مقالات سياسية

السيولة الأمنية والإعلامية

النور حمد

نشرتُ قبل اسبوعين تقريبًا عمودًا عن السيولة الأمنية التي تعيشها البلاد. وكان ذلك بسبب اعتصام نيرتتي واحتجاجهم بسبب فقدانهم الأمن الشخصي. ولم تمض أسبوعان حتى فُجعت البلاد بمذبحة بلدة مستري البشعة، التي راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلاً وخمسين جريحا. جاء في الأنباء أن المذبحة استمرت لتسع ساعات كاملة. وإذا علمنا أن بلدة مستري لا تبعد أكثر من 40 كيلو متر جنوبي مدينة الجنينية، فإن عددًا من الأسئلة يطرح نفسه بصورة تلقائية. بل إن طابع الأسئلة التي تنشأ سيكون الاستغراب الممزوج بالاستنكار. من هذه الأسئلة، على سبيل المثال: كيف تستمر مذبحةٌ لتسع ساعات في بلدة لا تبعد من مدينة الجنينة 40 كيلومترا، ثم لا تصل إليها نجدة طيلة هذه الساعات التسع؟ فالسيارة تقطع مسافة الـ 40 كيلومتر في نصف ساعة، في حالة الطريق المعبد، وفي ساعة، أو يزيد قليلاً، في حالة الطريق غير المعبد. فكيف يموت أكثر من ستين شخصًا ويُجرح أكثر من خمسين على مدى تسع ساعات ثم لا يكون هناك وجود للسلطات والقوات النظامية، ولو في وقتٍ متأخر؟ أتوقع مع انتشار الهواتف النقالة أن يكون واحدًا أو أكثر من واحد من سكان هذه البلدة المكلومة قد أخبر السلطات في الجنينة. يريد الرأي العام أن يعرف ما جرى بالضبط، ولا أحد يقول ما الذي جرى بالضبط.

في مثل هذه الأحوال ينبغي أن يخرج رئيس الوزراء ووزير الداخلية على الناس ويملكوا الشعب الحقائق المتوفرة، أولاً بأول. كما ينبغي أن يضطلع الإعلام بدوره في محاصرة المسؤولين المحليين والمركزيين واستنطاقهم عما جري، أو ما لا زال يجري. لكنَّ شيئا من هذا لم يحدث. لقد اطلعنا على الأنباء، أول ما اطلعنا عليها، من بيان أطباء غرب دارفور الذي نشروه على فيسبوك، وليس من أي جهة حكومية. فقد أوردوا القصة ومعها قائمة كاملة بأسماء القتلى والجرحى. أما تلفزيون السودان فقد أورد الخبر متأخرًا جدًا وأذاعه وكأن المذبحة قد جرت في بلد آخر. لم يجر التلفزيون مع الخبر أي اتصالات بالميدان. كان من واجب التلفزيون القومي أن يتصل بالمسؤولين في الجنينة، وبوجوه القوم من بلدة مستري، وبمسؤولي الحكومة المركزية ليحدثوا الناس عن حقيقة ما جرى، وما هي أسبابه؟ أيضًا من الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية ما جرى؟ أليس من واجب الأجهزة الأمنية جمع المعلومات لتقديم إنذار مبكر عن الخطر الأمني؟ وإذا كانت لا تفعل ذلك فما هي فائدتها؟

لا نتوقع أن يُشفى الإعلام من أمراض أعوام الإنقاذ الثلاثين الكالحة، في عام واحد. لكن يبقى من الضروري التنبيه الى تغيير المفهوم الذي يجعل من الإعلام خادمًا للحكومة. في النظام الشمولي تستدعي الحكومة الإعلام لتعطيه نسختها للأحداث، وتأمره بإذاعتها في الناس. هذا في حين أن دور الإعلام الحقيقي هو أن يكون مبادرًا وخادمًا للحقيقة، لا للحكومة. وبخدمة ةالحقيقة يخدم الإعلام الشعب. فلنجعل من حادثة مستري منعطفًا لفعل حكومي ديموقراطي مسؤول. وعلامة ذلك أن تخرج السلطات على الناس مع بداية كل حدث لتكشف للناس ما جرى أو ما يجري. وأيضًا، لابد من نهج إعلامي مهني جديد، تحرر القائمون عليه من العبودية للحكومة، ومن عادة تَسَقُّط ماذا تريد الحكومة أن تقول ليجري ترديده والاكتفاء به.

النور حمد
صحيفة التيار 30 يوليو 2020

‫4 تعليقات

  1. حكومة حمدوك لم تحم حتى رئيس وزرائها الذي يفترض أن يكون اليوم في عداد المقبورين هذا ان أمكن لملمة أشلائه لو اصابته تلك العبوة الناسفة! هل عرفتم لماذا احتفظ العسكر بالأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية، إنها تأتمر بأمرهم وحدهم والدليل على ذلك أنهم تجاهلوا تماماً توجيهات الوفد الاتحادي الذي حضر لبحث المشكلة وخلها وتقول أخبار راديو دبنقا إن الوضع ازداد سوءاً بل هناك تعذيب للمعتقلين أفظع مما كان يحري على ايدي زبانية النظام السابق!

  2. النور حمد
    تحياتي
    إن ما حدث في مستري هز وجدان كل سوداني أصيل و وطني و يجب التوقف عنده طويلاً و رغم أنني غير متسرع في إلقاء التهم جزافاً و لكن تجدني في هذا الموقف تحديداً أتهم السلطاة الأمنية في بلادي بتدبير هذا الحادث و التخطيط له ، لتمرير أجندة خفية في العاصمة تماماً كما فعل الترابي و البشير ! و لمن لا يعلم نقول لقد أقنع الترابي الصادق المهدي بالإنقلاب علي السلطة لكي تنتهي المظاهرات ضده و ينتهي التمرد في الجنوب و لقد طلب الترابي من البشير أن يقضي علي التمرد في خلال عامين و من ثم يسلمه السلطة ، فأشعل البشير الحرب في كل مكان و لم يسعي لإنهاءها سياسياً أو عسكريا ً فلم يسلمها للترابي . ولذلك تجد أن المجلس العسكري سوف يقوم بعدة مجازر كل فترة لإقناع الشعب بجدوي و جودهم في قمة السلطة .
    تسقط بس

  3. قادة القوات النظامية لم يحركوا ساكنا ،أو يصدروا أوامر بوقف إطلاق النار ،أو وقف إذلال الرجال وامتهان كرامة النساء يوم مجزرة الاعتصام ،،كان ذلك امام القيادة العامة ،،واستمرت المجزرة لاكثر من 11ساعة في قلب الخرطوم,،،في ذلك اليوم اقتنع الشعب تماما ان هؤلاء القادة تجار دم وحرب ودمار ،،ومشكلة التحقيقات في المجزرة ،ان المحقق يتحاشي مواجهة الجنرالات بسؤال بسيط وواضح ومباشر،،،لماذا لم تصدروا الأوامر بوقف إطلاق النار،،وقف القتل وقف إحراق الخيام وسرقة متاع المعتصمين،، ،المطلوب الآن من الولاة المدنيين مواجهة هؤلاء الجنرالات،والضغط عليهم للقيام بمهام العسكر المعروفة في الكون كلو ،،والعمل علي حماية المدنيين و ملاحقة الجناة بالقانون ،،،البلاد في خطر ،لا بد من فتح تحقيق وتحديد المسؤلية والمحاسبة لابد من المواجهة العلنية ،،الدم واحد.

  4. رحم الله القتلي.. وشفي الله الجرحي وأعاد المفقودين..والهم ذويهم الصبر والسلوان..وانا لله وانا اليه راجعون..
    # لقد قلنا مرارا وتكرارا ما اصدق ما قاله المناضل الجسور والقانوني الضليع المرحوم (علي محمود حسنين) ..ان آفة السودان في عسكره…الذين يعتقدون في قرارة انفسهم أنهم جاءوا ليحكموا وان غيرهم لا يملك ذلك الحق لأنهم (ملكية ساكت!!!).
    # هذه العقلية المريضة المغروسة في ذهن اصغر عسكري لابد من غسلها …بل إزالتها بكل الوسائل والطرق..لانها مكمن الأداء.. (لدرجة عدم القيام بواجبهم المطلوب… اعتقادا من بعض العسكر بانهم من يملكون زمام الأمور..ويعيرون ويسخرون من الشعب السوداني بقولهم ( ما قلتوا مدنية..مدنياوا ..مدانياوا..مدانياوا).
    # ومصداقية ذلك تمسك المكون العسكري بتعيين وإدارة القطاع العسكري (الجيش/الشرطة/الامن/الدعم السريع).
    # وللاسف الشديد هذه العقلية المريضة دفع السودان ثمنها باهظا ولايزال..حروبا..وانفصالا..وتخلفا ..
    # اتمني عمل ورشة عمل من اختصاصي علم الاجتماع وعلم النفس..لدراسة هذه الظاهرة المرضية ووضع المعالجات الناجعة..حتي يتفرغ العسكر لواجبهم الأساسي وهو حماية البلاد والعباد…وليس التشبث بالسلطة.
    # أسأل الله ان يحفظ البلاد والعباد من شر الاشرار …وكيد الفجار..(امييييين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق