مقالات وآراء

ومات عمنا (حمزة) مقهورا مظلوما

تشهد الساحة السياسية في السودان صراعا عنيفا بين الثوريين الذين يطالبون بالعدل والحرية ويريدون تطبيق الشعارات المستلهمة من ثورة ديسمبر المجيدة ، بالمقابل هناك (الكيزان) أنصار النظام القديم الذين يدافعون عن الأوضاع الظالمة ويساندون المستبد ويدافعون عنه ويدعونهم في مناسباتهم الخاصة ليحمي مصالحهم ويحاولون جاهدين بان يكره الشعب ثورته المجيدة حتى يمهدوا للمستبد ان يتسلط علينا من جديد . وبين الثوريين وانصار النظام السابق هناك الغالبية من السودانيين يمثلون نموذج الانسان البسيط الذي يعيش في قوقعته و لا يعبأ إطلاقا بالشئون العامة وهو يتعايش مع الاستبداد ويتقبل الظلم مادام يحدث للآخرين. ويعلمنا التاريخ أن لا أحدا ينجو من الظلم في دولة ظالمة. مهما انعزل الإنسان وتفرغ لشئونه الشخصية فان الدولة الظالمة سوف تؤذيه إن لم يكن اليوم فغدا
وها هي قصة عمنا (حمزة) البسيط المسالم المنعزل في قوقعته وهو عامل في احد المصالح الحكومية ويعمل في اوقات فراغه او بعد الدوام الرسمي في احد المزارع وذات يوم يتعرض للظلم وكان ذلك حين مرض ابنه الوحيد ولم يجد له علاجا في المستشفى الحكومي في المدينة ونصحوه من كانوا هنالك بأن لا يستنزف الوقت لا يوجد علاج لابنك الا في المستشفيات الخاصة وباهظة التكاليف وحمل ابنه الوحيد على كتفه وجسمه النحيل الذي لا يقوى على هذا المجهود وذهب لجميع المستشفيات الخاصة فلم تقبله بل ولم تهتم به لأنه لا يملك المال الذي يودعه قبل بدأ اجراءات العملية فلجأ لشباب (الحلة) ولكن تأخر الوقت حين بدأوا جمع المال وذهبوا الي ابنه وجدوه مات على حجر أمه خارج سور المستشفى الضخم الخاص الذي يملكه احد انصار النظام وفقد ابنه الوحيد روحه . وعاد عمنا (حمزة) الى البيت حزينا ومقهورا لمن يشكو ولمن ينتحب ومرض عمنا (حمزة) مرضا شديدا ومات من القهر لانه حين مرض ابنه عندئذ لم تسعفه الدولة بل ساهمت في ظلمه.
لدينا في السودان الالاف من نموذج طبق الأصل من عمنا (حمزة) رحمه الله الذي يفضل اكل العيش وتعليم ابنائه على العدل والحرية. ولا يهمه أي شيء في العالم وهو على أتم استعداد لتجاهل الظلم مادام المظلومون بعيدين عنه وعن أسرته.
عمنا حمزة راى الظلمة يعبثون بموارد الدولة وكل من يتكلم عن الظلم كان النظام يضعه في السجن والقى النظام الفاشي عشرات الشرفاء في السجون الذين يدافعون عن حقوق عمنا (حمزة) في العلاج وفي التعليم وفي العيش الكريم فلم يهتم بهم وكتم شهادة الحق وصدق اعلام (الكيزان) بان هؤلاء الشباب لن يحدثوا اي تغيير وحين طالبت نقابة عمنا حمزة في المصلحة بالعصيان لإسقاط النظام كان من أول الرافضين حتى يظل في مأمن من بطش أجهزة الامن وظلمها .. وتعلم عمنا (حمزة) الدرس لكن بعد فات الاوان وسلم روحه الى بارئها ,وانه لا احد ينجو من الظلم في الدولة الظالمة فان لم يكن اليوم فغدا
ولحمايتك من الظلم أسعى مع الاخرين في تأسيس دولة العدل والقانون ومقاومة الظلم حتى ان لم يصيبك ويكون على مبدأ وليس على المصالح

ياسر عبد الكريم
[email protected]

تعليق واحد

  1. و كم من حمزةٍ قد رحل عن دنيانا و لا نعرف قصته.
    لن انس ابدا مقولة صاحب الكارو الذي رجع تاني يوم – بعد ان طرده صاحب العمارة من ضل عمارته بالأمس – فوجد خيمة عزاءٍ و عندما سأل عن المتوفى و عرفه قال كلمته الشهيرة “أحماني ضلها، و فاتها كلها؟”
    رحم الله حمزة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..