مقالات سياسية

سيادة المرأة و سطوة الرجل

حكى لى صديقٌ قائلاً: ” بينما كنتُ أتجاذب الحديث مع أحد زملائى فى شئون المرأة، ظل يسرد لى كل ما هو سيئ عن المرأة حتى كأنها شيطانٌ رجيم قائلاً”: (” إنّها ناقصة عقل و دين ، إنّها مخلوقة من ضلع أعوج من صدر الرجل، و كان من المفترض على المرأة أن تسجد للرجل، إلا أنّ كذا و كذا، و أنّ أغلبية أهل النار من النساء”)، بعد أن خلص من حديثه ، قلتُ له: “ممكن تحكى لى عن أمك” ، فإذا به يعتدل فى جلسته و يغيّر نبرة صوته قائلاً: ” أمى كانت أحسن الناس سيرةً و سريرة، ذات كرم فيّاض و صدقٍ صدوق، تحترم الصغير و توقرالكبير، أمى كانت ذكية، ربتنا أحسن تربية ، ياخى الرسول ذاتو قال :” الجنة تحت أقدام الأمهات” ، و قالوا كمان هى “الرّب الأصغر”، يا زول شوف لو ما أمى دى أنا ما كنت فى المستوى ده”، فقلت له بكل برود إذن أمّك لا تشبه النساء ، أليس كذلك؟ فبهت صاحبه.

هذا الكلام لم يكن مجرد ثرثرة، إنّما يمثّل واقعاً حقيقياً فى المجتمع السودانى، و يشكل الوعى الذكورى الذى يعيد تصوير المرأة كيفما نرى ، و يُتعتبر هذا شكل من أشكال الفُصام الإجتماعى، أبرز ملامحه ينعكس فى المنطلق التفسيرى للمرأة الذى يُعطيها تعريفاً أنثوياً مشوّهاً ( عشيقة ، خليلة، عاهرة، و إلى آخر مصفوفة المفردات النابية) ، متجاوزاً فى ذلك حقيقتها الكونية من منطق الجندر أو الأمومة، مما يولّد خوفاً مرضياً يربك نظرة المجتمع لإستيعابها إستيعاباً حقيقياً. هكذا ظلت المرأة السودانية تتخذ موقعاّ مشبوهاً ومعلولاً وسط المجتمع نتيجة لهذا التعريف المشوّه ، و قد أستعار مجتمعنا بعض الأساطير كأدوات لتعريف المرأة حتى تتلائم مع نزعته الذكورية و تفوقه المادى، منها تزوير الدين تبريراً لتجريمها : قالوا هى السبب فى خروج الرجل (أدم) من الجنة بعد تحالفها مع الشيطان ، نتيجة لتلك الظروف الميتافيزيقية صنع الرجل من نفسه نبيّاً للمرأة، فعليها ألاّ ترفع صوتها فوق صوته ، ولا تأكل إلاّ من بواقى موائده و ما إلى ذلك من المعاملات الذليلة .

هناك بعض التساؤلات تدور حول علاقة الرجل بالمرأة، واجهت صعوبة فى تفسيرها إجتماعياً، ديناً و إنسانياً فى مختلف المجتمعات السودانية، فى هذا المقال أوّد أن أوضّح بعض العوامل التطوّرية التى صاحبت العلاقة ما بين المرأة و الرجل و السلوكيات المتحوّرة عبر التاريخ بشكلٍ مبسّط و مختصر فى أربعة محاور، لعلّه يساهم فى عكس تعقيدات العلاقة ما بين الرجل والمرأة فى المجتمع السوداني:

أوّلاً العصر البطولي:

قادت المرأة عديد من الإمبراطوريات فى فترة العصرالحجرى الحديث، حينها لم تكن الأديان السّماوية قد نزلت ، لكن فطرة الإنسان الربوبية أتستلهمته الشعور بوجود خالق ، و كانت أيسر وسيلة لأستظهار هذا الشعور أن جعل من الأمّ إلهاً ( الأم الكبرى)، كثير من الدلالات الرمزية و الأسطورية أستخدمت لرتق الفجو العلمية الناتجة عن عدم المقدرة على التفسير المنطقى لبعض الظواهر الكونية، فقام بإرجاعها ( للأمّ الكبرى)، وبعد ظهور الكهنة تعددت أسماء “الأم الكُبرى” مثل عشْتار و لانانا فى الحضارة البابلية، و إيزيس، هاتور سيخمت و نوت فى الحضارة المصرية، و أرتميس ، فروديت ديمتر و جيا عند الإغريق ، سيريس، ديانا فينوس فى روما ، اللات و عزى و مناة عند العرب.

و أثبت التاريخ و الدراسات الأحفورية أنَّ رجال العصر الأمومى أكثر بطولية و فروسية من رجال العصر البطريركي (الأبوى)، علي سبيل المثال ما سُمى بالعصر البطولى فى ممالك النوبة كان على قيادتها مجموعة من الملكات (الكنداكات) مثل أمانى ريناس التى أستطاعت حماية مملكتها من طغيان الامبراطورية الرومانية، و فى اليمن الملكة بلقيس ملكة سبأ، خلصت قومها من فساد وطغيان كثير من الملوك الذين أرادوا الشر لمملكتها وشعبها،.الملكة سمور أما ملكة آشورية أصلها من بابل، حكمت الإمبراطورية الآشورية 42 عاماً، كما أشرفت على بناء مدينة بابل الضخمة، حتشبسوت من الملكات اللواتي حكمن مصر، تميز عصرها الأمن والإستقرار.

ثانياً الإنقلاب الذكوري:

عندما آلت السّلطة للرجل لسبب من الأسباب، شهد العالم وقتئذٍ عصراً من الفوضى و الهجرات الجماعية نتيجة للحروب و الطغيان فى نهاية العصر الحجرى الحديث، حينها أستخدم الرجل تفوقه المادى و نزعته التناسلية فى نقل المرأة من دورها الوظيفى التكاملى إلى خانة الموارد الطبيعية كموضوع للتنافس و الصراع، على سبيل المثال نجد أنّ عدداً من الأباطرة كانوا يحتكرون النساء كزوجات فى بلاطهم كموارد طبيعية (جنسية) فى القرن الثالث قبل الميلاد : الهندى إيدياما كان لديه 16،000 إمرأة ، الفرعون أخناتون 317 ، ملك الأزتيك مونتيزيما له 4،000 ، فيه تيه الصيينى كان متزوجاً بـ 10،000 إمرأة و أتاوالبا أمبراطور الأنكا له 1،500 إمرأة. يأتى الوزراء و أركان الحرب فى المرتبة الثانية بعد القادة فى إمتلاك الحريم كماً و نوعاً و هكذا الصّف الذى يليه ثم الذى يليه حتى يصبح بقية الشّعب يفتقدر لمقدرة الوصول إلى الموارد التناسلية (حفظ النوع) كأحد أهم العوامل الوجودية، هذا العصر شهد حروباً و أمراض فتاكة و هجرات ضخمة، و لعلّ أحد الأسباب فى هذه الأحداث هو الإختلال البنيّوى للمجتمع الناتج عن القمع النوعى للجندر بواسطة الذكور و القمع المركزى القائم على إحتكار السّلطة، تميزت هذه الفترة بالوبائيات مثل الطاعون و إنقراض معظّم سكان بعض البلدان خاصة فى أوروبا.

ثالثاً القوانين ونزول الأديان السّماوية:

بعد الفوضى التى عمّت العالم بسبب الطغيان عقب إندثار سيادة المرأة، حاول الإنسان وضع بعض القوانين لضبط سلوكيات المجتمع المتفلت ، من بينها قانون حامورابى ، حيث أحتوي على 32 بند ينص على الأعدام و أغلبية تلك البنود تعالج تحرش الرجل بالمرأة.

أما قضايا المرأة فى الديانات السماوية كان محورياً، حيث حسمت نصوصها عديد من إشكاليات الموروثة من العصر الحجرى، هناك حوالى 16 نص فى التوراة للإعدام و أغلبها تُطبّق فى علاقات الرجل بالمرأة، و هى فى الأصل تطوير لقانون حمورابى عن طريق تقليص بعض العقوبات القاسية، و هى مرحلة يمكن أن نسميها طور ” حماية المرأة” من وحشية الرجل المتوارثة عن العصر الحجرى، لكن ظلت المرأة فى وضع متأخر فى عهد الديانة اليهودية و المسيحية ، إلاّ أنّ نموذج “مريم العذراء” كان مركز الإنطلاق نحو إعادة تعريف “المرأة” ، و تعزيز هذا النموذج فى المسيحية عن طريق طرح حقيقة ” الإخصاب الذاتى”، و كان ذلك يُعتبر من خوارق الطبيعة فى هذا العصر، لكن العلم الحديث أثبت إمكانية وصل الأنثى إلى مرحلة الإخصاب الذاتى (Autogamy)، إذن الموضوع المحورى فى قضايا المرأة التى تناولها الأنجيل هى إثبات “التفوّق البيولوجى” للمرأة على الرجل كمرحلة أولى ، و كان رمزية ذلك ميلاد عيسى المسيح عليه السلام من غير أب بيولوجي.

و كذلك من مناهج الإسلام تحرير المرأة من سطوة الرجل الذى كان يقتلها وأداً ، وإن نجت من الوأد سوف تلقى مصير الحبس المنزلى، بسبب تعديات الرجال على النساء فى هذا المجتمع ، عليه جاء حد الزنا و ضوابط الزواج بدلاً من فوضى التزاوج مثل ( زواج الإستبضاع، المعاوضة ، المتعة، المخادنة، البدل و الرهط، و إلى الآخر) هذه الأنواع من الزواج يمثل إمتداداً لما ذكرناه من أمثلة تعدد زوجات لدى الأباطرة السابقين. و لم يهمل الإسلام الأبعاد البيولوجية التى تطرق لها الأنجيل، بل واصل فى نفس المسار تطويراً لهذا المنهج المفاهيمى عن المرأة بتوسيع دائرة الوعى فى مفهوم “التفوق البيولوجى”، و هو مسلمة الإنتاج البيولوجى نسبة 1:3، (XXX) للمرأة و (Y) الرجل، حيث يظهر إنها تساوى ثلاثة أضعاف ما للرجل من هذه الخصوصية البيولوجية، و فى الدائرة الأوسع (ما بعد التشريح) يتطابق هذا موضوعياً مع قول الله تعالى( حملته أمّه وهناً على وهنٍ و فصاله فى عامين) – المرأة (وهن الحمل ، وهن المخاض و وهن الرضاعة) و الرجل(وهن المعاشرة)، و فى الدائرة الأكثر وُسعاً ، يتطابق هذا المفهوم أخلاقياً مع حديث الرسول مع دور المرأة الأمومى( أمك ،أمك، أمك) ثم ( أبوك) .

رابعاً المرأة فى العصر الحديث:-
تقلدت المرأة مناصب عليا فى الدولة الحديثة، أثبت مقدرتها الفائقة على إدار الدولة، أعادت سيرة نظيراتها فى العصر البطولى ( العصر الحجرى الحديث)، هنا أمثلة قليلة لنماذج تعكس عصراً بطولياً فى الدول التى حكمنها النساء، و من أمثالهنَّ أنديرا غاندى رئيسة وزراء الهند من أكثر شعوب العالم تعداداً،أمتدت ففترتها لثلاثة دورات متتالية لكفائتها ، مارقريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانية، حكمت أطول فترة حكم ديموقراطى فى القرن العشرين وعرفت بالمرأة الحديدية ، ايللين سيرليف رئيسة لبيريا فى فترها توقفت الحرب التى استمرت 14 عام و نهضت دولتها بسياستها الرشيدة حازت على جائزة نوبل للسلام. من خلال السرد أعلاه نجد أنّ قضية المرأة منذ الإنتكاسة الأولى، ظلت تتحسن ببطأ عبر العصور : قانون حامورابى، اليهودية، المسيحية ، الإسلام ، الدولة الحديثة ثم منظمات المجتمع المدنى، إلى أن إستعادت بعض مكانتها الإجتماعية فى كثير من الدول.

من تعقيدات علاقة الرجل بالمرأة فى المجتمع السودانى(الجندر)، إنّ الرجل ما زال يستوعب المرأة بوعى الزائف، حيث يبدأ التعرف عليها من منطلق الأنوثة بدلاً من البعد الإنسانى البشرى ، مما يجعلها تراوح المكان الخطأ. بالتالى تفضل التساؤلات القديمة مستمرة ” لماذا لا نقبلها رئيسة أو وزيرة ؟” ، فقط لأنّها تذكرنا بالجوانب الأنثوية، فتنطمس بصائرنا عن الجانب البشرى. أمّا إذا كان المنطلق التعريفى للمرأة يبدأ من مفهوم الجندر أو الأمومة ، فإنّ الأمر هنا يختلف تماماً، حيث لا يقبل أحد أن تُوصَف أمّه بالأوصاف الفاحشة.

نحن فى زمنٍ أحوج إلى تبَنى مفهوم النوع للجندر فى أنظمة الحوكمة ،لأنّ المنطق فى ولاية المرأة يقوم على تلازم أخلاقها مع طبيعة متطلبات الحكم الرشيد، خاصة فى السودان ، مؤخراً أصبحت السرقة و النهب و الإختلاس من الشطارة و الرجولة و الذكاء، و كان أوجب علينا أخلاقياً و أحفظ لحرمات الدّين أن نضع إمراءة خلوق بديلةً لرجلٍ يسرق و يقتل على أسوأ الفروض.

عبدالرحمن صالح أحمد (عفيف)
[email protected]
facebook: رسائل الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق