مقالات سياسية

مَرَاثِي لِشهِيدِ السُّودانْ الْجَديد (د. جون قرنق)

أحمد يعقوب

{شفافاً كما النيل، شَاهِقاً كَما الأمَاتَونجْ}

(1)

في متاهاتِ تلك المجاهيل وتُخومِ تلك الأزمنة البعيدة، كانت الآلهة تُناقش في فردوسها مولد هرقل السودان الجديد سيدنا (جون قرنق دي مبيور) وفي أيُّ بقاعٍ من كوش سوف يولد؟ حاملاً معه فانوساً سحرياً ومحلّقاً على بساطٍ من ثورة موزّعاً الخبز والحب والسلام في الطرقات،وكانت الفيلسوفة هيباتيا تشرح لفتية من طلابها عن مسائل الفلك في مكتبة الاسكندرية وعن بزوغ نجمٍ جديد في فضاءت الطبيعة المترامية أطرافها ، جاس ابولو بمركبته الذهبية  اركان الكون السديمي شاهداً على صراعات الالهة فيما بينها ،وبدا سقراط مندهشاً من ردود محاوره أقريطون وفيما احتد النقاش يقسم سقراط بالاله زيوس لمحاوره ان إمراة جميلة لها جناحان  ذهبيان قالت له “يا سقراط: أيام ثلاثة وإلي فيثيا الخصبة تأتي” وسقراط يقول بان امراً عظيماً سيحدث والالهة تريد مشورته، اجتمعت الآلهة متّكئة على ارائكها وهي سكرى بنبيذ الفراديس تنشد ” أعيذك بالنبيًّ….وقل أعوذ ، ففي شفتيك يختمر النبيذ،وفي عينيك نافذتا اشتهاءٍ،وفوق الصدر سلةُ أمنيات ، وتينٌ ناضج المعنى ….لذيذ” حسم الصراع بان قرأت ملحمة (الاينوما ايلش)، وقيل (أجعلوا سبله مستقيمة فهاهو اتياً من الأعالي، ممتشقا ألوية التنوير، فاتحا مصراع ذراعيه على ارض كوش) آنها  ضجّ نهر النيل باحثاً عن ضفة ثالثة وبحيرات جونقلي العظيمة مشرئبةٌ أعناقها تنتظر النبي المبارك .

(2)

وعلى مياه تلك البحيرات الموسمية ،كانت افراس النيل العظيم تداعب صغارها ، ووحيد القرن يدخل في عمق المياه مؤدياً طقوساً تعبدية والاسلاف ينتظرون، والاله نيكانق يبدي قلقه واله المطر (دينق)  و(بنج بيط) ينثرون حبوب الذرة لتفتح ابواب السماء وتدلق من جوفها الحبيبات الباردة ، وقرية (وانقلي) في تلك الازمنة الغابرة تمددت على حصير من أصيل الشموس الآيلة نحوخدورها ،وبدا وجهها تحت ذلك الضوء الممزوج بطقوس المساءات برونزيا وصدرها أشعسا أغبرا تحت تلك السهوب الخضراء،عشرات البيوت المنتثرة في فضاء الالهة الرحب كانها درب اللبن تنمو فوق ارض خصبة تفيض بالينابيع والجمال، والنساء ، يا لاُؤلئك النسوة الضاجّات بالحياة وهنّ يرتّلن أغانٍ  من زمن آتٍ، زمن الصعود على مخلفات العصور البائدة ، أزمنة ولادة المخلّص؛ و(وانقلي) تتوسد ليلاها على ساعد المساء المنتشي والمخضوضر بقدسية  بخور (اللبان والمر). كان الفضاء ساحراً وطفولياً في تلك الليلة، الهدوء الجاثم حول القرية تثقبه أصوات الطيور المهاجرة  وعواء الثعالب وعبور الحشرات وهسهسة السلاطين في مضاجعهم، وداخل هذا العراء الموحش بالانتظار لولادة المخلّص بدت الطبيعة الآسرة للقرية كأنما هي إلهة الكون، داخل هذا الامتداد وعلى هذه الارض العارية  بدت الجغرافيات الاخرى ضئيلة كالديدان أو أميبات مقذوفة، وسيقول الراوي : في فسحة السلام أو الحرب، فسحة الموت والحياة ، بين طيات الازمنة الغابرة والحقب العجائبية لابد أن يولد المخلص – خارجاً من رحم إمراة على مشارف البساطة في هذه القرية، شاخصاً بصره نحو آفاق سيفسرها ألـ” بنج بيط” فيما بعد، فاتحاً زراعيه على مصارع وقلاع كوش العظيمة، مشيراً الى الإهرامات وخاطّاً على قراطيس الطبيعة: إعادة مجد كوش الحضارة الآفلة، قائداً شعبنا الى شطّ الامان وبراري الرب.

(3)

آن تنفست تلك العصور السحيقة في ملامحها وأطلت أزمنة كان قرص الشمس فيها قنديلاً لثورات عديدة ، حين كان النبي جون قرنق زعيمها بلا منازع يكتب أناجيله في غابات السافنا الغنية ويحظى برعاية القديسين والكجرة، يقتات عسلاً برياً وجراداً ويحمل خيزرانه المحروق في اللواكات معمّداً بها الثوار، واضعاً رجليه في طست من الماء المجلوب من بحيرات صافية نبعها، قارئاً تاريخ الامم الزنجية والحضارات  واصول الفراعنة الزنوج الذين بنوا الاهرامات بدءاً من السودان على تخوم النيل مروراً بمصر؛ حينها كان كبريتنا الاحمر وشيخنا الاكبر أنتا ديوب يتلو موبقات الغرب في السوربون ، ويشرح عظمة البلاد الافريقية وارنستو جيفارا يطارد اليانكي في تلك السهوب بين اقصاب السكر والمهاتما غاندي يداواي إمراته وهو يتزر بنسيج يديه مؤدياً طقس صلاة جماعية وخلفه السيخ والهندوس والمسلمون يرتلون في شبق (الحب، التسامح)، حافيا هكذا عارياً الا من الكرامة والحرية لشعبه ، ومانديلا في سجنه على تلك الجزيرة التي سجدت له ينادي بالسلام والمصالحة ، آنذاك النبي جون قرنق يتخلق في أزمنة التحرر الوطني والاباء الكبار (كوامي نكروما، نيريري، جومو كينياتا) مستصحباً تواريخ فليكس دارفور ومحمد على السوداني رواد البان أفريكانيزم المقصيّين عن تاريخنا المزيف – بحمى الايدلوجيات سليلة فيروسات الصحراء البائدة وطحالبها المتعفنة ببراز إبل السفاح الحجاج بن يوسف الثقفيُّ، مثقفاً بميوله الاشتراكية قارئاً أناجيل المعجزة كارل ماركس بوعيٍ ممارسي بعيداً عن الدوغمائية والتقديس، منشداً اشعار الفيتوري ومرنماً مع وردي، حاثّاً الصبيات في جغرافيات مجاورة بالرقص تحت أضواء قمر الليلة السابعة والعشرون على سجع الادونقو وطبول افريقيا العجائبية.

(4)

أتراني أهجس الان ، وانا أرى سيدي جون قرنق ممتشقاً بندقيته يعيد رتق جروح تاريخنا النازف- بمشروع يقوم على التنوع ، حين فشلنا منذ مؤتمر الخريجين في بناء الدولة الحديثة ! وحين تعاركنا بايدلوجيات تبريرية محوّلين بلادنا الى روما الحريق وكل طرقها تؤدي الى الخراب وانفصالات الذات الوجدانية ،حين رضعنا هرمونات الهدم والتدمير والاقصاء والاخصاء ، حين أصبح الظلم والحيف والجور أقنوماً لكل الحكومات التي تعاقبت على بلادنا، واذْ أتفكر في سيل هذه النباتات المتسلقة وعي كان سيدنا جون قرنق يخلق طوطمه عن كفاح يبدأ من أنغولا وناميبيا مروراً بخليج الخنازير ومعارك غرانما دخولاً الى العاصمة هافانا، وفيديل كاسترو مع حفنة من الرجال الذين آمنوا بقضيتهم يقضّون مضجع الامبريالية التوسعية المتوحشة التي تمتص دماء الشعوب كالبق، مروراً بالاراضي المشبعة بروائح السافنا الغنية والمناخات العجيبة من بور، ايود، كبويتا، فشلا، رمبيك، بيبور، أكوبو، جوبا واويل  جبال النوبة النيل الازرق ودارفور كان مخلص الشعب د. جون قرنق الرجل الملتاث عقله بالحروب العادلة والسلام العادل المثقف الذي يحتفي بذكرى سانتا كلارا يقود معاركه، والفلاحون ملح الثورة يقدمون كل شئ الطعام واللباس والمأوى والدم، واذ اتساءل كيف استطاع هذا المغوار الذي بعث في لحظة من عدم أن يلملم كل بقايا الطوباوية الاشتراكية التي تحلم في يقظتها بكومونة أ ريفية وأؤلئك المتصوفة القادمين من الشتات والحالمين بكومونة أفريقية وكل المتناقضات من الحركات الاسلامية، والذين لا رأي لهم اطلاقا-  في حركة واحدة من أجل الحقوق واسترادادها ويقود أعظم ثورة في بلدنا من أجل كل المهمشين لتصحيح الوضعية التاريخية  للوطن منذ الاستعمار ،يقف عقلي عن التفكير ويستدعي في الان ذاته ما يسمى بالديالكتيك.

(5)

وفي ذلك الزمان الخريفي، كخريف هذا الطقس الاستوائي الآن ، يتبدد الحلم الذي عشعش فينا، حين كانت الآمال معقودة ببناء وطن جميل وكبير أساسه المواطنة بلا تمييز وتنوعه الثري، وموت النبي جون قرنق وضعنا في فوهة الاغتراب، كانت الغربة في الروح لا المكان، والخطأ الفادح الفاجع والقابع كجرثومة في قاع قرارات أرواحانا  السحيقة الهالكة، ربما كان محمولا مع الدم قبل الولادة وتسمية الوطن، لم يكن حنيننا الى الوطن في تلك الازمنة الفوضوية مختزلاً في أشعة الشوق الى الاسرة بل كان الحلم الماتع ببناء وطن جديد، سودان جديد وكان زعيم هذا الحلم هو د. جون قرنق التي صوبت الابدية سهامها نحوه في شهقة الجبال الراسيات وسط الطبيعة وأمطارها الباكية لرحيله المفجع، كانت حقبة شهدنا فيها موات الذات وانتحار ورود الحلم وتضعضع الذاكرة في سقم ارخبيلاتها المتموجة، نهاراً جهاراً هكذا . وأنا أتسكع قرب المقبرة التي تخفي ذلك الجسد الملئ بكل ماهو نبيل وجميل ونقي وشفيف – في أمسية شاحبة ترسل وميض اشعتها كفحيح ثعبان هرمٍ أقرر الدخول الى حيث المثوى ، تجتاحني قشعريرة ما أعتدل منتصباً وبخشوع لاهوتي أؤدي التحية العسكرية ، وأتمتم بادعية سحيقة موغلة في تشظياتها قابعة في قرار زمان سحيق قائلاً (أبانا الذي في مثوى سماواته الزرقاء، لقد تيتّمنا بعدك، ولكننا أنجزنا ثورة كنه أهدافها لم تتحقق بعد، فلتتقدس الأوطان ولتستمر كفاحاتنا، وليأت ملكوت الحرية المنتظر، لقد دخلنا في تجارب عميقة حروب ولاسلام، ساعدنا بالدخول لتجارب أكثر عمقاً وإيلاماً لنحقق السودان الجديد، لاتغفر لأؤلئك الذين خانوك وسفّهوا أحلامنا وأنجبوا لقطاء فاسدين بل صبّ لعناتك عليهم ولا تنجّهم من الشرير)
آمين.

أحمد يعقوب
[email protected]

الوسوم

‫3 تعليقات

  1. بركة قبايل العيد يا اسحاق فضل الله تنسي الصحافة مدرستك الفلسفية الصحفية الخيالية دي لا سلموا منها الاسلامين ولا العلمانين

  2. يا تعوس نحن بانتظاركم تذكروا انتم من تاتوا وتاكلون خيرنا بالباطل متاجرون بدينكم الذي كثيابكم

  3. يا أبنى أتق الله ربك حتى جون قرنق أصبح شهيد
    أقول لك قوله كل شهداء الكيزان فتيس
    وكل شهيد سودانى فتيس
    فأنا لا أدعى علم الغيب وأقول الشهيد الزبير الشهيد عبيد ختم وحتى من قتل فى إعتصام القيادة من خلال الثورة الأخيرة هذه لا أقول عنه شهيد ولكن ما أقوله ( أسأل الله أن يتقبلهم مع الشهداء ) لكن أنتم لأنكم تعلمون الغيب وتشاركون الله فى علمه كما علمكم ذلك الكيزان حسمتم الأمر بانهم شهداء وتغنون دم الشهيد دمى وام الشهيد امى وفى والى عمل راتب شهرى لكل شهيد يا ربى الوالى دى درس علم الغيب فى مدرسة ناس شيخ حسن
    كنا فى مجلس عزاء بأمبدة عندما توفى أبننا الصادق عبد الغفار عبد الرحيم فى حرب الجنوب ونحن جلوس شاهدنا جماعة تركب مكرفونات ووضع غير طبيعى وبخور وهرج ومرج سألنا الحاصل شنو قالوا لينا شيخ حسن جايي يعقد لى الشهيد الصادق على حورية من الجنة وكان فى كوز كبير من اولادنا جالس اسمه عوض حاج على قلت ليهم شيخكم دا وكيل الصادق ام وكيل حور الجنة بعدين الصادق دا ما شهيد تعال يا عبد الغفار ناديت على والده الصادق دا بطل فى سباق الدراجات طلب من والده او يفتح له دكان بيع الدراجات الرياضية واسبيراتها والده رفض قال لوالده والله امشى حرب الجنوب والده قال له غور مشى ومات يكون شهيد كيف والده بنفس واقف قدامى وما قدر يؤكد ان ابنه شهيد ولكن نحن نسأل الله أن يتقبله شهيدا ولكن لانجزم بما لا نعلم
    السودان دا كله كذب ونصب ودجل
    قلنا ربنا ريحنا من الكيزان وتوزيع بطاقات دخول الجنة المجانية
    جونا ديل قلنا علمانيتهم قد تعلمهم الادب مع ربهم حين لم يتأدب الكيزان
    طلعوا أزرط
    بعدين حرب الجنوب إعتداء من شمالى على جنوبى
    لا شهادة لمعتدى
    حرب دارفور الطرفين مسلمين واذا رفع عمر البشير سيفه فى وجه عبد الواحد محمد نور فالقاتل والمقتول فى النار
    يا جماعة ماتعشموا فى دخول الجنة فى كل ما صنعته ايديكم حتى تاريخ اليوم 31 يوليو 2020م
    كدى فكروا فى عمل يدخلكم الجنة من 1 أغسطس 2020م ولى قدام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق