريق عبر تجريب الخطأ والصواب في التعاطي مع مسؤولية تاسيس الدولة، الي وضعية استباحة الدولة بعد تجريدها من اي اطار او مفهوم! والمقصود ربطها بمشروع تجريدي هلامي يطلق عليه زورا الدولة الاسلامية. وشعار الدولة الدينية نفسه يبين مدي التردي والانحطاط الذي وصل اليه الوعي السياسي، بدلالة انزياح وعي الدولة من مجاله في العلوم والمناهج السياسية، الي مجاهل الدجل والخرافة، علي شاكلة علاج الاعشاب والمحاية والحجاب! ولكن بما ان الواقع اصدق انباءً من الشعارات الجوفاء، فقد قاد هذا الخيار الخاطئ الي طريق مسدود، رغم سيطرته كحكم مطلق. إلا ان ما خلفه وراءه من تركة تنوء بحملها الجبال، خصوصا علي مستوي التشظي العسكري، والديون والانتهاكات والفساد المهول الذي رافق مسيرته، وصولا لانهيار كافة مرافق الدولة ومقومات تماسكها! يجعل من عملية تصحيح الاوضاع وحماية الدولة من السقوط، بمثابة معجزة تحتاج لكثير من التضامن والحكمة وبعد النظر. او بكلمة محددة، منح المستقبل الاولوية في التفكير او الاهتمام الاستراتيجي.
واذا اضفنا الي ذلك الظروق التي اخرجت الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وما يكتنفها من شكوك وتربص بين الشركاء (الشركاء الاعداء)، يظهر مدي خطورة وحساسية المرحلة الانتقالية. والمكون المدني رغم حصوله علي النصيب الاقل في هذه القسمة الضيزي، رغم انه الممثل الاصل للثوار في الاتفاق، إلا ان العبء الاكبر يقع عليه، ليس علي مستوي انجاح الفترة الانتقالية فحسب، وانما لمعالجة تشوهات بنيوية رافقت الدولة السودانية منذ الاستقلال.
ولكن حكومة حمدوك بقدر ما عشم الثوار ومن خلفهم بقية مكونات الشعب فيها، باحداث نقلة في طريقة ادارة الدولة، واظهار الحزم المطلوب في مواجهة عناصر الدولة العميقة، وقطع دابر الفساد والمفسدين، وتكريس اهتمام حمدوك الشخصي لقضايا الاقتصاد والعدالة والانتصار لضحايا نظام الانقاذ الاجرامي، كتعبير عن روح الثورة التي تجسدها حكومة الثورة! بقدر ما كان الخذلان والاحباط سيدا الموقف، سواء بسبب الاداء الضعيف لحكومة حمدوك، اوبسبب شخصية حمدوك التي اظهرت قدر كبير من الاستسلام للواقع الماثل، والافتقار للقدرات القيادية المقنعة، لدرجة تشعر احيانا ان حمدوك يحتاج لمن يقوده، ناهيك ان يقود دولة بحجم السودان، خارجة من غيبوبة امتدت لثلاثة عقود.
وما زاد الطين بلة التوافر علي حاضنة سياسية، انصرفت لتصفية حساباتها مع بعضها البعض ومع نظام الانقاذ المقبور، وكذلك الانشغال بتوزيع ميراث السلطة الفاشية، بدلا من تصفية آثارها، والعمل علي ابتكار ادوات وآليات تساعد علي تاسيس وادارة الدولة علي اسس سليمة، بالاستفادة من كل اخطاء الماضي. اي كان المأمول ان تتجاوز المعالجة مستوي المؤسسات الي تغيير السلوكيات السياسية ايضا. وفي المقلب الآخر، قدمت الحركات المسلحة اسوأ نموذج للنضال، عندما ركزت علي تعظيم مكاسبها، علي قفا الفترة الانتقالية، بدلا عن تقديم المساعدة لمواجهة الصعاب والعبور بها الي بر الامان! اي بدلا ان تكون جزء من الحلول اصبحت عقبة امام اكمال الفترة الانتقالية. والثابت ان الاتفاقية ليست الحل الامثل الذي يطمح اليه الثوار، ولا هي بحالتها الراهنة مما ينجز رهانات الثورة باقل كلفة وفي اقصر زمن! ولكنها افضل المتاح الذي تم الاعتراف به محليا ودوليا. وكما انَّ اخذها بقوة من جانب حمدوك كان سيجنبها الكثير من المزالق! ولكن ان تعالج الحركات عيوب الاتفاقية وضعف خبرة حمدوك وشخصيته، بمزيد من التعنت في المفاوضات، فهذا ما ضاعف من ضعف الاتفاقية! وعموما، اذا فكر الجميع بذات عقليات واساليب الحركات المسلحة، ما الداعي للفترة الانتقالية من الاساس؟ لان الطريق الوحيد لنيل كل المطالب، يمر عبر احراز انتصار كاسح علي الخصم، ومن ثمَّ ارغامه علي قبول شروطك وهو صاغر! ولكن ان ترهن تطلعات الشعب للسلام، نظير تحقيق مطالبك، فهذا يمكن ان يسمي اي شئ إلا انه نضال، او يتقصد المصلحة العامة! وهذا لا يعني ان الاتفاقية ليس بها عيوب كما سلف، او لم تفتقد مشاركة الحركات المسلحة في انجازها رغم تضحياتها، ولكن المقصود البناء علي المكاسب المتحصلة، والسعي لاكمالها بتكوين جبهة عريضة لبناء الدولة المدنية، في مواجهة خصومها بما فيهم المكون العسكري. ومؤكد لو تم الاتفاق مبكرا مع الحركات المسلحة، وترتب عليه اكمال هياكل السلطة الانتقالية في مواقيتها بشراكة الحركات، ومن ثمَّ التراضي علي مشروع مشترك لبناء الدولة المدنية (ويصرح بكونها علمانية فاقع لونها وتحقق غيرها من مطالب الحركات، طالما المجلس التشريعي بيد اصحاب المشروع المتفق عليه) لكنا اليوم في شأن آخر. وهو ما يفتح الباب امام عديد التساؤلات والاسئلة، الم تدخل معظم هذه الحركات في حوارات واتفاقات مع نظام الانقاذ بكل قبحه وانتهاكاته؟ اليس الفترة الانتقالية هي افضل وبما لا يقاس من حكومة الانقاذ؟ والاهم اليس الحركات جزء من الحراك الثوري، الذي ازاح البشير وزمرته من سدة السلطة؟ وما هو الموقف اذا لم تصل هذه الحركات لاتفاق مع حكومة الفترة الانتقالية؟ وما هو دور حكومة الفترة الانتقالية وحاضنتها السياسية اذا فضلت الحركات المسلحة خيار الحروبات؟ وما هو البديل اذا فشلت او نسفت الفترة الانتقالية؟ والسؤال الاهم، هل المكون العسكري بتاريخه الحافل بالجرائم والانتهاكات، يمكن ان يخرج من معادلة السلطة بسهولة، وهو يملك ذات السلاح الذي تملكه الحركات؟ وبالمجمل ما هو الموقف الاقل كلفة، الاستفادة مما تتيحه الفترة الانتقالية ام الذهاب الي المجهول؟
اما المكون العسكري فهو اصل المشكلة التي تحتاج لحل جذري، حتي تنطلق الدولة السودانية في طريق الخلاص والازدهار. لان تغول هذا المكون بكل تشكيلاته علي مجمل الانشطة السلطوية والاقتصادية حاليا، ومصادرته تاريخيا للقرار السياسي، بل واختطاف الدولة، لصالح شريحة اجتماعية ضيقة، وخدمة راسمالية مسيسة وعلاقات زبونية تستفيد من ريع الدولة المسيطر عليه عسكريا. جعل الدولة السودانية اقرب للثكنة العسكرية منها لدولة المؤسسات ذات الطبيعة المدنية! وهذا الوضع الشاذ افرز انتفاخة العسكري التي تحكي صولة الاسد في سدة السلطة، عكس المدني الذي اصبح كالمتسول يتسقط دوره في سدة السلطة. والحال، ارتباط العسكر الطويل بالسلطة جعلها جزء من تكوينهم، وكذلك حرمان المدنيين من حقهم في تسنم السلطة جعلهم كضيوف علي سدتها. ولكل ذلك، اقرب تقييم يمكن ان يقدم للمؤسسة العسكرية في علاقتها بالدولة السودانية، هو مقولة (لاخيرها ولا كفاية شرها)، خاصة بعد ان خضعت لحفنة مغامرين من ضباطها، تفتقد الاحترافية والجدارة والاهلية، ويكفي ان آخرهم اشتهر بالكذب والفساد والرقص، ومن سبقه بالعنجهية والجهل، وكان قد بدأ عهده باعدام اهم مفكر سوداني، وختمه باعدام اكبر مصلح ديني. اما ما حدث في ساحة الاعتصام (حرم الجيش الذي اختاره الثوار للاحتماء) فهو سيظل ام الكبائر او سبة في جبين الجيش، لن يمحاها الا معاقبة الجناة غض النظر عن رتبهم، وتقديم اعتذار مغلظ للشعب السوداني! وليس ارسال التهديدات للنشطاء والاعلاميين وتحسس كتاباتهم والتجسس علي تعليقاتهم، مما يذكر بالمقولة الكلاسكية (خطر ممنوع الاقتراب او التصوير) وبئس التفكير! وباختصار، اذا كانت هذه طبيعة علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة السودانية، معظم سنيين ما بعد الاستقلال، فليس مستغرب والحال هذه، ان تكون احوال دولتنا محكومة بقانون (للخلف دُر). والخلاصة، ان مسيرة الدولة السودانية توصف بالفشل الذريع، و اوضاع ما بعد الثورة تدعو لليأس والاحباط الشديد؟!
والحال علي ما ذكر اعلاه، ليس هنالك وصفة جاهزة للخروج من هذا النفق الذي حُشرنا فيه جهلا واستبدادا وظلما وفسادا واهدارا للفرص. ولكن ما نحتاجه عاجلا، دفقة من الامل تعيد الثقة بالنفس، في امكانية الخروج بالبلاد الي بر الامان. خاصة وان جزء اساس من الثورة علي نظام الانقاذ الظلامي، تمثل في غياب الامل وحصار اليأس. كما ان باعث الامل هو واحد من مقومات اي ثورة، ان لم يكن احد ادوات تحريكها وتفسيرها وشحنها بطاقة الاستمرار والصمود، للدرجة التي تبيح المطابقة بين الثورة والامل. واذا كانت الثورة هي الامل، فيعني ذلك، ان الاحباط واليأس هم الاعداء الالداء للثورة (اقوي جنود الثورة المضادة). وعليه، الامل في المستقبل يجنب الثورة النكوص او الانقلاب عليها! وعموما، خطوات رد الثقة بالثورة وصناعة الامل في المستقبل تمر عبر:
اولا، ان يقف كل مكون من مكونات الفترة الانتقالية مع نفسه، سواء كان مشارك فيها او معارض لها او له راي مخالف. ومن ثمَّ يجري تقييم شامل لدوره في الفترة السابقة، وتصوره للمطلوب منه خلال الفترة القادمة. اي يقدم مراجعة ونقد شفاف لموقفه وتوجهاته امام الشعب السوداني، ويفتح المجال امام الشعب ليقول رايه فيه بصراحة، عبر وسائل التصويت والتعليقات الالكترونية او الرسائل النصية او الندوات الجماهيرية او غيرها من ادوات قياس الراي العام. اي الفكرة تجنب خداع وتضخيم الذات او مصادرة خيارات الآخرين بادعاء تمثيلها من غير ادلة او تفويض.
ثانيا، تقديم نموذج مغاير للقيادة (ملهم/ بتواضعه وبساطته وتقشفه وتمكنه من دوره)، سواء باستبدال القيادات الراهنة في المشهد السياسي، او اجبارها علي تغيير نمط قيادتها، تجاه المزيد من المشاركة والمؤسسية والديمقراطية في اتخاذ القرارات. واعتقد ان اول من يبادر بفعل ذلك، يفترض ان يكون حمدوك نفسه، اما بتقديمه لاستقالته بعد ايجاد البديل المناسب، او بتغيير اسلوب قيادته والارتقاء به، وبما يليق بعظمة هذه الثورة وحجم تضحياتها. خصوصا بعد ان زاد تعقيد الاوضاع بعد مرور عام علي الثورة، وتكالب عليها المتربصون من كل شكل ولون. او اقلاه عليه الرجوع لخطابه الاول الذي اعقب عودته من الخارج، وبشر فيه بالشفافية والحرص علي الكفاءة والاعتماد علي الذات.
ثالثا، يجب علي حمدوك الاستغناء عن كل مستشاريه ومكاتبه، والاقلاع فورا عن اسلوب الاختيارات الفردية واصطفاء الاصدقاء والمقربين، ومن ثمَّ الشروع في الاعتماد علي المؤسسات او الكيانات المتخصصة، التي تقدم الاستشارات الفنية والادارية، بعد تحديد طبيعة خدماتها ومعايير تشكيلها، والاهم فتحها امام كل الخبراء السودانيين.
رابعا، استرداد حمدوك لكل سلطاته المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية (ولو ان ذلك تاخر كثيرا وافقدنا الكثير)! اقلاه مثل هكذا موقف جاد وشجاع، يعيد بعض الثقة المتآكلة في حمدوك وقدراته القيادية.
خامسا، يجب علي حمدوك التخلي عن اسلوب وطريقة ادارة الدولة الموروثة من النظام السابق، التي ما زالت تعمل بكل بجاحة، وكان الثورة قامت في جزر القمر. ومن ثمَّ الانفتاح علي اسلوب ادارة جديد، يحدد اهداف محددة، في فترات زمنية محددة، ويختار ما يناسبها من كوادر وادوات ووسائل، وذلك في كل المجالات. وإلا ما قيمة وجود حمدوك وكم الخبرات التي تحصل عليها؟!
سادسا، الابتعاد عن الافراط في الوعود والتطمينات، والاستعاضة عنها بالتركيز علي الصراحة والعمل الجاد، اي شعار الحكومة في الفترة القادمة، يجب ان يكون الوقت للعمل، وان يتجسد ذلك علي ارض الواقع. وذلك لن يتم الا بتواجد حمدوك وطاقم حكومته في مناطق الانتاج والعمل، اي الادارة باسلوب الهواء الطلق اذا جاز التعبير. اما اسلوب الاجتماعات المتواصل داخل الغرف المغلقة (العاجية)، اذا كان ولابد منه، فيمكن ان يختصر لاقصي حدود، وفي غير اوقات العمل الرسمية للدولة. اي ما نحتاجه عزيزي حمدوك في الظروف الراهنة، ليس الخبرات الاممية ولا الشهادات فوق الجامعية ولا حتي الحضور الراقي فقط، ولكن الاقتراب من معاناة المواطنين والابداع في تقديم الحلول والمعالجات.
سابعا، التعجيل بمحاكمة رموز واعضاء النظام في الداخل، والجدية في مطاردة الهاربين في الخارج، ومراجعة تمويل وممتلكات كل الصحف والقنوات والاذاعات وكل الاستثمارات والمشاريع العاملة (وغير العاملة) في الدولة. والضرب بيد من حديد علي معاقل الفساد واساطينه، واشراك الشعب في كل الخطوات ومكاشفته بكافة الحقائق والعقبات.
ثامنا، توجيه المؤسسة العسكرية وملحقاتها بكل حشودها البشرية وامكاناتها المادية، تجاه خدمة الاقتصاد والتاسيس للبنية التحتية، تحت اشرف وزارة المالية والجهات الاستشارية المدنية، وفقا لاولويات مرجعية. اي انجاز نوع من الشراكة النموذجية بين المؤسسات العسكرية والمكونات المدنية، يمكن ان تشكل مدخل لمعالجة الاختلالات الموروثة، التي تشوب العلاقة بين الطرفين.
واخيرا
الدولة السودانية تعيش مرحلة من التعقيد والسيولة والخطورة بمكان، وحالة اليأس والاحباط المسيطرة تزيد اوار الغضب اشتعال. ومن دون تدارك ذلك، وفعل شئ ايجابي، لا اعتقد ان الثورة ستنجو من الشراك. وصناعة الامل في هذه الاجواء الملبدة بالشكوك وقلة اليقين، يبدو انها تشكل اول حائط صد، ضد الاحباط، ومن ثمَّ تمليك المواطنين اليائسين البائسين خارطة طريق للعبور. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..