مقالات سياسية

تجمع المهنيين .. ولعنة الأحزاب السياسية

محمد عبدالله ابراهيم

إن مؤسساتنا الحزبية والنقابية في السودان لم تستطيع أن تتعلم شيئا من أخطاء الماضي طيلة تاريخ بلادنا السياسي حيث ظلت حبيسة داخل أطر الأفكار والمشاريع السياسية الضيقة، والتى لا تصلح في أن تقود حزباً ناهيك عن بلداً يتسم بالتنوع الأثني والثقافي والديني، وعلى الرغم من أن جميع هذه المؤسسات والأحزاب تتبنى قضايا العدالة والديمقراطية والحريات وسيادة حكم القانون، إلا أن الضحية الأولى كانت هذه القضايا نفسها، وأدى ذلك إلى إفشال كل المحاولات التي كانت تعمل على تذكية وتطوير القواسم المشتركة بين السودانيين، وتسعى في البحث عميقاً عن كيفية تكوين وعى تاريخي قادراً على تجاوز أخطاء الماضي من خلال تراكم الخبرات وتهدف إلى وضع مشروع وطني يجمع ولا يفرق يشترك في إعداده جميع شرائح المجتمع السوداني ويتسامى لتحقيق غاية وطنية شاملة في الإحساس والشعور بالإنتماء الواحد والمصير المشترك ويقودنا نحو بناء الوطن بصورة تلبي آمال وتطلعات الجماهير وتصون حقوقها في الحرية والعدالة والكرامة والعيش الرغيد.

وحيث ان الإفكار والمشاريع السياسية الأحادية الضيقة ألحقت أضرار كبيرة ببلادنا وزرعت مرارات وأحقاد لاذعة في النفوس وبين المجتمعات السودانية، وعطلة عجلة التنمية البشرية والاقتصادية في البلاد طوال سنوات عديدة من عمر إستقلالنا، لذا أن الواجب الوطني يستوجب أن لا ندع مجالاً لتخلخل تلك الإفكار والمشاريع السياسية الأحادية الضيقة لتأثر في الراهن السياسي لبلادنا اليوم، ولا سيما ان ثورة ديسمبر المجيدة تعتبر فرصة أخيرة سانحة وعظيمة في تاريخ السياسية السودانية، ويمكن من خلالها أن نعالج العديد من القضايا التاريخية المعطلة ونحقق الأهداف الوطنية السامية التى تمكننا من ان نقود بلادنا نحو آفاق جديدة.

ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا تمكنا من قيادة ثورتنا بشفافية وعقلانية وتجرد وتقديم الأجندة الوطنية على الحزبية والذاتية وتوافر عنصر الثقة بين كآفة المكونات الثورية وشركاء المرحلة الانتقالية.

ولازالت ذاكرة الوطن السياسية تستحضر تلك الثورات العظيمة السابقة، والتى فشل السودانيين في قيادتها بأفق أوسع وإدارتها بصورة قاصرة لم تسمح بمعالجة الإختلالات في العديد من قضايا الوطن التاريخية.

وعليه أن المسؤولية الوطنية في ثورة ديسمبر تحتم على كآفة السودانيات والسودانيين حمايتها من المخاطر، وحفظها من الضياع وتحصينها ضد السرقة والإختطاف، وعلى أحزابنا ومؤسساتنا النقابية والسياسية أن تدرك بأن شعبنا قدم تضحيات بطولية كبيرة ومجهودات عظيمة طيلة تاريخه الوطني النضالي، وان الشعب السوداني اليوم أصبح واعياً لقضاياه أكثر من أي وقت مضى، وان ثورة ديسمبر 2019 هي ليست أكتوبر 64 ولا أبريل 85.

ونحن نثمن الدور العظيم الذي قام به تجمع المهنيين السودانيين في قيادة الثورة من إعداد وإدارة وتنظيم جداول التظاهرات والمواكب، ولأن الشعب السوداني فقد الثقة في الأحزاب السياسية السودانية كان تجمع المهنيين هو من أبرز الكتل في تحالف قوى الحرية والتغيير التى حظت بثقة الشعب السوداني، وذلك لأن التجمع لم يكن مصاباً بداء السياسية وإمراض الأحزاب السودانية المتمثلة في الأنانية والتقوقع حول الأجندات الحزبية والشخصية والإنقسامات والفشل في إدارة الصراعات والاختلافات، لذلك كان التجمع محل تقدير واحترام كبيرين لكل السودانيات والسودانيين ونال ثقتهم ورضاهم في قيادة الثورة وتوجيه الشارع السوداني.

وهذا هو سر نجاح الثورة السودانية ولا سيما وحدة تجمع الحرية والتغيير، وعلى الرغم من وجود بعض الإختلافات والتباينات بين مكونات قوى الحرية والتغيير قبل سقوط النظام إلا انها لم تكن بالقدر الذي يؤدي إلى إنقسامها، وللأسف الشديد أنه بعد سقوط النظام حدث إنقسام وتباينات عميقة بين مكونات قوى الحرية والتغيير أربك المشهد وكاد أن يعصف بالثورة ويضعها في مهب الريح مما ترك أثراً كبيراً لا زال يلقي بظلاله السالبة علي مسيرة الثورة.

وان هذه الانقسامات داخل مكون قوى الحرية والتغيير ليس لها أي مبررات موضوعية غير أنها تدل دلالة واضحة لا لبس فيها على صراع السلطة والمصالح بين الأحزاب، وهو نفس الصراع الذي حدث بين الأحزاب في ثورتي اكتوبر 64 وابريل 85، والذي أفرغت الثورتان عن محتواهما الوطني ولم تؤديان إلى تحقيق اي نتائج او اهداف وطنية تقود نحو بناء الوطن، وللأسف الشديد حتى تجمع المهنيين الذي يمثل فرس راهن عليه كآفة الجماهير السودانية الثائرة لم يستطيع تحصين نفسه ضد الإنقسامات، فسرعان ما أصابته لعنة الصراعات الداخلية والإنقسامات كما في الأحزاب، وهذا ناتج عن ضعف التجربة السياسية لقادة التجمع وإفتقارهم إلى قراءة المشهد والبعد الاستراتيجي جعلهم أن يقعوا فرائس في مصيدة أجندات الأحزاب والاستقطاب السياسي.

وظللنا نتابع باهتمام كبير تطورات الأوضاع داخل قوى الحرية والتغيير وما صاحبها من سؤ قيادة للثورة بعد سقوط النظام وسؤ إدارة للخلافات بين مكوناتها، وكان تجمع المهنيين وقتئذ تائهاً ولا يقوى على فعل أي شيء غير الإنصياع لرغبات بعض الأحزاب من جهة وإستفذاذات السياسيين من جهة أخرى، وحيث ظهر ضعيفاً ومجاملاً الأحزاب في العديد من القضايا ومتحفظاً دون أن يسمع له صوتاً في قضايا أخرى، وان عجز تجمع المهنيين في القيام بأي عمل ثوري بعد سقوط النظام جعل منه أن يقع فريسة ساهلة في أيدي الأحزاب.

ولقد شاهدنا كيف كان الصراع والارتباك في صفوف التجمع بعد سقوط النظام، حيث كان هنالك من ادعى رئاسته للتجمع في وسائل الإعلام الرسمية مثل الدكتور محمد يوسف وهو شخص ينضوي تحت ستار تنظيم سياسي معروف.

وهنالك من ادعى أنه ناطق ومتحدث باسم التجمع مما دفع التجمع في أن يقوم بإصدار بياناً نفى من خلاله إدعاء رئاسته من قبل محمد يوسف، وحدد من هم المتحدثين الرسميين باسم التجمع، ومنذ ذلك الحين بدأت الخلاف تدب في صفوف التجمع مما فتح المجال واسعاً لصراعات ومنافسات الأحزاب على إختطافه.

وأصبح التجمع أداة استخدام في ايادي أفراد وأحزاب وفشل فشلاً زريعاً في أن يحافظ على موقعه الريادي والقيادي في الثورة، وفشل حتى في القيام بواجباته في هيكلة وبناء المؤسسات النقابية، وان انقسام تجمع المهنيين الأخير كشف عدم التناسق والتناغم بين الأجسام المكونة للتجمع، وهو خير دليل على إفراغ التجمع عن محتواه النقابي وإلباسه عباءة السياسة وهذا ينم على الفوضى وعبث الأحزاب داخل التجمع.

والتجمع الذي لا يستطيع إدارة خلافاته غير جدير بإدارة وقيادة الثورة السودانية والتى هى أكبر من التجمع وكآفة الأجسام المكونة له، وأكبر من قوى الحرية والتغيير، فكان من الأفضل للتجمع وللثورة السودانية، أن يحافظ التجمع على تماسكه ووحدته ويعمل على توحيد كآفة مكونات الثورة الأخرى، بدلاً من حرب البيانات والاتهامات بين إجسام وقيادات التجمع.

وعلى قيادات تجمع المهنيين الذين يدعون الشرعية عليهم أن يدركوا بأن شرعيتهم زائفة وان قرارات المؤتمر الذي عقد مؤخرا لا يدعم الثورة في شئ بل يبدد مكتسباتها وهو لا يختلف كثيرا عن مؤتمرات النظام البائد ومؤامراته الاخصائية.

وعلى كآفة إجسام التجمع أن يتذكروا ان اليوم هو الغد الذى كانوا قلقين عليه بالأمس، وان الخيار الأفضل على بلادنا وعلى كآفة مكونات الثورة السودانية هو أن يكونوا حريصين على الثورة وجاهدين على تحقيق أهدافها، سيما إستثمارها في إعادة النظر في السلوك والأفكار والمشاريع السياسية الأحادية القديمة، وان يعمل الجميع بروح المسؤولية الوطنية من أجل خلق رؤى مستقبلية جديده تقوم على الشراكة من أجل إحداث التغيير المطلوب في أعمدة الدولة، وان السلام هو أول الخطاوى لبناء وطن يسع جميع السودانيين دون تمييز، وليس هنالك أي مجال للعجز عن تحقيق التغيير، واذا ما عجزنا عن ذلك علينا أن نتذكر قول الطبيب النمساوي فكتور إميل “حين نعجز عن تغييرِ موقف ما فنحن أمام تحدٍ لتغييرِ أنفسنا”

وكل عام وبلادنا بألف خير.

محمد عبدالله ابراهيم
[email protected]

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق