مقالات وآراء

 السودان من التآكل للفوضى والتفتت (1)

كانت المشكلات الاساسية التي أقعدت كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في أول يناير 1956 هي حل مشكلة الجنوب، والتوافق على دستور دائم، ومواجهة قضايا التنمية المتوازنة. الدارس لكل حكومات ما بعد إستقلال السودان يجد أن السبب الرئيسي في الفشل في حل كل هذه المشاكل هو العجز عن صياغة دستور يحدد علاقة الدين بالدولة لإدارة التنوع العرقي والاثني والثقافي.
أهدرت الأحزاب التقليدية فرصة تبني مقررات مؤتمر المائدة المستديرة في 1965 لتبني الفدرالية وحل مشكلة الجنوب، فتبناها جعفر نميري وصاغ على أساسها إتفاقية الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب في فبراير عام 1972، ثم عاد وأجهضها بتبني قوانين الشريعة أو ما يعرف بقوانين سمبتمبر في 1983. كان هناك بارقة أمل في اتفاقية الميرغني/قرنق في نوفمبر 1988 لكن رفضها الصادق المهدي وقضت عليها الجبهة الاسلامية بانقلابها المشؤوم في يونيو 1989، ثم حولتها لحرب دينية أزهقت فيها ارواح الجنوبيين والشماليين وأفضت إلى توقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005 ثم انفصال الجنوب واستقلاله في يونيو 2011. ساهمت مشكلة الجنوب في استنزاف موارد الدولة في الحروب منذ 1955 حتى انفصال الجنوب، ثم عندما انفصل الجنوب وذهب حال سبيله بموارده البترولية التي كانت تشكل حوالي 70% من موارد الدولة.
أدى الفشل في إدارة التنوع الى ظهور تمردات جديدة في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، فنشأت الحركات المسلحة ومن أهمها الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (جناح عبد العزيز الحلو وآخر بقيادة مالك آدم عقار) الذي تأسس في 1983 في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كرفان، حركة تحرير السودان بدارفور بقيادة (جناح بقيادة عبد الواحد محمد نور، وآخر بقيادة مني أركو مناوي)، وحركة العدل والمساواة، المنشقة عن حركة تحرير السودان في 2001، بقيادة دكتور جبريل ابراهيم. إلا ان هذه الحركات نفسها تختلف في مشروعها. فبينما نرى أن الحركة الشعبية لتحرير السودان وحركة تحرير السودان تتبنى فكرة الدستور العلماني نجد أن حركة العدل والمساواة، التي تمثل الجناح العسكري لحزب المؤتمر الشعبي، يتبنى الستور الإسلامي.
وهكذا نجد أن كل مشاكل الحروب في السودان ناتجة عن العجز عن صياغة دستور يمنع التمييز ببسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو اللون أو الجنس.
وفي هذا الإطار جاء توقيع الإتفاق السياسي بين تجمع المهنيين والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في 26 يوليو 2020 كموقف متقدم يدفع الحكومة الانتقالية وحركات الكفاح المسلح لإتخاذ القرار الصعب في تبني فصل الدين عن الدولة في مفاوضات السلام في جوبا. ويدور حديث الآن عن احتمال انضمام عبد الواحد ومني أركو مناوي وبعض أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير إلى الإعلان السياسي. ولا يعتبر هذا الإعلان جديداً في مضمونه إذ نصّ البيان الختامي لمقررات أسمرا، وهو المؤتمر الذي عقدته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في يونيو 1995، في بند علاقة الدين بالسياسة بأنه “لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني” وأن “يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب ادين أو العرق أو الجنس أو الثقافة ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لذلك ويعتبر غير دستوري”. وهكذا لا يخرج الإعلان السياسي بين تجمع المهنيين والحلو في 2020 عن مبادرة أسمرا 1995 التي وقّع عليها حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والحركة الشعبية لتحرير السودان، والحزب الشيوعي، مؤتمر البحة، والنقابات. إذن من هو الذي يراوغ بتوقيع الاتفاقيات عندما يكون خارج السلطة ثم ينكص عنها عندما تلوح له فرصة الصعود إلى السلطة؟
الواقع أن معضلة السودان قد تفاقمت الان أمنياً وإقتصادياً. تفاقمت أمنياً بأن فقدت القوات النظامية إحتكار القوة العسكرية وأصبحت البلاد تحت سيطرة قوات مليشيونظامية برأسين، الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، مع وجود تكهنات ودلائل تشير إلى أن القوات النظامية هي الشريك الأضعف في هذا الهجين العسكري. وتم تكريس هذا الوضع الشاذ في الوثيقة الدستورية التي وقع عليها المجلس العسكري السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير في يوليو 2019 بالإعتراف بمليشيا الدعم السريع كقوة نظامية مستقلة خارج سيطرة القوات المسلحة.
وتفاقمت المعضلة إقتصادياً بأن أصبحت كل موارد السودان تحت سيطرة هذه القوات المليشونظامية وتدار خارج ولاية وزارة المالية تحت غطاء “الشركات الأمنية” التي كانت من أكبر بؤر التمكين للإسلاميين. وفي مقال الكاتب مصطفى عمر “لعنة الذهب … سيطرة الجنجويد وتحالف الخونة، الروس والمليشيا (2)” ما يغنينا عن التكرار في أن هذه الجماعات تعمل للإستفادة من خبرة الكيزان على مشاريع إقتصادية كبيرة داخل وخارج السودان، وتخطط لإنشاء حزب سياسي يستوعبها جميعاً ويضمن لها الفوز في أي إنتخابات مستقبلية، وان السودان اليوم يخضع للإحتلال الكامل بقوة السلاح وتنهب موارده ويهدد أمنه القومي ويواجه خطر التفتت أكثر من أي وقت مضى.
هكذا تم تجريد الشعب السوداني من قواته النظامية وموارده المالية لصالح قوات مليشيونظامية لها إرتباطات خارجية لا مصلحة للسودان فيها، والآن، برغم انتصارات الثورة، يتم تجريده من المقدرة على صياغة دستور دائم يساعد في إدارة التنوع الديني والعرقي، بتأجيج الانقسامات والتصدعات على خطوط الدين والقبلية والإثنية لخدمة مصالحها.

إن الدولة التي تفقد جيشها النظامي ومواردها المالية ولا يحكمها دستور ينظم علاقات جماعاته ومكوناته لإداة تنوعها لا محال ستندثر بتآكل أطرافها ثم انفجارها من المركز. وقد بدأت مرحلة التآكل باحتلال مصر لحلايب وشلاتين وتوغلها في مناطق استرتيجية من حدود السودان الشمالي، واحتلال أثيوبيا للفشقة، وانفصال الجنوب، وفقدان سيطرة الدولة على دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وحديثاً تهديد جبهة الشرق بالإنفصال على خلفية تعيين والي كسلا.

والان علينا الإعتراف بان السودان قد فقد كل مقومات الدولة، وانه موعود بمزيد من التآكل والتقلص بانفصال مزيد من أقاليمه، ويعقب ذلك انفجار المركز والدخول في مرحلة الفوضى والتفتت، شئنا أم أبينا. فهل ستتدارك الاحزاب والقوى النقابية ولجان المقاومة والقوات النظامية ومنظمات المجتمع المدني الامر، أم ستظل عاجزة عن اجتراح الحلول للمشاكل المصيرية التي تراوح مكانها منذ استقلال السودان؟
31 يوليو 2020

معتصم القاضي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق