حوار بين من ترتدي “النقاب” ومن ترتدي “البوركيني”

تابع كثيرون صراعا فكريا حول لبس زي شرعي يستخدم كلباس للبحر أي بدلا من المايوه البكيني، وهو يسمى البوركيني، وهي كلمة مكونة من كلمتي “برقع” رمزا للحجاب و”بكيني” رمزا للمايوه البكيني.

وقد تسبب خلاف بين عائلتين حصل مؤخرا بين نزلاء قرية سياحية في الساحل الشمالي في مصر، في إحداث موجة من الجدل عن هذا المايوه الشرعي، تخللتها اتهامات بالعنصرية بين أبطال الواقعة.

وبدأت الواقعة عندما ثار خلاف بين عائلة مصرية وأخرى بسبب رغبة العائلة الأولى في إخراج سيدة من العائلة الثانية من مسبح القرية السياحية بحجة أنها ترتدي ثوب سباحة شرعيا (البوركيني)، وقالوا إنه لا يمكن السماح به في هذا المسبح.

ووثق شاب مصري الواقعة بمقطع مصور، نشره عبر حسابه في موقع “فيسبوك”، يسمع فيه اعتراض العائلة الأخرى على ارتداء زوجته المايوه الشرعي “البوركيني”.

ودافعت من ترتدي البوركيني بأنها ترتدي لباس سباحة شرعي ترتديه النساء حتى في مسابح كاليفورنيا في الولايات المتحدة، متهمة المعترضين عليه بالعنصرية، وسط دعوات من جانب البعض بتقبل الآخرين والاستمتاع باليوم.

وتطور الأمر بين رواد المسبح، معتبرين أن مشهد المايوه الشرعي “غير لائق” أو غير مناسب، مما اضطر بعض الأشخاص من القرية السياحية للتدخل لحل الإشكال بين الطرفين.

قد تصاب من ترتدي البوركيني بالصدمة من هذه الاتهامات وهي التي كانت تكيلها بالأمس القريب لمن ترتدي المايوه البكيني!

وانتشر الأمر على شبكات التواصل الاجتماعى وكان دعم البوركيني واضحا عند البعض فرأينا تعليقات من نساء يضعن صورتهن بالبوركيني ويكتبن “بالبوركيني وأفتخر” وفي الجانب الآخر هاجمه آخرون.

ووسط هذا الصراع الفكري والأيديولوجي جال بخاطري كيف تنظر من ترتدي “النقاب” إلى من ترتدي البوركيني وتظن بلبسها له أنها قمة الاحتشام والفضيلة!

وحتى نكون واقعيين فإن كثيرات ـ وإن لم يكن جميع ـ من يرتدين زيا مثل البوركيني يرون أن من ترتدي المايوه البكيني بأنها قليلة الحياء وتدعو الآخرين إلى الرذيلة.

وتصورت في هذا الحوار كيف أن المنقبة ستقول لمن تلبس البوركيني إنها “سافرة” وستهاجمها بتهمة السفور فتعريف السافرة في اللغة العربية هي من تكشف وجهها (وليس شعرها كما يظن الكثيرون!).

وتصورت كيف أن المنتقبة قد تقول لمن ترتدي البوركيني بأن لبسها يخالف الشريعة الإسلامية لأنه يصف جسدها ويظهر تضاريسه، فثياب المرأة تبعا للشريعة ينبغي ألا تصف ولا تشف!

وقد يتطور الأمر فتصف المنتقبة من ترتدي “البوركيني” بأن كشف وجهها وتضاريس جسدها فجر ودعوة للانحلال في المجتمع ونشر للفسوق بين العباد.

فوجه المرأة كما تراه هذه المنتقبة هو أكثر شيء يفتن الرجال، وحجتها في ذلك أن نساء النبي كن منتقبات ومشين وراءه “كالغرابيب” أي بالنقاب كما تقول كتب التراث في شرح الآية الكريمة “يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” (سورة الأحزاب آية 59).

وقد تستطرد هذه المنتقبة في هجومها على هذه “السافرة” التي ترتدي البوركيني وتفتن الرجال بلباس يظهر جمال ونضارة وجهها وتضاريس جسدها فتتوعدها بالعذاب الأليم لأنها تشيع بلبسها للبوركيني الفاحشة في الذين آمنوا وستسرد لها هذه الآية لتؤكد وجهة نظرها “إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (سورة النور آية 19).

وقد تصاب من ترتدي البوركيني بالصدمة من هذه الاتهامات وهي التي كانت تكيلها بالأمس القريب لمن ترتدي المايوه البكيني!

تصورت كيف أن المنتقبة قد تقول لمن ترتدي البوركيني بأن لبسها يخالف الشريعة الإسلامية لأنه يصف جسدها ويظهر تضاريسه، فثياب المرأة تبعا للشريعة ينبغي ألا تصف ولا تشف

ويذهب خيالي في هذه اللحظات لامرأة منتقبة ثانية تدخل على الجميع فجأة وتتهم المنتقبة الأولى ـ وسط ذهول الأخيرة ـ بأنها “فاجرة” وتدعو للانحلال لأنها تظهر عينيها اليمنى من داخل النقاب، وهو ما يخالف ما جاءتنا به كتب التراث وما جاء به العلماء في فهم “للإسلام الحنيف” فقد روي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة”.

وقال محمد بن سيرين: “سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن)، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى”.

ومن أقوال أبو سفيان الثوري الشهيرة وهو أحد الفقهاء المعروفين أن “المرأة كلها عورة صوتها وبدنها ولا يصح أن يرى منها إلا العين اليسرى”.

وفي تلك اللحظة سيكون الأمر أكثر إضحاكا إذا دخلت عليهن امرأة ممن استعبدهن “داعش” وهي تظهر “ثدييها” وتقول للجميع “ما رأيكم بزيي الإسلامي الشرعي، فأنا أمة مسلمة عورتي فقط من السرة إلى الركبة كما جاء في كتب الحديث، فطبقا للحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: “إذا زوج أحدكم عبده أو أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة” سنن أبي داود وسنن الدارقطني!

وفي تلك اللحظات قد يفيق البعض ويدرك أن كل ما يستخدمه من حجج لنقد الآخرين قد يستخدمه بعض آخر ضده وبنفس الطريقة! فكما تدين تدان وكما يقول السيد المسيح عليه السلام “بالدينونة التي تدينون بها تدانون وبالكيل الذي تكيلون به يكال لكم!”.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق