مقالات سياسية

يا أبناء دارفور هبوا لنفرة السلام الأهلي

د. سعاد الحاج موسي

لا تزال الأحداث الدموية التي عصفت بمجتمعات دارفور منذ العام الماضي تراوح مكانها وحصاد عنفها من الأرواح البريئة والممتلكات وما أفشته من الرعب والكراهية والغبن، أحداث الليلة كالبارحة أرجعتنا الي جرائم الإنقاذ والابادة الجماعية للمدنيين، خاصة النساء والأطفال وسياسة الأرض المحروقة. المؤسف هو ما تبعها من حمي الاستقطاب والاصطفاف القبلي لتبريرها والدفاع عنها والتصدي بإلقاء الملامة علي الآخر ظالما أو مظلوما مما أدي الي المزيد من الاحتقان والتوتر، فكل من بادر بقول الحق أتاه الرد صفعة وطعنة في وطنيته واتهام بالقبلية والاثنية ورفض الحقائق التاريخية التي أتاحت للمجتمعات العيش متسالمين متبادلين للمنافع الزراعية والحيوانية المتكاملة ومتي ما تعكر صفو الأجواء بينهم نجدهم يحتكمون الي أجواد ورواكيب وأعراف وجوديات تعارفوا عليها ولها قدرها في نفوسهم فينصاعون لحكمها ويلتزمون بها وأسهمت تلك الوسائل والمبادرات المحلية والاحترام المتبادل في حفظ الأمن وإعادة الاستقرار بين أطراف الصراع.  والآن نبحث عن تلك الارادة فلا نجدها بعد أن لوثتها الإنقاذ بالظلم والفساد والاستقطاب الاثني والعنصرية والتعدي على حقائق التاريخ وحقوق الناس حتي صارت الأيدي لا تعرف إلاّ التلويح بالبندقية ووابل الرصاص. استمرار هذه الأوضاع لا تنتج منتصرين ومهزومين وانما نتاجها الهزيمة للجميع والابادة والشتات. فعلي أبناء دارفور نبذ الانفعالات واللهجة القبلية العنترية التي تؤلِّب وتزيد وقود الحرب وتؤدي الي فقدان المزيد من الأرواح، عليهم إعمال صوت العقل وإيقاف صوت البندقية والدعوة للجلوس للحوار بغرض الصلح، ومهما كانت حجم الخسائر اليوم ستكون غدا أضعافا مضاعفة ولذلك يجب الهبة بصلابة لإيقاف هذا الدمار وتقديم التنازلات لحفظ أرواح الناس.

علي أبناء دارفور الذين وقفوا متفرجين واختاروا أضعف ايمانهم فسكتوا وهم يدركون أن السماء لا تمطر سلاماً،  عليهم أن ينفضوا عنهم حالة اللا مبالاة ويهبوا لرأب الصدع  بالدعوة الي التصالح والمصالحة وقيادة هذه المجتمعات الي محكمة التعافي ورتق النسيج الاجتماعي، والاقليم يزخر بالكثيرين ممن لهم باع طويل في تجارب الصلح القبلي والمصالحات التي نجحت في الماضي في حسم خلافات حادة ودامية بين القبائل، ومن المتخصصين في المعارف الحديثة لبناء السلام وصنعه والحفاظ عليه، وتكامل الوسائل التقليدية والتجارب والمعارف الحديثة سيسهم بلا شك في انتقال المجتمع من خانة الإحتراب الي نبذ الفرقة والشتات وتحقيق الاستقرار فما حك ظهرك مثل ظفرك.

ومن واجب حكومة الثورة التصدي الثوري لفرض هيبة السلطة وحسم الانفلات الأمني دون تردد أو مجاملة وتقديم الجناة للعدالة ومحاسبتهم فهذا هو واجب الحكومات ودورها فما بالك بحكومة ثورة شعارها: حرية – سلام – وعدالة. عليها ألا تترك المجال للأحداث لتتوالي أو تتصاعد مرة اخري كما يحدث الآن وأن توقف آلة الخراب والدمار والأيدي التي تستخدمها، وتحفظ الأمن وتراقب وتوقف الاعتداءات، وذلك ليس بمستحيل على الحكومة ويجب أن تكون قادرة على ذلك.

ولكن السلام المجتمعي لا تستطيع الحكومة أن تفرضه بل يأتي بإرادة المجتمع وأفراده ورغبتهم في السلام والاستقرار والتسليم لصوت الحق ولذا يجب أن يبادر به ويتبناه أبناء دارفور، خاصة المقيمين بالخرطوم. أما لماذا الخرطوم؟ فلأن بها الكثيرون ممن ينتمون الي جميع قبائل دارفور وبيوت الإدارات الأهلية وذوي التخصصات العلمية والأدبية والمعارف العسكرية المتنوعة ومن أهل الجوديات الحصيفين والمصالحات، ولديهم الإمكانات المادية والاقتصادية، والمقدرة على الحركة والاتصال والتواصل الداخلي والخارجي ولقربهم من مركز القرار. والأهم أن بها منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال السلام والأمن والتنمية، وعلي أحدي هذه المكونات أفراداً و جماعات شبابية وسياسية مستقلة شاملة الجبهة الثورية، ولجان المقاومة، عليهم تبني الدعوة لنفرة للسلام الأهلي واستنفار أبناء دارفور ومنظماتهم بالداخل والخارج ووضع خطة للحراك المجتمعي لينتظم الإقليم بأسره، نساء ورجالاً شيبا ًوشبابا وأطفال، استنفارهم في نشاط حيوي وفاعل لبناء السلام المجتمعي، ليبدأ عاجلا بتكوين لجان لتهدئة الخواطر تقوم بالطواف بكل القري والمدن في دارفور، وتنظيم مؤتمرات محلية تختم بمؤتمر عام للصلح. علي أبناء دارفور بالحكومة الانتقالية بشقيها السيادي والمدني احتضان هذه النفرة والدفع بها ودعمها بصفتهم الشخصية والدستورية.

ولا ننسي أن لأبناء دارفور مساهماتهم الفاعلة والمستمرة عبر اداراتهم الأهلية وعلاقاتهم الشخصية في معالجة الكثير من الإشكالات القبلية الدموية في السودان، خاصة في إقليم كردفان، ومن هنا نناشد الإدارات الأهلية بكردفان أن يردوا الجميل بأجمل منه ويقوموا الي مساعدة أهل دارفور في مشوار الصلح المجتمعي، ليس ذلك فحسب وانما الهالة الثورية الماثلة الآن تفرض على كل أبناء السودان الثوريين أن يمدوا أيديهم لدعم سلام دارفور وألاّ يقفوا متفرجين غير مبالين ومنهم الشامتين فما لم تستقر دارفور، كما أثبتت تجارب الماضي القريب، لن يستقر السودان ولن يكون بمقدوره جني ثمار أية ثورة. علي الثوار الوطنيين الشرفاء أن يستشعروا بما يجري في دارفور الخطر على السودان بأكمله فما يجري لا يبدو انها أحداث عنف محلية متفرقة منفصلة لمتفلتين لا رابط بينهم، بل هي عروض منظمة تنذر بقادم خبيث لا يتردد في تحقيق غرضه علي أشلاء الأبرياء وعلي الثوار أن يفوتوا على هؤلاء المتربصين من فلول الإنقاذ ومن آمن برسالتهم كل الفرص لتحويل دارفور الي قشة لقصم ظهر الثورة. فسلام دارفور يعني سلام السودان فهلموا لبناء السلام والحفاظ عليه.

الرحمة والمغفرة للشهداء وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين

د. سعاد الحاج موسي
[email protected]

تعليق واحد

  1. يا بت الناس سلام شنو في دارفور و الجنجويد و تاتشراتهم تنتشر ليس في دارفور فقط بل بطول السودان و عرضه بل و يحتفي بهم
    لنسمي الأشياء بأسمائها ما لم يزول الجنجويد لن يكون هناك سلام في كل السودان و ليس دارفور فقط و الدور جائز علي الجميع و دارفور مجرد بداية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..